🌸إِيّابٌ إلى إِفْرِيقِيَّة (٢)

🌸إِيّابٌ إلى إِفْرِيقِيَّة (٢)

12 0

● مطار تونس قرطاج........

ما إن إستلمنا الأمتعة، حتى عبرنا البوابة، وهناك... كان الأهل في الانتظار، القلوب تخفق شوقًا وحنينًا، كأن الزمان توقف ليُمهلنا لحظة اللقاء.

مهى رفعت رأسها، وعنقها مشرئب، تمسح بعينيها الوجوه المتزاحمة، تبحث عن طيف والديها بلهفة من انتظر العمر كله.

أما أنا، فبينما كنت أعدّل حجابي خشية انزلاقه، أبصرت والدي...

شع النور من عينيّ حين رئيته !

تسمرت قدماي، و وجل قلبي ، امتنانًا لهذه اللحظة، وحنينًا لدفء الأمان الذي يسكن فيها.

كان واقفًا بقامته الشامخة، رغم ثقل السنين، لا يزال في نظري ذلك الجبل الذي لا تهزّه الأعاصير، الحاني الذي يخبئ الحياة في عينيه. الكهل الأنوف الذي تهابه الدنيا و يحِنُّ له الفُؤاد.

أبي! لقد أقمر ليله فعلا و إبيضت ذوائبه .

إلى جانبه، وفقت أمي... منشغلة بهاتفها، تتفقد رقم الرحلة على ما أظن ، كعادتها تقلق سريعًا وتطمئن ببطء.

ترتدي فستانها الأخضر المحبّب، ذاك الذي تلبسه في كل أسفارها، وكأنها عقدت معه عهدا لا يُنقض .

أدركنتي هالتها الدافئة و أحسست بها تملأ قلبي... وكأنني وصلت أخيرًا.

العم عادل والخالة ثرية ايضا هنا. لقد جاءا لإستقبال وحيدتهما. هما يجلسان تماما بجانب والداي.

كان هزيم اول من لمحني:

يا الله، كم اشتقت إليه!

لم أودّعه يوم الرحيل، فقد غاب عن المنزل حينها، لكن اللحظة الآن تعوض كل شيء.

عيناه الواسعتان، رأيت فيهما لمعة حين رآني.

ركض نحوي، فتح ذراعيه، وضمني كما لو كنا أطفالًا من جديد. هو أكثر شخص طال فراقه.

ذاك العناق... حمل فيه كل الأشواق، وكل الغصّات، وكل الفرح الذي كان ينتظر لحظة الانفجار.

رأيته أقوى، جسدًا وروحًا، كأنه نضج في غيابي. أو للصراحة أظنه التزم الرياضة لا أكثر.

كانت حرارة اللقاء تشبه تمامًا تلك التي عشتها منذ خمس سنوات، يوم عدت لأول مرة إلى تونس في السنة الأولى من الجامعة.

الفرق الوحيد أن أمي بكت يومها... وأنا بكيت لبكائها.

نظرتُ إلى هزيم، بابتسامة تتقاطع فيها الذكرى بالمزاح، وقلت:

- انظروا إلى هذا الشاب! لقد أصبحت مفتول العضلات، أيها الوسيم! لن أحمل حقيبة مجددًا ما حييت بوجودك!

فضحك ملأ شدقيه ، وردّ وهو يرفع حاجبه ساخرًا:

- "ما زال الوقت باكرًا على استغلالي، أيتها المدلّلة! أنا أحملها فقط إرضاءً لوالديّ، ولأن..."

قاطعته مقلدة نبرته :

- "أجل، أجل... ولأن شهامتك لا تسمح لك بإبكاء صغيرة البيت. حفظتُها!"

ضحكنا معًا كالسابق ،ضحكة واحدة فقط... كانت كافية لتمحو المسافة، ولتؤكد لي أن شيئًا لم ينمح...أن شيئا لم يتغير سوى الزمان.

ضحكته تغيرت، وأصبحت تشبه ضحكة والدي كثيرًا، كما لو أن الوقت قد خطَّ بينهما خيطًا غير مرئي.

عانقتني أمي التي هرعت نحوي، تسرقني من أمام هزيم، كانت ذراعاها تتفتحان كأجنحة حانية ، تحبس جسدي بينهما، تشد عليه وتتفقده بحرصٍ شديد، كما لو كانت تتأكد من سلامة كل عضو فيّ.

- اشتقت لك يا ابنتي لماذا اصبحت نحيفة؟

أجل كانت هذه أولى كلماتها لي، وصوتها يشوبه خليط من القلق والحب . كنت بين ذراعيها، احاول لثم ما استطعت من عطرها،هي مازالت تهتم بصحتي، وكأنني جزءٌ منها يظل غائبًا في كل لحظة.

- انا ايضا ،ها قد عدت لاجالسك اسبوعا كاملا ستجعلينني شديده السمنه بسبب طعامك اللذيذ .

قلتها بمرح وأنا أمر إلى حضن والدي، كان يربت على ظهري كأنه يمسح عنه غبار أيام غربتي، وأنا كنت أدفن وجهي في أحضانه كأنني أعوّض اشتياق شهرين في حضن واحد.

- ها قد جاءت طبيبتي!

قالها والدي بابتسامته الهادئة ، ولقد نجحت أولى كلماته في جعلي أجهش بالبكاء بالفعل.

مسحت عبرة كادت تهوي على خدي، وهمست من بين شهقاتي:

-اشتقت إليك يا أبي.

أمسك رأسي بين يديه، وطبع قبلة على جبيني، تسلل دفؤها ليلامس نياط قلبي، كأن الزمن قد عاد، وكأنني لم أغادر يومًا.

ثم قال بابتسامة:

- انا ايضا ، لقد بقيت بدون قهوتي ولم أجد من يوقظني.

ضحكتُ لتذكري هذا الاسم الذي ما زال يلتصق بي منذ كنت طفلة صغيرة، وقلتُ مبتسمة:

- ها قد عادت قهوتك، إياك أن تسأم وجودي فقط.

اختلست النظر إلى مهى، فوجدتها قد سقطت بين أحضان والديها، في مشهدٍ داعب قلبي . والدُها يحمل عنها الحقائب، يحني ظهره برفق ليضع يده فوق كتفها. بينما هي تنهال على الخالة ثرية بالقبلات، وكأنها تغسل قلبها من اتربة الأيام الماضية.

أظنها ستُوبخ أيضًا على هزالها بعد قليل، فقد كانت قد تعبت من الامتحانات الماضية، لكن هذه اللحظة كانت أكبر من أي تعب.

أحيانا غالبة لا يدرك الإنسان قيمة أن يحاط بعائلة تحفظ كل تفاصيله وتكفيه النظرات لقول ما يريده لهم، سوى عندما يهجرهم. هؤلاء الأشخاص هم الأوطان الحقيقية.

جاءت مهى لتسلم على والديّ، وسلمتُ بدوري على والديها. كان السيد عادل يحاول التملص من دعوة والدي، الذي أصرّ على أن يكون العشاء في بيتنا الليلة.

بينما على الضفة الأخرى، كانت تُلقى نظرات لم يفهمها سواي. حوارٌ طويل يُخاض بالأعين ، لغته الصمت، نظرات مليئة بالألم، والرجاء، والعتب، وأخرى غامضة حتى أنا عجزتُ عن تأويلها.

قطعت حرب النظرات هذه بين مهى وهزيم حين همستُ لها:

- "تعالي باكرًا الليلة، واسبقي والديك."

نظرت لي باستنكار، وكانت لترد بإحدى مزحاتها كما تفعل دومًا لولا أنها إستشعرت جديّة نبرتي.

كنت أنوي بالفعل مصارحتها بما علمته في تلك الليلة .

افترقنا وذهب كلٌّ منا إلى سيارته. هواء تونس يعبق في الأرجاء، يتسلل عبر النوافذ المفتوحة مشبعا برائحة التراب و الياسمين، يحمل معه شيئا لا يعرفه الغريب، لكنه يسكن روح العائد. الطرقات مألوفة، كأنما هي ترتدي ملامح الحنين وتهمس لي:"عدتِ يا إبنة الأرض، عدتِ اخيرا" أبي يقود باتزان كالعادة، هزيم بجانبه يغازل النافذة بنظراته . وأمي تستجوبني عن كيف أمضيت الأشهر الفارطة وتخبرني عن المستجدات.

كانت هذه هي الفوضى المحببة إلى قلبي.

- "وخالتك ربيعة كانت مريضة."

قالتها أمي بنبرة حزن و أسى

- "مريضة؟ وما بها؟"

- "لديها حصى في الكلى، لقد أمضت الشهر الفارط كاملا في المستشفى."

- "عافاها الله، وكيف حالتها الآن؟"

- "بخيرٍ، الحمد لله، لكن غادة أجلت زفافها."

- "خيرًا إن شاء الله، ولم أجلته؟"

- "أمها عادت إلى المنزل، لكنها ما زالت مريضة ولا تستطيع القيام بكل شؤونها وحدها. تريد أن تمضي معها شهر رمضان لتعينها وتقوم على خدمتها ."

- "لعل فيه خيرًا. سأعودها قريبًا إن شاء الله."

رمشت أمي بسرعة تحاول ان تتذكر تفصيلا آخر فاتني لتخبرني به:

- "خالك عصام أيضًا سيزورنا غدًا."

حمحم أبي في إشارةٍ فهمتها أمي وعجزتُ عنها أنا.

- "أهلاً به. خيرًا، ما سبب هذه الزيارة المفاجئة؟"

- "آتي ليراكِ ويتعشى عندنا."

- "يراني؟ هل صحته بخير؟"

- "لا، لا، بخير."

غريبٌ، ما بال هزيم شاردٌ هكذا؟ هو يشاركنا في الحديث عادة.

سكتت أمي قليلاً، كأنها تنوي قول شيءٍ مهم، وتحاول أن تجد الصيغة المثالية لإخراجه، لكنها نادتني فقط.

- "رهف."

- "نعم، أمي."

- "ما رأيك في قيس؟"

- "قيس ابن خالي!."

- "أجل، وهل تعرفين قيسًا آخر؟"

- "ما به؟ شابٌ خلوقٌ و مجتهد."

همهم أبي في رضاٍ بينما أضافت أمي:

- "حسنًا."

- "حسنًا ماذا؟"

- "لا، لا شيء."

أمي مريبةً اليوم، وأسئلتها غريبة.

فتح أبي الراديو وقال:

- "وكيف حال الدراسة؟"

- "بخيرٍ الحمد لله ، انتهينا من الاختبارات النظرية وسنبدأ التدريب قريبًا."

- "الحمد لله الذي أوسعني أن أعيش وأرى ابنتي طبيبة."

- "أطال الله عمرك، أبي."

قالها هزيم بعد أن استفاق أخيرًا من شروده، وخرج عن صمته بعد ان عتقت انظاره النافذة.

.

.

.

.

● بيت الماجري..........

توقفت السيارة اخيرا أمام البيت، شعرت بأن الأرض تناديني، بأن الأسوار تحتضنني، و بأن الأبواب تبتسم لي، سخية في عطائها بالذكريات، أركان تسكنها الضحكات و أخرى تسكنها الآهات، لقد مر الكثير على وجودك في هذه الحياة يا رهف، لا أزال أشعر أنني لم أؤدي الرسالة التي ولدت لأجلها بعد . أظنني عالقة في أزمة وجودية لا مناص لي منها.

{تحت شجرة الزيزفون تلك، قبل خمس سنوات ،جلستُ هناك بمعدة خاوية وشعر اشعث، أنتظر نتيجة البكالوريا، أناجي الله أن ينجحني ويقودني للمكان الذي أُسخّر فيه لأنقذ أرواح عباده من بعد اذنه.

كانت الواحدة صباحا وقتها. الظلام مدْلهِم والصقيع ينخر العظام. جدتي كانت الشخص الوحيد المستيقظ من بين الجميع . جالستني تحت جذع الزيزفون. وألقت علي إحدى تعويذاتها التي هبطت على خافقي بردا وسلاما وأطفأت جمرته التي تشتعل منذ ايام.

" لن يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا يا إبنتني . عليه نتوكل وهو العليم الخبير "

مدت لي وعاء صغيرا من "الدْرُعْ" المزين بالجوز وغطت كتفيّ بأحد اوشحتها التي تحيكها بالغرزة التونسية يدويا و جلست بجنبي تكتم اناتها أثناء إنحنائها . لقد نال الزمن من كل شيء فيها الا روحها. مازالت شابة يافعة مقبلة على الحياة كأنها ولدت البارحة.

-لمَ تجوعين نفسك يا صغيرتي؟ انظري كيف إختفت خدودك لم أعهدك ضعيفة هكذا.

-ماذا لو لم أنجح، ماذا لو تلاشى حلمي؟

مدت لي الملعقة وهي تعدل جلستها:

-كوني سباقة للخير يا رهف، فما ظنكم برب العالمين ، ولا تقسي على نفسك، جسدك أمانة يا إبنتي. ثم إنك بذلت جهدك وغرست الفسيلة. النتيجة لا تعنيك. سيختار الله لك الأفضل دوما.

-لن أستطيع إنقاذ اي أحد وقتها يا جدتي.

- هل الأطباء هم من ينقذون الأرواح فعلا؟

-ماذا تقصدين جدتي ؟

اخذت الملعة من يدي بعد ان يئست من أن اشرع في الطبق. ملأتها و وضعتها في فمي.

-الأطباء يا رهف ينقذون الأجساد، أما من ينقذ الأراوح فهم أشخاص مثلك. يملكون ماء الحياة.

- مثلي انا؟ انا لا أملك شيئا!

-بلى يا صغيرتي،

ملأت فاهي ثانية ثم وضعت إصبعها على صدري تشير إلى قلبي وأكملت:

-هذا هو ماء الحياة، أنت تملكنه هنا تماما، نقي للغاية لا تشوبه شائبة، ستسقين قلبا جافا ذات يوم و تعيدنه للحياة! حتى لو لم تصبحي طبيبة.

ثم وضعت ملعقة ثالثة في فمي .....}

فتحت أمي الباب ودفعتني إلى الداخل، البيت كما تركته.... أو ربما أكثر دفئا. سمعت صوت خشخشة الأساور الذهبية تسبق صوت وقع الخطوات القادمة من المطبخ. إنها هي، "جِدّة خِيرة"، بل هو صوت همهماتها المعتادة وهي تتحرك. تقدمتُ نحوها فإذا انا أُعتصر بين ذراعيها في عناق طويل، أرحت رأسي على خاصتها: لقد نما فرق الطول بيننا، أظن ظهرها إزداد إنحناء. هي ترفض تماما استعمال العكاز لكن رؤية هذه البتلات التي لطالما آوتني تذبل آلمني أيّما ألم.

.

.

.

.

أخيرا إنتهت مراسم إستقبالي، لي الآن أنْ أستقر في غرفتي. طرق هزيم الباب يدخل الأمتعة.

-هل مازالت عضلاتك قادرة على حمل المزيد ؟

-أخبرتك الّا تحولي إستغلالي منذ اليوم الأول.

-ستساعدني على وضع المكتب بجانب النافذة أم ادعو والدي ؟

-و ما للميت أن يفعل أمام حفّار قبره؟ خليفتي على الله

-هيا ، هيا، أسرع وكف عن إستعمال هذه الأمثلة المرعبة

وضعت يدي على المكتب اتجهز لحمله .

-إبتعدي من هناك، لا أحتاج مساعدة.

-لك ذلك، اخي العزيز.

خرج هزيم فور إنتهائه قبل أن يفقد اعصابه، الآن فهمت لمَ تستمر مهى في إغاضتي. إنه ممتع حقا.

فتحت الخزانة أُوضّب ملابسي، غيرت ثيابي، و ذهبت إلى المطبخ ،في الواقع انا أحتاج لقيلولة لكني أحتاج لمجالسة عائلتي أكثر ،فأنا لم أنل كفايتي منهم بعد. علي ان أستغلٍ الوقت فالاسبوع سينتهي بسرعة.

كما توقعت، هما في المطبخ تجهزان لضيافة الليلة.

أمي تقف أمام الغاز وجدتي تجلس إلى المنضدة تفصل حبات البزلاء عن قشرتها.

-هل أساعدكما في شيء ؟

نفت أمي برأسها تقدم لي تفاحة و تضع لي كرسيا بجانب جدتي:

-إجلسي و ارتاحي صغيرتي سننتهي بعد قليل.

قعدت على الكرسي أساعدها فيما تفعله.

-رغد! هل أخبرتها بمناسبة الأسبوع ؟

وجهت جدتي السؤال لوالدتي التي رمقتها بطرف عينها

في إشارة لها أن تصمت.

-أي مناسبة يا أمي ؟

- لا ، لا شيء، قطعي السلطة!

وضعت وعاء الخضر أمامي وعادت لمشغلها فنظرت إلى جدة خيرة و أشرت لها بماذا ؟

فغمزتني وهمست:

- لا تهتمي لها سأخبرك فيما بعد.

انا متأكدة أن هاتين المرأتين تحيكان لشيء وراء ظهري وعلى علم من والدي.

فرغنا من التجهيز فسحبتني جدتي خلسة إلى غرفتها. فور فتحها للباب تسللت إلى أنفي رائحة البخور و الخشب العتيق . غرفتها تحمل هالة روحانية تجعلك تقف مسحورا أمام قدسيتها .

أدخلت يدها بين طيات ثوبها تخرج مفتاح خزانتها العتيق وتدخله في القفل فيصدر ازيزا مزعجا.

-تعالي وأننظري ماذا خطُّ لك.

- ماذا يا ترى، أرني !

أخرجت فستانا جميلا بسيطا و فخما في رونقه بلون أبيض عاجي. طويل يمتد حتى الكاحلين بطبقة مضاعفة من القماش الشفاف الخفيف المطرز بأزهار جميلة و مع أكمام واسعة تذيق عند الرسغين. قصته واسعة من الأسفل بخصر مرتفع أما الجزء العلوي فمصمم بازرار ملبسة صغيرة تمتد في المنتصف. كان طرازه كلاسيكيا جذابا يناسب ذوقي تماما. كأنها امضت كل فترة غيابي في خياطته.

كنت مندهشة من مدى روعته، من كل تفصيلة فيه، النقوش الدقيقة و إنسيابية القماش. إنه ذلك النوع من الجمال الذي لا يصرخ ، بل يهمس أناقة.

تمتمت في غير وعي:

- انه مثالي!

-هل أعجبك ؟

- كيف لتحفة فنية خاطتها يداك الا تعجبني ؟

أشارت لي بأن أخفض صوتي وأسرعت تعيده إلى مكانه ،تغلق الخزانة و تخفي المفتاح بين طيات ثيابها من جديد.

-ألن تسمحي لي بتجربه؟

قلتها في إستغراب من فعلتها فهي في العادة تجبرني على تجربة الفساتين حتى التي لا تكون لي وتجعلني ادور حول نفسي حتى يصيبني الغثيان وتدعو كل من في المنزل ليبدي رأيه في الفستان.

-ليس اليوم، لا تقلقي إنه على مقاسك. لقد قسته على احد فساتينك.

- لكن، لمَ ليس الآن، ما المميز فيه؟

- ستعلمين.

لمَ لا ، أقصد لما تمنعني كأن هذا الفستان محرم على جلدي قبل يوم محدد. حتى جدتي غريبة اليوم

- لكن ألا يبدو مبالغا فيه للجامعة ؟

إبتسمت في رضى وهي تخرج المشط من الدرج العتيق.

- تعالي لأظفر لك شعرك.

- اريد ظفيرة سداسية

- حسنا.

فرشت هي الجلد على الأرض وجلست تسند ظهرها إلى السرير الحديدي . ففتحت ربطة شعري و جلستُ أمامها.

مسحت بيدها على رأسي تهذب ما تمرد من خصلي البنية ثم مررت يدها على طول شعري حتى إستقرت أخيرا أسفل ظهري.

- ما شاء الله ، لقد طال شعرك كثيرا

- اجل لكن أطرافه بدأت تتقصف .

- ليس كثيرا، أحظري المقص، سنتخلص منها قبل أن يزحف التقصف.

ارتكزتُ على يدي و وقفت:

- أين هو ، جدتي؟

- في الدرج السفلي، في السلة السعفية.

جثوتُ على ركبتيّ أفتّش عنه بعشوائة. وجدته فعدت إلى مجلسي أمامها. خيم الصمت على الغرفة في لحظة تركيز من جدتي حتى أتمت القص. فوضعت شعري في علبة، اغلقتها ثم شرعت تظفره.

هي تحب الإحتفاظ بكل خصلة تقصها من شعري، حتى أسناني اللبنية سأجدها في تلك العلبة إضافة إلى مشبك حبلي السري، كل الأسباب تدعوني لأظل متعلقة بهذه الجدة .

مضت دقائِق و أنا أنتظرها أن تخرج من صمتها المطلق حتّى يئست من أن تفعل فقلت :

-اذن ما الذي لم تخبرني به أمي ؟

- رهف يا إبنتي، كم عمرك ؟

هي لن تخبرني الآن اذن. ثم ما بال هذا السؤال؟

- انت تعلمين يا جدتي، سأبلغ سن الخامسة والعشرين هذه السنة.

- أما حان الوقت ليكون لك عائلة؟

- ماذا تقصدين جدتي! أنا لدي عائلة بالفعل. انا املككم انتم.

- لم يكن هذا ما عنيته، انا قصدت أن تتزوجي.

انا؟ أتزوج ؟ ما الذي يحصل، ما بال هذا اليوم؟ أسئلة غريبة، إجابات مبهمة و الآن زواج. ألم يطرح هذا الموضوع قبلا وكان ردي واضحا .

طُرق الباب وفُتح بسرعة.

- لقد إلتقطت أذناي سيرة زواج؟ جدتي خِيرَة عروس ؟

- مهى؟

لم أستوعب قدومها ولا صدمة إقتراح جدتي بعد. إنحنت مهى تقبل جدتي ثم جاورتها وجلست. لقد إجتمع أكثر ثنائي متجانس رأيته في حياتي رغم فارق العمر بينهما. وعلى من ؟ عليّ انا. إما أن أفر قريبا ، أو أن أتبوء مقعدي في بوتقة صهر الكرامة . لقد أصبحت الآن في ورطة بكل ما للكلمة من معنى.

- هذه الجميلة اليافعة تجلس أمامي في مقتبل العمر وانت ترجحين الزواج لعجوز مثلي.

قالتها جدتي وهي تغمز مهى بطرف عينها

- كلا جدتي مازلتِ في عنفوان شبابك.....مهلا ماذا رهف ستتزوج؟

وضعت يدي على فمها فور أن همت بإطلاق الزغاريد.

- هل جننتي؟ لا أحد سيتزوج ، توقفي

- أصمتي أنت كي أفهم الموضوع! جدتي انا لازلت في وعيي ولم تختلط علي الأمور أليس كذالك؟

قالتها بصوت مغتبط بعد ان فكت يدي عن وجهها وإستدارت لجدتي بكامل جسدها.... لقد هزت جدتي رأسها بالإيجاب وهي تبتسم عرض وجهها.

لا أصدق، هل إتفق الجميع اليوم على أن يصيبني بالجنون أم انني أهذي.

- إذن ومن العريس؟

- إحزري انتِ هيا ؟

بجدية؟ أبدو كجدار متطفل بينهما، هتان الإثنتان نسيتا شوقهما لبعضهما وقررتا السخرية مني ام ماذا؟

- حسنا لنرى، هل هو شخص من الأقرباء ، هل أعرفه انا؟

- أجل، أجل، إقتربت للغاية.

- من يا ترى؟ من ؟

بغض النظر عن مهى التي تفكر بكل إهتمام وتركيز، هل ما يحدث هنا حقيقي ام أنهما إتفقتا على هذا مسبقا ؟

و إن كان كذالك ما دخل أمي في الموضوع، هل هذه هي مناسبة الأسبوع ؟ و إن صحّ هذا، هل يكون أبي على علم ، لحظة واحدة بالتأكيد أبي يعلم، إن كنت أحسنت إستجلاء الأمر و ربط الخيط فهو يكون...

- قيس؟

قلتها انا بإستغراب بينما مهى بإندفاع بتزامن غريب.

- تماما! إبني عصام و سعاد قادمان غدا لطلبها بالكلمة وقد ترافقهما بلقيس.

أدارت مهى عينيها بملل فور سماع إسم بلقيس بينما

أنهت جدتي ظفر شعري و أطلقت الظفيرة تنسدل على ظهري. انا لا أفهم، والدايَ قررا تزويجي، والكل يعلم عداي، و مِن مَن؟ قيْس إبن خالي. الذي لطالما إعتبرته أخي. غير معقول ، حتى انهم إتفقوا على القدوم غدا لرؤيتي ! و أنا الآن أعلم. وهل قيس موافق؟ أقصد هل هو قادم معهما أساسا؟

كان هذا ما سألته مهى تاليا.

- كلا هو لن يستطيع المجيء! سيأخذون موافقتنا اولا .

- ومتى وكيف حصل هذا ؟

الآن إكتشفت كم أن مهى مهمة في حياتي. فهي تجيب عن فضولي وتطرح الأسئلة مكاني لأنني في الواقع غير قادرة على أن انبس ببنت شفة. لقد إنعقد لساني.

- لقد وقع قيس عقدا رسميا في عمله أخيرا و قرر الزواج. و كانت رهف خياره المثالي. فأعلم ولديه ثم إتفقا على الزيارة و هم يريدون أن تكون الخطبة الرسمية في نهاية الأسبوع.

أي أنّ قيس هو من إقترح كل هذا.

- جيد، مضت مدة منذ آخر مرة رأيته فيها. لن يجد أفضل منها أساسا.

- ما هو الجيد انا لا أفهم؟ مهى لا تلعبي على خيوط أعصابي .

- أجل، أنظري لها، دين ونسب وعفة وجمال وعلم تبارك الرحمان.

ردت جدتي على مهى كأنها لم تسمعني.

هل سيستمر هذا طويلا ؟

- هلا تشرح لي إحداكما ما الذي يحدث بالضبط.

- هل كنت غائبة عن الوعي ام ماذا ما الذي لم تفهميه ؟

قالتها جدتي بإستهجان لموقفي. انا لست جاهزة، لا أريد، إنه مثل أخي، امضينا طفولتنا معا كيف لي أن أتزوجه؟ لقد شهد كل مراحل طفولتي بل و أمضاها معي .

- لا أظنها ستقبل جدتي! أنا أعرفها جيدا.

سأرتمي على مهى وأمنحها قبلة حارة على الجبين و قالبين من كعك الجزر. أخيرا نطقت بشيء لصالحي.

- ولم لا ؟ قيس شاب متأدب ،ملتزم وحسن خلقا و أخلاقا.

-اعلم ولكنها لن تتزوج سوى شخص رمادي العينين. لكن من المؤسف ان هاتين العينين نادرتين للغاية.

أسحب ما قلته قبل قليل لن أمنحها شيئا غير هذه النظرات القاتلة .

- جدتي، انا لا أنكر على قيس مما قلته شيئا، كما أن الأمر غير مرتبط بلون عينيه بتاتا. لكنه وهزيم بالنسبة لي سواء لا يمكن أن تربطنا علاقة أخرى غير هذه. ثم كيف تقررون كل هذا دون إعلامي حتى ؟

-لا تخلطي يا رهف، هو ليس بمحرم لك، لا تربطكما أية أخوة حتى ولو كانت بالرضاعة. ثم إن الرجل يريدك على سنة الله ورسوله بالخير و أرسل والديه. نحن لم نوافق على شيء بعد لكن لا يمكننا رد خالك الأكبر. و ما فيه خير لكما سيكتبه الله.

حسنا إطمأن قلبي قليلا لمعرفتي أن هنالك فرصة للرفض أرجو ألا تصر أمي علي خجلا من أخيها.

- أنظري إليه رهف؟ لقد إزداد وسامة؟ ألا تظنين ؟

قالتها رهف و هي تريني صورة حسابه .

- غضي بصرك أيتها الحمقاء و أتركي الهاتف من يدك. أظن والديك وصلا.

وضعت حجابي بسرعة بعد أن أدركت أن فرصتي في مواجهتي مهى قد إضمحلت بالفعل.

كان العشاء جيدا، و طبخ أمي دائما يفوز لكنني شعرت أن كل لقمة أبتلعها تعلق في حلقي و تذيق على صدري أكثر حتى أكاد أختنق. ما الذي سيحدث غدا؟ كيف سأرفض، سيقتلني الحياء و قد أبتلع لساني. و حتى لو إستطعت الرفض ، كيف سأبرر ، وما هي أسبابي؟ لن يقبلو عذر الدراسة مجددا! رحمتك يا ربي ، كيف سأنجو. غادر الضيوف و بقي أهل البيت لا غير.

نطق والدي يخصني بالكلام

- رهف، يا إبنتي هل علمت من أمر خالك شيئا ؟

- اجل لقد أخبرتني جدتي .

- وماذا ترين يا إبنتي؟

- ما تراه انت يا أبي .

- انا لا أري في إبن الناس عيبا لكن الأمر كله يعود لك؟ القرار قرارك.

- في الحقيقة انا لا أريد يا أبتي.

- ماذا؟ لم ؟

خرجت جملة أمي مسبوقة بشهقة قصيرة فأشار لها والدي بأن تلتزم الصمت.

- ولمَ ترفضين يا إبنتي .

هل علي أن أوضع في مثل هذه المواقف ؟ أنظار الجميع مصوبة نحوي. خداي يشتعلان وأشعر بالحرارة تحرق عيني .

- في الحقيقة، انا....

حاولت ألا يفضحني إرتجاف صوتي و أنا أحاول إنتقاء الكلمات المناسبة، لكن ما الذي سأقوله؟

رن هاتف أبي، حمدا لله ، كان ينوي إغلاقه ليكمل الإستماع إلي لولا أن لاحظ أن رقم الهاتف أرضي من جهة رسمية. رفع الهاتف يجيب على الإتصال بتوجس

- اجل انا هو هاشم الماجري، لم ؟

- المغفر؟ حسنا انا قادم حالا.

🌸مُزْهِرَةٌ بِوُجُودِكُمْ فِي طِينِ الْقُلُوب🌸

♡♡

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب من طين

المؤلف Mariem Missaoui
2026/06/13 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة