"ريح... ريح... ريح!"
تعالت الأصوات والهتافات باسم "ريح"، المتسابق الغامض الذي اجتاح المنافسين في غمضة عين.
ارتفعت الهتافات مرة أخرى حين ظهرت دراجة بجانب ريح، لكن لم تمر سوى ثوانٍ حتى تجاوز ذلك المتسابق هو الآخر.
وفجأة...
وصل ريح إلى خط النهاية!
تعالت الأصوات والهتافات باسمه من جديد، وسط تصفيق حار من المشاهدين، ونظرات غضب خفية من بقية المتسابقين.
هبط ريح من فوق دراجته، وبدأت الجماهير تهتف مطالبةً إياه بنزع خوذته، فقد سبق ووعدهم بأنه سيفعل ذلك حين يفوز بهذا السباق.
أومأ بهدوء، ثم رفع يديه نحو خوذته.
وفي تلك اللحظة، احتُبست الأنفاس.
نزع ريح الخوذة والقناع الذي كان يخفي ملامحه، فظهرت أمام الجميع فتاة ذات شعر أسود طويل ينافس سواد الليل، ينسدل على ظهرها بهدوء يشبه هدوء صاحبتها.
قال الجميع بصدمة:
- دي طلعت بنت مش ولد!
نظرت إليهم بغرور وقالت:
- اسمي ليندا.
وهذه المرة، تعالت الهتافات باسمها.
وخلال كل ذلك، كانت هناك عينان تراقبانها بصمت وترقب، تتلألأ داخلهما نظرة غامضة.
---
انتهت الليلة، وعاد الجميع إلى منازلهم بعد أن اتفق المتسابقون على موعد السباق التالي.
أما ليندا، فعادت إلى منزلها مرهقة بعد سباق شاق.
دخلت المنزل لتجد والدتها جالسة على أحد المقاعد.
قالت والدتها بحزن:
- برضو يا ليندا بتسابقي تاني؟ مش اتعلمتي من موت ابن خالتك؟ ارحميني يا بنتي.
نظرت إليها ليندا بهدوء وقالت:
- عشان أجيب حقه يا ماما. ده ابن خالتي، وهاجيب حقه يعني هاجيب حقه.
ثم تركتها وصعدت إلى غرفتها.
أغلقت الباب خلفها، ثم جلست على الأرض وانهمرت دموعها بقوة.
قالت بصوت متحشرج:
- سبتني ليه يا مراد؟ قولتلك بلاش السباق ده وإنت صممت. دخلنا سوا وخرجت لوحدي... ومن ساعتها وأنا بتسابق لوحدي لحد ما أجيبلك حقك يا حبي.
ومن شدة البكاء، غلبها النوم في مكانها.
---
في مساء اليوم التالي، كانت تستعد كعادتها.
ارتدت خوذتها وهي تتذكر ذلك اليوم حين كانا يقفان فوق أحد الجبال أثناء رحلة قديمة.
كانت تنظر إلى القمر بهدوئها المعتاد، بينما كان مراد يراقبها بمشاكسة.
قال:
- يا بنتي، هدوءك ده مينفعش. تعالي نعمل أي حاجة مجنونة.
ضحكت ليندا وقالت:
- اعقل يا مراد، اللي يشوفك ميقولش إنك أكبر مني بأربع سنين.
ضحك وقال:
- مش بالسن يا عمري.
وضحكا سويًا.
ابتسمت ليندا بألم وهي تعود إلى واقعها، ثم استقلت دراجتها متجهة إلى مكانها المعتاد.
وصلت خلال أقل من ربع ساعة.
وفور وصولها، سمعت الهتافات باسم "ريح".
بادلتهم ابتسامة خفيفة، ثم وقفت تستعد للسباق.
اصطف المتسابقون، وبدأ العد التنازلي.
3...
2...
1...
انطلقت الدراجات بسرعة هائلة.
وكالعادة كانت ريح في المقدمة.
لكن قبل وصولها إلى خط النهاية مباشرة، تفاجأت بمتسابق يظهر بجانبها ويتمكن من عبور خط النهاية أولًا.
قالت ببرود:
- ألف مبروك الفوز... بس متتعودش.
نظر إليها المتسابق الآخر وقال:
- إزاي وأنا أستاذك؟
تجمدت للحظة حين سمعت صوته.
تحرك شيء داخلها، لكنها أخفت مشاعرها جيدًا.
نظرت إليه مطولًا وقالت ببرود:
- لو قصدك عشان كنت قديم هنا ورجعت تاني، فأقدر أقولك إن التلميذ غلب الأستاذ.
ابتسمت بهدوء وتحركت نحو الطريق المؤدي إلى منزلها.
لكنها شعرت بوجود شخص يسير خلفها.
تجاهلته وأكملت طريقها.
قال بهدوء:
- أنا عارف إنك زعلانة مني، بس مينفعش كده.
نظرت إليه نظرة خالية من المشاعر وأكملت السير.
قال بعصبية خفيفة:
- ليندا! بلاش النظرة دي... واستني.
ثم أمسك بذراعها.
استدارت إليه بعين ممتلئتين بالغضب وقالت:
- عايزني أقول إيه يا مراد؟! أقولك وحشتني؟ وأنا كنت فاكراك ميت؟! سبتني عايشة في عذاب كل ده ليه؟ أنا عملتلك إيه؟
نظر إليها بحزن وقال:
- ليندا... اسمعيني. والله غصب عني، لازم تسمعيني.
قالت بألم:
- ولما أسمعك هستفيد إيه؟ سبتني لوحدي وأنا كنت محتاجاك.
تنهد بحزن وقال:
- لازم تسمعيني... عشان ممكن تكون دي آخر مرة تشوفي فيها مرادك.
اتسعت عيناها بخوف وقالت:
- إنت بتقول إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
وسقطت دموعها.
مسح دموعها برفق وقال:
- ليندو... قلب مراد متعيطش أبدًا. هتسمعيني؟
هزت رأسها وقالت:
- هسمعك يا مرادي.
قال بحزن:
- ممكن تكون آخر مرة أسمع فيها اسمي منك.
ازداد خوفها وقالت:
- في إيه يا مرادي؟ إيه اللي حصل؟
قال بهدوء:
- تعالي نروح مكاننا المفضل.
وبالفعل ذهبا إلى البحر وجلسا هناك.
ساد الصمت طويلًا قبل أن يقطعه مراد قائلًا:
- فاكرة آخر سباق لينا؟ السباق اللي الكل افتكر إني مت فيه؟
قالت بحزن:
- أيوة... إيه اللي حصل؟
وبدأ مراد يحكي لها كل ما حدث:
قبل السباق بيوم لقيت واحد طلب يقابلني لوحدي. روحتله، لقيته بيقولي: "لو مخسرتش السباق ده وسبت ليندا، هموتها قدام عينك".
ليندا: - وإنت حضرتك سبتني من غير ما تقول؟ إحنا مش متعودين، بنحل كل مشاكلنا مع بعض. ليه اتصرفت في دي من دماغك يا مراد، ليه؟
مراد: - خوفي عليكي وقتها كان أكبر من أي حاجة تتخيليها، فوافقت.
ليندا: - كمل يا مراد.
مراد: - يوم السباق كنت هسيبك تفوزي وخلاص. في آخر السباق اتفاجأت بدراجة دخلت المسار وراحت خابطة في واحدة تانية والناس اتلمت، بس أنا محستش بأي حاجة بعد كده. فوقت لقيت نفسي متكتف في مخزن والراجل ده قدامي وبيقولي:
الشخص: - تصدق ليو طلع شكلها حلو وهي بتعيط، وطلعت بتحبك أوي يا مراد.
مراد بخوف: - إنت عملت فيها إيه؟ انطق! أنا كنت هنفذ اللي قولت عليه.
الشخص: - لا يا مراد، إنت عملت اللي عليك وأنا كمان نفذت الوعد. بس مكنتش قولت باقي الاتفاق: إنك هتبان قدام الكل إنك موت في السباق، عشان أنا بحب ليندا ولازم أظهر في حياتها.
مراد بصراخ: - إنت مش بتحبها! ده مش حب، ده هوس. إنت كده بتأذيها.
الشخص بضحكة: - اهدي يا مراد، لأحسن يحصلك حاجة بجد.
مراد بحزن: - إنت عايز إيه مني؟ مش عملت اللي عليا؟ سبني أمشي وهي مش هتشوف وشي، أوعدك.
بالفعل الشخص أطلق سراحه.
خرجت وفضلت ماشي في الشارع محتار، مش عارف أعمل إيه. واتفاجأت بعربية جاية عليا بسرعة، ومحستش بأي حاجة غير لما فتحت عيني لقيت نفسي في المستشفى. بسأل الممرضة إيه اللي حصل، قالتلي إن من سنتين في واحد جابني هنا وكنت عامل حادثة. ومن ساعتها وأنا في غيبوبة، وكانوا كل ما يفكروا يفصلوا الأجهزة كانت بتخرج مني حركة يرجعوا في قرارهم، لحد ما فوقت أهو. وأول حاجة فكرت فيها إني لازم أجيلك وأعرفك كل حاجة، بس كنت مراقبك من بعيد قبل ما أظهرلك.
- لقيتك لسه زي ما إنتِ... بس أسوأ. برودك زاد، وحدتك زادت، حتى سرعتك زادت. كل حاجة فيكي اتغيرت يا لينو.
انفجرت بالبكاء وقالت:
- ليه يا مراد؟ ليه تعمل فينا كده؟ ليه تاخد قرار زي ده لوحدك؟ مريت بكل ده من غيري ليه؟
تنهد بحزن وقال:
- سيبك دلوقتي من كل ده... قوليلي إيه اللي حصل بعد الحادثة؟
مسحت دموعها وقالت:
- الدراجة كانت زي بتاعتك بالظبط. افتكرتك إنت. نزلت أجري عليك، لقيتك غرقان في دمك وملامح وشك مش باينة بسبب الأسفلت. انهرت... ومحستش بنفسي...
- وهنا انتهي الفصل الاول من اسكربت
- #سباق_غامض
- #گ_مريم_أبوعمر
- #ساحرة_الكلمات
𝕄ⱤɎӨMⱯ