ريشة الفارس كان حملً ثقيلا تحملته لأعوام وها قد أتى الوقت لتتحملوه معى... لا أعلم كيف أبدأ رسالتي هذه، فأنا لم أكتب قبلا أى رسالة، وذلك لأن ما من أحد سيقرأها على أى حال ولا أعلم أيضا إن كان سيقرأ أحد هذه الرسالة الذي كتبها رجل لا يعرفه ولن يعرفه، أشعر بأن من سيقرأ هذه الرسالة سيكون بيني وبنته عصور عديدة، وأرجو من أعماقي بأن يكون عالمه غير عالمي هذا، الذي لا أعلم كيف استطعت أن أتحمله بكل هذا العبث والحمق الذي يتصف به. لذا سأبدأ أولا بتعريف نفسي أنا أنا.. يا لغبائي نسيت بأني لم أعد أتذكر أسمي منذ مدة طويلة، منذ أن تم أحتجازي بهذه الزنزانة الكئيبة التي لم يخرج منها أحد حيًا من قبل، سأبدأ مجددا أنا الفارس هذا ليس اسمي بالطبع وإنما هو ما كنت قبل أنا أكون محجزا هاهنا، فقد كنت فارسا أحمي مملكتي ووطني الغالي على قلبي رغم كل ما حدث معي لا زلت أحبه ولا أندم على ما فعلته من أجله، مملكتي تسمى إليانور، ودعني أكون صريحًا معكم لا أعلم لما سميت بهذا الاسم فالنور لم يطأ هذه المملكة منذ عقود وعصور، هى أرض يملئها الظلم والظلام، والغريب أن لا أحد يرى ذلك ولا يشتكوا منه، فقد ترى الأطفال تُختطف ولكن لا أحد يتحرك، حتى ولو كانا والديه يسمعون صرخات أولادهم ولكنهم يصمون آذانهم عن ما يحدث، وهكذا مع كل منكرات الله فلا يزلزلهم شىء ولا يحركهم ساكن. عشت مع أبي منذ أن كنت صغيرا، كان من الممكن أن أكون طفلًا عاديا مثل أطفال كل قريتي ولكني لم أكن كذلك لأن أبي لم يكن كذلك، بدأ الأمر بالنسبة لي منذ أنا أصبحت أدرك ما حولي، كنت أرى أبي دائما ممسكا بريشة ويغرسها في لون ما ويبدأ بتلطيخ ورقة النخيل أو قطعة جلد، كانت الخامات تختلف كل مرة، ولأني لمدة طويلة لم أكن أرى سوى أبي الذي يرعاني وحده، كان أبي هو معلمي الوحيد وصورتي عن العالم كانت مستمدة منه، كنت فضوليا لأعرف ما يفعله أبي ولكني لم أسأله سوى بعد رؤيته لعدة مرات فاستجمعت شجاعتي وذهبت لسؤاله وكأنه قد أنتظر هذه اللحظة منذ وقت طويل فقد كانت عيناه تحمل لمعة مميزة لم أراها في عينيه قبل هذه اللحظة، أجابني بعد فترة من الصمت يتأملني فيها بكلمة واحدة وهى (أكتب)، منذ هذه اللحظة أصبح أبي يناديني عندما يبدأ في الكتاب أخبرني أبي بأن ما يفعله سيحفظ لنا تاريخ مملكتنا وأنا على تعلم الكتابة لإشارك في هذه المسؤولية العظيمة.