قصة الكتاب

قصة الكتاب

24 1

في صباحٍ ضبابي، كانت مريم برفقة صديقتها أشواق في طريقهما إلى الكلية، تركضان على عجل كعادتهما بسبب التأخر.

أشواق: قلتُ لكِ ألا تؤجلي الاستيقاظ كل مرة.

مريم: وماذا أفعل؟ روتيني الصباحي مزدحم للغاية.

أشواق: إذن استيقظي أبكر وانتهى الأمر.

مريم، وهي تلهث أثناء الركض: هذه المرة أخطأتُ في التقدير… سأضبط منبهي على 05:30.

أشواق: بهدوء: كدتِ تسقطين فعلاً… ومع ذلك كل الحصص تبدأ في الثامنة والنصف.

مريم: بنفس الهدوء: قلتُ لكِ، روتيني مزدحم.

وصلا أخيرًا إلى الكلية.

مريم: رقم القاعة 03… السلام عليكم.

الدكتورة، بنبرة باردة يملؤها العتاب: وعليكما السلام، متأخرتان كالمعتاد.

أشواق: هذا بفضل روتين مريم اليومي.

مريم: آخر مرة يا دكتورة، أعدكِ بذلك.

الدكتورة: اجلسا. طيب يا طلاب، المطلوب اختيار موضوع بحث لكل اثنين أو ثلاثة ضمن مقياس تاريخ المغرب الإسلامي والأندلس، أو يمكن اختيار موضوع بشكل عشوائي.

مريم (حديث نفس): تختار عشوائي ثم تُسأل عن سبب الاختيار… تناقض لطيف.

الدكتورة: مريم وأشواق، موضوعكما هو الأندلس.

مريم: الحمد لله، موضوع ثري وممتع.

أشواق: الأندلس؟ كنتُ أفضل دولة الأدارسة، لكن لا بأس.

بعد انتهاء الحصة، خرجتا من القاعة.

مريم: ما رأيك أن نذهب إلى المكتبة؟

أشواق: ألم تنسي أنكِ وعدتِ بالذهاب إلى معرض الكتاب؟

مريم: صحيح… نسيت تمامًا. حسنًا، لنذهب إليه.

في طريقهما إلى معرض الكتاب، كانت مريم وأشواق تسيران بخطواتٍ هادئة بعد عناء الركض في الصباح. كان الطريق يعج بالطلاب والطالبات، تتداخل فيه الأحاديث والنقاشات العلمية، مما أضفى على المكان طابعًا ثقافيًا مميزًا. ورغم وجود بعض الضوضاء ومصادر الإزعاج المعتادة، لم يكن ذلك كافيًا لإفساد مزاجهما.

كانت مريم شاردة قليلًا، تفكر في أمرٍ ما قبل أن تتحدث بصوت هادئ يحمل شيئًا من الحماس:

مريم: لقد طلبت من رنيم وأحلام وشروق القدوم إلى المعرض. أظن أن الأمر سيكون أكثر متعة بوجودهن.

أشواق: فكرة رائعة، هكذا سنستمتع ولن نشعر بالملل أثناء التجول.

مريم: أتطلع لشراء كتب جديدة... همم، لا أعلم ماذا سأجد هذه المرة.

أشواق، ضاحكة: كأنك لم تنفقي ما يكفي من المال على الكتب من قبل!

مريم: أحب الكتب، ماذا أفعل؟ ثم إن لكل كتاب عالمه الخاص.

ابتسمت أشواق وهزت رأسها باستسلام، بينما تابعت مريم حديثها:

مريم: على أي حال، لم يتبقَّ الكثير. سنصل قريبًا.

في تلك اللحظة رن هاتف مريم، وكان المتصل رنيم.

مريم: مرحبًا، أين أنتن الآن؟

رنيم: نحن في الطريق، سنصل بعد حوالي ربع ساعة. لا تدخلا إلى المعرض قبلنا، فالمكان كبير وقد يضيع بعضنا عن بعض.

مريم: حسنًا، سننتظركن. لكن لا تتأخرن.

أغلقت الهاتف، ثم اتجهت مع أشواق نحو مدخل المعرض حيث قررتا الانتظار.

وبعد نحو ربع ساعة، ظهرت رنيم وأحلام وشروق من بعيد، وهن يقتربن بخطواتٍ سريعة وقد ارتسمت على وجوههن ابتسامات الحماس استعدادًا لجولة طويلة بين رفوف الكتب.

ما إن اجتمعت الصديقات الخمس عند مدخل المعرض حتى بدت الحماسة واضحة على وجوههن.

أحلام، وهي تنظر إلى المبنى الكبير أمامها: هيا بنا ندخل، أنا متحمسة جدًا! بالمناسبة، هل تظنون أننا سنجد أدوات رسم هنا؟

رنيم: ربما، لكن المعرض مخصص للكتب بالدرجة الأولى. قد تجدين كتبًا عن الرسم أو سير فنانين مشهورين.

مريم: وما الذي تنوين شراءه يا أحلام؟

أحلام: أي شيء يتعلق بالرسم والفنون، هذا إذا لم أُفلس قبل الخروج.

ضحكت الفتيات قبل أن تسأل مريم البقية:

مريم: وأنتم؟ ماذا تودون شراءه؟

أشواق: أما أنا فأريد أي كتاب يتحدث عن الثراء أو سوق العمل.

شروق، مبتسمة: أتفق معك، لكن تعلمي أساسيات الإحصاء والتجارة أولًا يا طالبة التاريخ.

أشواق: كأنكِ تتحدثين إلى طفلة!

رنيم: أما أنا فأفكر في شراء بعض الروايات الرومانسية اللطيفة.

1
1

ساد الصمت لثانية واحدة، ثم انفجرت الفتيات بالضحك.

أحلام: روايات رومانسية مجددًا؟

شروق: ذوقك ثابت منذ سنوات.

رنيم، متصنعة الجدية: وما المشكلة؟ الأدب الرومانسي فن راقٍ.

مريم: راقٍ جدًا لدرجة أننا نحفظ اختياراتك مسبقًا.

تعالت الضحكات مرة أخرى قبل أن تلتفت شروق نحو مريم.

شروق: وأنتِ يا مريم؟ ماذا تنوين شراءه؟

ترددت مريم قليلًا وهي تفكر.

مريم: في الحقيقة... أبحث عن شيء يتعلق بالأندلس.

توقفت الفتيات عن السير للحظة.

أشواق: الأندلس؟

أحلام: فجأة هكذا؟

رنيم: لا تقولي إنكِ دخلتِ في هوس تاريخي جديد.

مريم، مبتسمة: ليس هوسًا، بل لأنني وأشواق كُلّفنا بإعداد بحث عنها في مقياس تاريخ المغرب الإسلامي والأندلس.

شروق: الآن فهمت الأمر.

أشواق: ومن حسن حظي أن مريم تحب البحث التاريخي أكثر مما تحب النوم.

مريم: لا تبالغي، ما زلت أحب النوم أيضًا.

ثم دخلن المعرض وسط الزحام، تتنقل أبصارهن بين الأجنحة المليئة بالكتب، وكل واحدة منهن تبحث عن عالمها الخاص بين الرفوف.

دخلت الفتيات المعرض، وما إن تجاوزن البوابة حتى أحطن أنفسهن بعشرات الأجنحة الممتدة في كل اتجاه، وصفوف طويلة من الكتب بألوان وعناوين مختلفة.

شروق، وهي تدير رأسها حولها بإعجاب: المكان كبير ورائع حقًا! يجعلك قارئًا بالفطرة. بصراحة، ليس مملًا كما كنت أظن.

رنيم: فعلًا. لقد جئت مع أبي السنة الماضية، ومع ذلك ما زلت أندهش من حجمه.

أحلام، وهي تضحك بحماس: إنه أكبر مما تخيلت! هيا بنا نتجول بين الأجنحة.

بدأت الفتيات يتنقلن بين الرفوف، تتوقف كل واحدة أمام ما يلفت اهتمامها. وبينما كانت مريم تتأمل المكان، وقع بصرها على سيدة مسنة تجلس بجوار رف مليء بالكتب القديمة.

تقدمت نحوها بسرعة، ولحقت بها أشواق.

مريم: السلام عليكم يا خالة، هل لديكِ شيء عن الأندلس؟

السيدة العجوز، بابتسامة هادئة: وعليكم السلام يا ابنتي. نعم، لدي الكثير من الكتب القديمة. أما الجديدة فأصغرها عمرًا يتجاوز خمسة قرون.

تبادلت مريم وأشواق نظرة مندهشة.

أشواق ومريم معًا: معقول؟!

مريم، وقد ازداد حماسها: أبحث عن كتب حول الأندلس، والدولة العثمانية، وأي شيء يتعلق بتاريخ العصور الوسطى.

ضحكت السيدة العجوز برفق.

السيدة: يعجبني حماسك. آه... ليت الشباب اليوم يعودون إلى القراءة كما كان الحال في الماضي.

ثم انحنت قليلًا تبحث بين الكتب قبل أن تخرج ثلاثة مجلدات قديمة.

السيدة: تفضلي. هذه كتب عن الأندلس، وهذا عن الدولة العثمانية، ووجدت أيضًا كتابًا عن دولة الأدارسة.

أشواق: رائع! هذا ما كنت أتمناه.

أخذت مريم الكتب تتفحص عناوينها بعناية، وكأنها عثرت على كنز ضائع.

مريم: شكرًا لكِ. هل أدفع نقدًا أم بالبطاقة؟

السيدة: نقدًا يا ابنتي.

أخرجت مريم المبلغ، وبينما كانت تسلمه للسيدة قالت الأخيرة بنبرة غامضة:

السيدة: لكن احذري... للكتاب قوة عجيبة.

ابتسمت مريم وقالت بثقة:

مريم: نعم، قوة المعرفة.

هزت السيدة رأسها ببطء، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة غامضة.

السيدة: المعرفة إحدى قواه فقط... أما البقية فستكتشفينها بنفسك.

1

نظرت مريم إلى الكتاب بين يديها، بينما تبادلت أشواق نظرة متحيرة معها، غير مدركتين أن تلك الكلمات ستكون بداية أمر لم تتوقعاه أبدًا.

بعد ساعات من التجول بين الأجنحة والرفوف المليئة بالكتب، بدأت علامات التعب تظهر على الجميع.

أشواق، وهي تتنهد: أخخ... يا بنات، أشعر بجوع شديد. ماذا سنفعل الآن؟

أحلام ابتسمت بثقة وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة.

أحلام: أعرف مكانًا راقيًا قريبًا من هنا، وأضمن أنكم ستحبونه.

مريم: وأنا أيضًا تعبت. أشعر أن آخر جرعة كافيين في جسمي قد اختفت منذ ساعات.

رنيم: صدقتِ، أحتاج إلى قهوة حالًا.

شروق: وأنا كذلك.

ابتسمت أشواق وهزت رأسها.

أشواق: يا لكم من مدمنات قهوة.

ضحكت الفتيات واتجهن خلف أحلام التي قادتهن إلى مطعم أنيق يقع بالقرب من المعرض.

ما إن دخلن حتى توقفن للحظة يتأملن المكان. كانت الإضاءة هادئة، والطاولات مرتبة بعناية، وتنبعث موسيقى خافتة تضفي على الجو راحة مميزة.

أشواق، بإعجاب واضح: يااا أحلام! لم أتوقع أن يكون المكان بهذه الروعة.

أحلام: أخبرتكم أنكم ستعجبون به.

جلست الفتيات حول طاولة قرب النافذة.

أشواق: هذه المرة سأطلب شيئًا مختلفًا، سئمت من اختيار الطبق نفسه كل مرة.

رنيم: بشرط ألا تندمي بعد خمس دقائق وتبدئي بتناول طعامنا.

شروق: هذا ما يحدث دائمًا.

ضحكت أشواق وهي ترفع يديها مستسلمة.

أشواق: حسنًا، حسنًا، لن أفعل.

أما مريم فكانت قد وضعت الكتب الجديدة أمامها على الطاولة، وعيناها معلقتان بها.

أحلام: لا تقولي إنك تفكرين في القراءة الآن!

مريم: بل أفكر؟ أنا بالكاد أقاوم الرغبة في فتحها منذ اشتريناها.

رنيم: نحن في مطعم، والطعام سيصل بعد دقائق.

مريم: والكتب وصلت قبله.

شروق: يبدو أن الأندلس فازت على القهوة والطعام معًا.

ابتسمت مريم وهي تمرر يدها على غلاف أحد الكتب القديمة.

مريم: عندما أجد كتابًا جيدًا، يصبح الانتظار عذابًا حقيقيًا.

أشواق: هذا لأنكِ تنظرين إلى الكتب كما ينظر البعض إلى الكنوز.

مريم: ومن قال إنها ليست كنوزًا؟

ساد الصمت للحظة، ثم ضحكت الفتيات جميعًا، بينما كانت مريم قد بدأت بالفعل تقلب الصفحات الأولى من كتاب الأندلس غير آبهة بنظرات الاستغراب الموجهة إليها.

بعد أن انتهين من تناول الطعام، خرجت الفتيات من المطعم وقد بدأ التعب يظهر على وجوههن بعد يوم طويل بين أروقة معرض الكتاب.

مريم، وهي تحمل كيس الكتب: لقد تعبت كثيرًا اليوم، سأعود إلى الإقامة الجامعية لأرتاح قليلًا.

أشواق: لا تنسي أننا سنجتمع غدًا من أجل بحث الأندلس.

مريم: بالطبع، لن أنسى.

رنيم: هيا يا مريم، فنحن في النهاية نسكن في الغرفة نفسها.

شروق: أما أنا وأشواق فلدينا عمل مهم علينا إنجازه قبل المساء.

أحلام: وأنا سأرافقكما حتى الإقامة.

مريم، وهي تلتفت إلى أشواق: أشواق، عندما تنتهيان من عملكما تعالي إلى غرفتنا في المساء، لنتناقش في موضوع البحث، ونتبادل أطراف الحديث قليلًا أيضًا.

أشواق، مبتسمة: اتفقنا، لكن لا تبدأي البحث من دوني.

مريم، ضاحكة: سأحاول... لكن لا أعدك بشيء إذا أغراني أحد تلك الكتب.

ضحكت الفتيات، ثم افترقن عند مفترق الطريق، وكل واحدة اتجهت إلى وجهتها، بينما كانت مريم تضم كتبها إلى صدرها وكأنها تحمل كنزًا ثمينًا، غير مدركة أن أحد تلك الكتب سيغيّر مجرى حياتها بالكامل.

رنيم: مريم... أيقظتِني؟

مريم، وهي تهز كتفها برفق: استيقظي، إذا نمتِ الآن فلن تنامي الليلة، وقد حان وقت الصلاة.

رنيم، وهي تفرك عينيها بتكاسل: نسيت... آآه... كم كنت متعبة.

ثم انتبهت إلى وجود أشواق.

رنيم: أهلًا يا أشواق.

أشواق، مبتسمة: أهلًا، هيا استيقظي تمامًا. بالمناسبة... أين مريم؟

نظرت رنيم حولها، فلم تجدها في الغرفة.

في تلك اللحظة، خرجت مريم من الباب المؤدي إلى الشرفة، وقد ارتدت حجابها على عجل. كانت أنفاسها متسارعة قليلًا، وكأنها كانت تحاول استعادة هدوئها.

قبل دقائق، شعرت بضيق شديد بعد قراءتها للمخطوط، فخرجت إلى الشرفة تستنشق بعض الهواء، وأخذت تردد بصوت خافت:

مريم: أستغفر الله... أستغفر الله... لا حول ولا قوة إلا بالله.

وبعد أن هدأت قليلًا، عادت إلى الغرفة.

أشواق، وقد لاحظت شحوب وجهها: مريم، أين كنتِ؟

ارتبكت مريم للحظة، ثم أجابت بسرعة:

مريم: لا... لم أكن... أقصد، كنت في الشرفة أستنشق بعض الهواء فقط. الجو رائع هذا المساء.

رفعت أشواق حاجبها وهي تنظر إليها بشيء من الريبة.

أشواق: متأكدة؟ تبدين متوترة منذ أن فتحتِ ذلك الكتاب.

ابتسمت مريم ابتسامة متكلفة.

مريم: لا تقلقي، ربما أنا مرهقة فقط.

لم تقتنع أشواق تمامًا، لكنها لم تُرد الإلحاح. أما مريم، فكانت تخفي في داخلها خوفًا متزايدًا، وكلما وقع بصرها على الكتاب الموضوع فوق المكتب، شعرت أن الكلمات التي قرأتها قبل قليل ما زالت تتردد في ذهنها، وكأنها ترفض أن تغادره.

أشواق، وهي تنظر إلى مريم بفضول: قلتِ قبل قليل إنكِ قرأتِ شيئًا خطيرًا... ماذا اكتشفتِ؟

نظرت إليها مريم باستغراب.

مريم: هل... قلتُ ذلك فعلًا؟

أشواق: نعم، وكنتِ خائفة جدًا.

وضعت مريم يدها على جبينها.

مريم: يبدو أنني قلته بصوت مرتفع دون أن أشعر.

رنيم، وقد زال عنها النعاس تمامًا: هيا، افتحي الكتاب واقرئي لنا. لقد أثرتِ فضولي.

ترددت مريم للحظات، ثم حملت المخطوط بحذر وفتحته على الصفحة التي توقفت عندها.

بدأت تقرأ بصوت واضح:

مريم: "السلام عليكم...

اسمي عائشة، وأخط في هذه الأوراق يومياتي، لعلها تقع يومًا بين يدي أحد، فتكون له عبرة أو ذكرى.

ما أجمل طبيعة هذه البلاد، وما أعظم سحرها..."

قاطعتها أشواق.

أشواق: أهذا ما أخافك؟

هزت مريم رأسها.

مريم: اصبري... لم أصل بعد إلى الجزء الغريب.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم تابعت القراءة.

مريم: "وأعلم أن أحدًا يقرأ كلماتي الآن... نعم، أنت الذي تمسك هذه الصفحات.

ربما تكون من المستقبل، وربما تكون فتاة في مثل عمري، تقرأ هذه السطور في زمن غير زمني، بينما أكتبها أنا في حاضري."

ساد الصمت في الغرفة.

رنيم، وقد اتسعت عيناها: يااااه... ما هذا؟

أشواق، وقد انعقد لسانها للحظة: سبحان الله...

رنيم: كأنها... تخاطب القارئ مباشرة!

أشواق: والأغرب أنها قالت: «ربما تكون فتاة في مثل عمري». وكأنها تعلم أن من سيقرأ يومياتها فتاة!

أغلقت مريم الكتاب ببطء، ثم نظرت إلى صديقتيها.

مريم: لهذا السبب ارتعبت. شعرت... وكأنها كانت تعرف أنني سأفتح هذا الكتاب بعد قرون.

ساد صمت ثقيل في الغرفة، بينما بقيت أنظارهن معلقة بالمخطوط القديم، وكأن بين صفحاته سرًا لم يُكشف بعد.

بعد قليل...

مريم: حان وقت الصلاة، هيا نصلي معًا كعادتنا.

أشواق: هيا.

رنيم: الصلاة أولًا... ثم قهوة العصر.

صلّت الفتيات، ثم جلسن حول الطاولة، وأمامهن أكواب القهوة. إلا أن مريم لم تستطع إبعاد عينيها عن المخطوط القديم.

لاحظت أشواق شرودها.

أشواق: ما زلتِ تفكرين في الكتاب، أليس كذلك؟

تنهدت مريم وهي ترتشف رشفة من قهوتها.

مريم: نعم... لكن ربما أبالغ في التفكير. فمثلًا، كان لدى ابن خلدون رؤى وتحليلات للمستقبل، كحديثه عن أعمار الدول وسقوطها، ولم يكن ذلك سحرًا أو أمرًا خارقًا، بل نتيجة ملاحظته العميقة للتاريخ. ربما هذا النص من النوع نفسه.

أشواق: ربما... تفضلي، اشربي قهوتك قبل أن تبرد.

رنيم، وهي تبتسم بتوتر: مع ذلك، لا أنكر أن أسلوب الكتاب أخافني قليلًا. إنها المرة الأولى التي أشعر فيها بالخوف من كتاب!

ابتسمت مريم وهي تلتقط المخطوط.

مريم: حسنًا... سأكمل القراءة.

أشواق: لكن هذه المرة اقرئي بصوت عالٍ، حتى نسمع جميعًا.

فتحت مريم الصفحة التالية، وبدأت تقرأ:

> "أيها القارئ...

إنني أكتب يومياتي، لعل التاريخ يحفظ اسمي يومًا ما.

وإن أردت أن تعرف الحقيقة... فتعال إلى الأندلس."

ما إن أنهت الجملة الأخيرة حتى بدأ ضوء أبيض خافت يتسلل من بين صفحات المخطوط.

توقفت مريم عن القراءة.

مريم: ما هذا...؟

ازداد الضوء قوة في ثوانٍ معدودة، حتى ملأ الغرفة بأكملها.

صرخت الفتيات جميعًا.

ثم...

اختفى الضوء فجأة.

ساد صمت مطبق.

رنيم، وهي تنظر حولها بذهول: مريم...؟

لم يجبها أحد.

أشواق: مريم! إن كانت هذه إحدى مزحاتك فاخرجي حالًا!

ظل المكان صامتًا.

رنيم، وقد بدأ الخوف يتسلل إلى صوتها: مريم... أين أنتِ؟

أخذت أشواق تنظر إلى أنحاء الغرفة، ثم وقع بصرها على المخطوط المفتوح فوق الطاولة.

اقتربت منه ببطء.

أشواق: ماذا قرأتِ بالضبط؟... وأين اختفت؟

نظرت إلى المكان الذي كانت تجلس فيه مريم قبل لحظات، فلم تجد إلا الكرسي الفارغ.

ثم همست بصوت مرتجف:

أشواق: لا... لا يمكن...

رفعت الكتاب بين يديها، وإذا بخطوطه تبدو لها متشابكة وغريبة، كأنها رموز لا يمكن فهمها.

أشواق، في دهشة: ما هذا الخط؟ كيف استطاعت مريم قراءته أصلًا؟

حاولت رنيم النظر إلى الصفحات، لكنها لم تستطع تمييز كلمة واحدة.

رنيم: قبل دقائق كانت تقرأه بطلاقة... أما الآن فلا أستطيع فهم أي حرف!

تبادلت الفتاتان نظرات قلقة.

أشواق، بصوت خافت: لا تقولي إن...

توقفت عن الكلام.

رنيم: ماذا؟

ابتلعت أشواق ريقها، ثم قالت:

أشواق: لا تقولي إنها... دخلت إلى داخل الكتاب.

ساد الصمت من جديد، بينما بقي المخطوط مفتوحًا على الصفحة نفسها، وقد اختفى الضوء تمامًا، وكأن شيئًا لم يحدث... إلا أن مريم لم تعد موجودة.

رنيم، وهي تحدق في المخطوط بذهول: مستحيل... هذا يحدث في الأفلام فقط!

اقتربت من الكتاب أكثر، ثم مررت أصابعها فوق الكلمات القديمة.

رنيم: وهذه ليست رموزًا كما ظننت... إنه أحد الخطوط العربية القديمة، ربما الخط المغربي، أو الثلث، أو غيرهما. لكن... كيف استطاعت مريم قراءته بهذه السهولة؟

وقفت أشواق شاردة، وكأنها تربط الأحداث بعضها ببعض، ثم اتسعت عيناها فجأة.

أشواق: لا... لا يمكن...

رنيم: ماذا هناك؟

أشواق، وهي تنظر إلى الفراغ الذي كانت تجلس فيه مريم: مريم... عادت بالزمن!

رنيم، وقد ارتفع صوتها من شدة الصدمة: مااااذا؟!

ساد الصمت للحظات، ثم نظرت الفتاتان إلى الصفحة المفتوحة.

كانت الجملة الأخيرة لا تزال واضحة أمامهما:

«"إذا أردت معرفة الحقيقة... تعال إلى الأندلس."»

تبادلتا النظرات، ثم قالت أشواق بحزم:

أشواق: إن كان هذا هو ما أخذ مريم... فلن نتركها وحدها.

أومأت رنيم برأسها رغم الخوف.

رنيم: لنجرّب.

أخذت كل واحدة منهما طرفًا من المخطوط، ثم قرأتا الجملة بصوت واحد:

"إذا أردت معرفة الحقيقة... تعال إلى الأندلس."

في اللحظة نفسها، بدأ المخطوط يهتز بين أيديهما، وانبعث منه ضوء أبيض أشد سطوعًا من المرة الأولى، حتى غمرت الإضاءة الغرفة بأكملها.

أغمضت الفتاتان أعينهما من شدة الوهج، وشعرتا وكأن الأرض اختفت من تحتهما، ثم لفهما دوّار شديد.

وفجأة...

اختفى الضوء.

فتحت أشواق عينيها ببطء، فوجدت نفسها واقفة في مكان لم تره من قبل.

كانت السماء صافية، والهواء معطرًا برائحة أزهار البرتقال، وتحيط بهما بيوت بيضاء ذات أفنية مزينة بالنوافير، بينما كانت أصوات الباعة والخيول تتردد في الشوارع المرصوفة بالحجارة.

نظرت رنيم حولها مذهولة.

رنيم: أشواق... أرجوكِ أخبريني أنني ما زلت أحلم.

أشواق، وهي تنظر إلى المارة بملابسهم القديمة: لا... أظن أننا لسنا في عصرنا.

وفي الجهة المقابلة، كان أذان المسجد يصدح في الأرجاء، بينما رفرفت رايات تحمل شعارات لم تعهداها من قبل.

همست أشواق:

أشواق: يبدو... أننا وصلنا إلى الأندلس.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مذكرة من الأندلس: رسالة عبر الزمن

المؤلف farida BENELHADJ
2026/06/19 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة