الفصل الأول: 《كوابيس》. ...إيه ده ...أنا فين! - مش ممكن نسمحلهم يهربوا... ...مين الناس دول؟! - أنا آسفة يا حبيبي، مضطرة لكده... ...مين الست دي؟ - الحقوها، متسبوهاش تهرب... ...إيه كل ده، أنا مش قادر اتحرك؛ أنا اتشليت ولا إيه؟ ...ولا حتى قادر أتكلم؟! ...إيه ده؟ المكان بيتهد؛ لازم أخرج بسرعة ...بس مش قادر، مش قادر ...لاااااا ---------- تسكب الأم دورقا من الماء البارد على وجهه: - اصحى يا "باسل" ...مشبعتش نوم؛ ده أنت نايم عشر ساعات. في غرفة شاب غير مرتبة؛ تبدو عليها ملامح عدم الاهتمام؛ وكأنها لم يتم تنظيفها من شهر على الأقل ...في حيرة من أمره، ممسكا رأسه المبتلة؛ يبدأ في فتح عينيه، ليرى وجه أمه: إيه، عشر ساعات ...ليه الساعة كام؟ قالها وهو ينظر لمنبهه الموضوع بجوار أذنه... - 8:15 بالظبط، المنبه بتاعك رن حوالي 9 مرات، وكل مرة أحاول أصحيك؛ تقولي "سيبيني يا ماما مفيش شغل إنهارده" ...وتكمل نوم ولا كأنك واقع من فوق جبل. - إيه ...مفيش شغل؟! ...أنا قولت كده؟! ، ينهض من سريره مفزوعا؛ يرتدي حذاءه المنزلي "الشبشب" ، مرددا ثلاث كلمات: 8:15 ...الشغل ...الشغل. - إيه ده؟! ...أنت لابس "شبشب" لرجلك اليمين، والشمال مالهاش نفس، ولا إيه؟! - إيه؟! ...بجد؟! ...عادي مش لازم ...مش لازم. طيب مش هتفطر يابني؟ - (مقبلا يد أمه) : لأ؛ يدوبك ألحق يا ست الحبايب ...سلام. - "والدة باسل" : ربنا يحرصك، وينصرك، ويجعلك في كل خطوة سلامة ...ياااا رب. - ( في حالة من الاستغراب) : إيه ده، ده ورق الشغل بتاع "باسل" ...ده نسيه؛ لازما ألحق أديهوله قبل... خلاص ...مشي (تقول والدة باسل بتنهد يعكس حالة من عدم الرضا؛ تطغى عليها عاطفة الأم المحبة لابنها) : طول عمرك متشتت، ومش عارف عايز إيه ...ربنا يهديك يا حبيبي. ---------- - "باسل" : تاكس ...تاكس، قناة الصعيد؟ - لأ "MBC" ، ينفع؟ يمتعض وجه "باسل" ؛ على إثر نكتة السائق غير المضحكة: - ينفع يا أسطى، عايز كام، ولا هتقبض بالدولار؟ - لأ يخفيف، عشرين جنيه ...عاجبك ولا إيه؟ لم يكن ليقبل "باسل " عرض السائق في ظرف غير هذا؛ لكن لم يجد في طريقه غيره: - عاجبني يا عم الحج، الله يباركلك، ده أنا متأخر على الشغل، وزماني اترفدت أصلا؛ يلا بسرعة بس. - (في سره) "باسل" : ده أنت سواق أعوذ بالله منك "مستغل ومادي" (لكن كانت هذه العبارة خارج سره تماما). - بتقول حاجه يا أخ؟ مغيرا طريقة حديثه، مظهرا الرضا والسرور على وجهه: - لأ يا أسطى ده أنا بقول "مستمر وعادي" ...مهما كانت مشقات الحياة. - آااه بحسب. بعد مرور نصف ساعة: - بس كده، على جنب يا أسطى. يحاسب "باسل" السائق، وينزل من "التاكسي" : - اتفضل يا أسطى، عشرين جنيه أهي. يعدل السائق من وضع نظارته، ويمقق عينه محدقا في "العشرين جنيه" : - إيه ده يا أستاذ، العشرين جنيه دي مقطوعة. - يعني إيه مقطوعة، معندهاش أهل يعني (قالها "باسل" مسغربا من حديث السائق) ...بص يا أسطى دي إللي معايا، هاتخدها؛ ولا لأ؟ ممسكا العشرين جنيه، "مكرمشا" إياها في يديه، بصوت يغلب علبه الحدة : - هات، أحسن من مفيش. ---------- يقابل "باسل" في طريقه حارس المحطة "عم حارث" ؛ رجل في الخمسين من عمره، يرتدي جلباب أسود ممزق، له شارب يمكن للنسر أن يقف عليه، يبدأ "باسل" حديثا معه: - إزيك يا عم "حارث" ، عامل إيه يا راجل يا طيب. - كويس الحمد لله، "أهي ماشية" (قالها بنبرة ورائها الكثير من الهموم) ، اطلع بسرعة "الأستاذ دياب" قالب عليك المحطة، وحالف ليخصم من مرتبك، وأنت مش ناقص يابني. ---------- - مسرعا نحو الدرج؛ يرتطم "باسل" بإحداهن. - مش تحاسب يا أستاذ ...إيه ده "باسل" ...أخيرا لقناك؛ ده..... نظر "باسل" أمامه؛ وإذ به يجد "فريدة" ؛ زميلته من سنوات الجامعة: - عارف الأستاذ "حنفي" بيدور عليا علشان ورق الحلقة. - عرفت منين؟ - عم حارث بيعرف كل حاجة بتدور في المحطة، واتفضلي... أعطى "باسل" نظارة ذهبية اللون ل" فريدة" : - لسه ماغيرتهاش لغاية دلوقتي، دي معاكي من أيام الكلية! ممسكة إياها؛ مع نظرة توحي " بالنوستالجيا" : - ماقدرش، أنت عارف؛ دي من "عمر". - (ممسكا جبينه؛ يحاول التذكر) : آه صح ...نسيت خالص، وهو عامل إيه؟ ...و "مالك" كمان؟ - كويسين الحمد لله؛ "عمر" زي ما هو؛ شغال صحفي؛ بس دلوقتي اتجه لل"أون لاين" ، و "مالك" مغلبني؛ مبيحبش يتكلم مع حد، ودايما قاعد لوحده؛ بس إزاي نسيت؟ ...ده أنت إللي شاهد على العقد. ---------- وسط الحديث المتواصل بين "باسل" ، و "فريدة" ...يلتفت باسل ليجد الأستاذ "دياب" واقفا خافه تماما؛ رجل "أربعيناتي" ، خفيف الشعر، منحني الظهر، ظهرت عليه علامات كبر السن قبل أوانها؛ فبدأت تظهر على وجهه بعض التجاعيد، له نظرة حادة مثل نبرة صوته؛ تتمنى لو لم تراها، يرتدي بدلة زرقاء من إحدى الماركات العالمية، مع ساعة سويسرية لايوجد مثلها على الأقل في مصر، ينادي "باسل" ؛ وعلى وجهه علامات السخط: - بااااسل! - "باسل" : "يا منجي من المهالك يا رب" ، محركا تفاحة آدم، عاضا لشفتيه، محاولا تجاوز الموقف؛ إيه ده أستاذنا الكبير عامل إيه واحشني، شغال طول اليوم إمبارح على ورق الحلقة، وبإذن الله بالحلقة دي هننقل القناة لحتة تانية ...(يمسك الحقيبة ليخرج ورق الشغل؛ لكن...) - اتفضل يا أستاذ. - (في غضب شديد) الأستاذ "دياب" : إيه ده يا أستاذ يا محترم؛ ورق بردي! ، ويا ترى الحلقة هنعملها في الأستوديو ولا في المتحف؟! ، دي مش أول مرة تعملها؛ اتفضل بره المحطة أنا أصدرت قرار بفصلك ...وابقى عدي على الحسابات خد باقية فلوسك، ده لو كان ليك. - "فريدة" : يا أستاذ دياب محاصلش حاجة لكل ده، ممكن تخصمله...لكن تطرده؛ كده حرام. - يا سلام، يا سلام ...وأنت مين يا أستاذة إللي عينك محامية عنه؟ ...لو مش عاجبك قراري ممكن تحصليه؛ الباب يفوت جمل. - (في صدمة من الموقف) "باسل" : لأ يا أستاذ أنا إللي هخرج، شكرا على كل حال. ---------- - خرج "باسل" من المحطة؛ جلس على أحد الأرصفة؛ والحزن مسيطرا عليه: مش ذنبي، كله من الكوابيس "بنت اللذين". - "فريدة" : كوابيس إيه؟ ...آسفة إني بتدخل؛ بس... - لأ عادي مابقتش فارقة؛ بس هو الموضوع طويل شوية، ومش عاوز أشغلك بمشاكلي: جلست "فريدة" على الرصيف: - لأ عادي؛ ده وقت "البريك" بتاعي. - ماشي يا ستي، طلاما مش هعطلك... ---------- موسعا مقلتا عينيه، هائما في حبه للقصص والحكايات؛ لكن في خوف مما يحدث معه ...بدأ "باسل" في تذكر كوابيسه؛ بصي، هو الموضوع بدأ معايا من كام شهر؛ بدأت أشوف كوابيس عن أماكن وناس غريبة؛ أماكن تشبه المتاحف والمعابد القديمة، وناس غريبة بتجري ورا ست، بيحاولوا إنهم يمسكوها؛ عايزين حاجة منها؛ بس مين الست دي، وليه الناس دي بيطاردوها ...معرفش. - (مستغربة من حديث "باسل") : طيب إزاي كابوس وأنت مش موجود فيه أصلا؟! ؛ قصدي إن أنت متأثرتش بحاجة من إللي حصلت. - عندك حق؛ المشكلة فعلا إن أنا مبتأثرش؛ لا بتحرك، ولا بتكلم؛ شبه مشلول تقريبا!. - مش يمكن تكون مكبر الموضوع زيادة عن اللزوم، ويكون ده كله بسبب هوسك بالفراعنة، والتاريخ؟ - يمكن ...مش عارف؛ بس إللي متأكد منه إن كل كابوس كان بيبقى مختلف عن إللي قبله. - إزاي يعني؟! - بيبقى مكمل ليه؛ زي حلقات المسلسل؛ كل مرة بشوف حاجة جديدة؛ كأنها بتحاول تكون صورة. - وإيه إللي شوفته في آخر كابوس؟ - نفس إللي حكتهولك؛ نفس المكان ...نفس الناس ...ونفس الست كمان؛ بس المرة دي كانت نهايته مختلفة؛ كان المكان بينهار؛ بس مكنتش قادر أعمل حاجة. - "فريدة" : مش عارفة؛ هي حاجة غريبة بصراحة؛ بس ده كله إيه علاقته بفصلك؟ - "باسل" : كل مرة بيجيلي كابوس؛ بيحصلي حاجة غريبة ...مشكلة من المشاكل؛ يا في الشغل زي كده، يا في أي حاجة تانية ...حاولت أفتكر أي حاجة أكون عملتها قبل اليوم إللي بحلم فيه ...لكن ببقى ناسي كل حاجة حصلتلي في اليوم إللي قبله، وبسأل "أمي" عن إللي حصل؛ بتقولي إنك جيت من الشغل شكلك تعبان؛ كلت ونمت، فسألتها تعبان إزاي؟! ...قالتلي بتبقى كأنك مش شايف حد ومش عايز تسمع حد؛ فبنسيبك على راحتك. - عادي مش ممكن تكون تعبان من ضغط الشغل؟ ---------- - ممكن ...بس سيبيني أكملك؛ بعد العشا، بظبط المنبه وبحطه جنب ودني بالظبط، وبخش أنام؛ بس مهما حاولت أنام؛ كل مرة بنام في ساعة مختلفة؛ يعني مرة الساعة 10، ومرة الساعة 10 وربع وكل مرة بتزيد ربع ساعة عن المرة إللي قبليها، ومش بس كده، ده أنا كمان ببقى ظابط المنبه على الساعة 6؛ علشان متأخرش على الشغل؛ بس كل مرة كنت بصحى بربع ساعة زيادة عن المرة إللي قبلها، وحتى لو حاولت أظبط نومي؛ مكنتش بعرف. - وليه مبتروحش لدكتور نفسي؛ يمكن تكون مشكلة عندك. - (بنظرة يشوبها السخرية) : روحت لتلاتة؛ وفي كل مرة كانوا بيدوني مهدئات؛ مش بتغير أي حاجة. - بص يا "باسل" أنا أعرف دكتورة شاطرة جدا، ممكن نروحلها يمكن تعرف تفيدك. - ما تشغليش بالك، خلاص أديني بقيت عواطلي، وفضيت لكوابيسي؛ متبقيش أنتي كمان زيي، أطلعي شوفي شغلك؛ بدل ما نبقى إحنا الاتنين على الرصيف. ---------- عاد "باسل" لبيته؛ محملا بالأعباء، لا يجد حلا؛ لا لمشكلة فصله، ولا حتى لكوابيسه: - "والدة باسل" : يعني رجعت بدري ...مش عوايدك دي؟! - (بنبرة حزينة) "باسل" : لأ ما خلاص اترفدت، وفضيتلكم. وقع صدى الكلمة على "والدة باسل" ؛ كأنما طعنت بسكينا في قلبها: - بتقول إيه؟! ...اترفدت! ...ليه؟! - إللي حصل بقى ...أنا داخل أنام. - داخل تنام؟! ...عادي كده ...طيب وهنعيش إزاي، أنت عارف إن أبوك على المعاش، وأنت الوحيد إللي بتصرف على البيت؛ هنجيب منين فلوس الإيجار، ولا الغاز، ولا الكهربا، وباقي المعايش هنعمل فيها إيه؟ ...إحنا كده بقينا في عرض البحر وأنت كنت طوق النجاة الوحيد يا "باسل" ؛ إحنا كده هنغرق. - "باسل" : عايزاني أعمل إيه يعني ...خلاص إللي حصل حصل. ---------- لم يأبه "باسل" لحديث أمه؛ التي كان قلبها ينعصر من الحزن على حالهم، ودخل غرفته، وظل ساهرا حتى الساعة الثالثة صباحا؛ محاولا عدم النوم؛ لكي لا يقع مرة أخرى ضحية لكوابيسه؛ لكن سرعان ما غلبه النعاس: - إيه ده؟! ...تااااني! - ومين الراجل إللي هناك ده؟ ...زي ما أكون شوفته قبل كده! ...ده ..."عم حسن" ، عم حسن! ...عم حسن! ... إيه الذكاء ده ...أكيد مش هايسمعني؛ ده مش شايفني أساسا ...ومين الطفل إللي ماسكه ده؟ - "عم حسن" : بسم الله ما شاء الله ...اللهم صلي على النبي ...إيه إللي جابك هنا يا حبيبي ...تعالى متخافش. - ومين الراجل إللي جي ده كمان؛ شكله مش مريح ...إيه ده؟! ...ده معاه حاجة شبه ال ...سكينة ...دي سكينة فعلا ...(يصرخ "باسل" علي"عم حسن" لكن لم يكن صوته مسموعا؛ كأنما تم كتمه) ...خلي بالك يا عم حسن! ...عم حسن! ---------- استيقظ "باسل" من نومه، عينا تنظر حوله تتأكد من أنه كان كابوسا، والأخرى تنظر على المنبه؛ الذي لم يستيقظ عليه كالمعتاد: - يا أخي ده أنت منبه غريب، مش شغلتك إنك تصحيني، ولا أنت عامل "shift career" ولا إيه حكايتك؟! ...سايبني عمال أشوف كوابيس غريبة طول الليل، يا عم هو أنا مش بصعب عليك؟ - تدخل "والدة باسل" (وعلى وجهها علامات التعجب) : أنت بتكلم المنبه؟! - أعمل إيه، لو كان صحاني بدري شوية؛ كان زماني مشوفتش الكابوس (بدأ "باسل" في تذكر ما رآه في الكابوس) ...الكابوس ..."عم حسن" ..."عم حسن"... - ماله عمك حسن؟! - مفيش ...مفيش؛ بس لازم أروحله حالا. ارتدى "باسل" ملابسه على عجلة من أمره؛ لكن قبل أن ينتهي منها ...سمع صوت مؤذن الجامع الذي يجاور بيتهم: - ده أذان صلاة إيه ده؟ - أذان إيه يا "باسل" الساعة تسعة الصبح! ...ده حد مات. أكمل "باسل" استماعه؛ وهو يكمل ارتداء ملابسه، ولم يكن الأمر يهمه على الإطلاق؛ لكن حدث شيئ لم يكن في الحسبان؛ فقد قال المؤذن بصوت يعتليه الحزن: - لا إله إلا الله ...محمد رسول الله ...توفى إلى رحمة الله تعالى "عم حسن محمد العابد" ...وتشيع الجنازة بعد صلاة الجمعة. وقف "باسل" ووالدته ينظرون إلى بعض في حالة من الصدمة. -------------------- *يتبع*