طفل يجلس على مقعد في الحديقة، ينظر إلى أمه في الجانب الآخر من الطريق لكي تأتي وتعطيه المثلجات التي يشتهيها. كان متلهفًا حقًا لها، مر زمن منذ آخر مرة تذوقها فيها. ظل يتتبع أمه حتى أصبحت في منتصف الطريق، صاح هاتفًا: "هيا يا أمي تكاد المثلجات أن تذوب، أسرعي يا أمي."
نظرت إليه أمه بحنان وابتسامة واسعة. لقد كان هو كل ما تملكه في هذه الحياة، لم يكن لديها أحد غيره. كانت تنظر إليه نظرة من انتصر على الحياة بمن فيها. والحقيقة لم يكن يهمها الحياة إذا كان طفلها بجوارها. سارعت في خطاها لكي تتمكن من الوصول إليه سريعًا، لكن قبل أن تصل إليه، جاءت سيارة مسرعة بسرعة فائقة، وقبل أن تتمكن من النجاة، دهستها السيارة.
توقفت الأصوات جميعًا، حتى أصوات الأشجار توقفت حزنًا على هذا المشهد، حيث الأم ملقاة، سابحة في دمها، وطفلها بجوارها ينظر إليها بذهول. عيناها تكادان تخرجان من محجريها من شدة الصدمة والذهول. لم يكن هناك غيرهما. تمكن صاحب السيارة من الفرار. لم ينطق الطفل بصوت، كان يضم أمه فقط، حتى بدأ صوت همهمات في الظهور. كان صوت الطفل عندما أفاق من ذهوله، بدأ يتمتم: "أمي، أمي، أرجوكِ أجيبي أمي، تحدثي معي، لا أريد المثلجات فقط، تحدثي معي، ليس لي أحد غيرك يا أمي." بدأ يحركها كي تفيق، لكن لم يكن هناك أي استجابة، حتى تجمع الناس على صوته. كانوا متفرجين مشفقين على هذا الطفل الذي ينوح طالبًا من أمه أن تفيق، لكن لا استجابة ولن تكون.
كبر الصبي في ملجأ. لم يكن الملجأ كما تصوره الروايات؛ لم تكن المشرفات قاسيات، ولا يعاقبنهم أو حتى يحرمونهن من الطعام، لكنه كان باردًا بشكل مخيف. لم يكن هذا المكان أمه، لم يكن هذا المكان يشبه حنانها، ولا يمكن أن يكون هذا منزله، ولم يكن فيه أبدًا دفء أمه أو عناء الوحدة. شعر أنه سجين، سجين نفسه قبل أن يكون سجين العالم. بدأ يدرك مع تقدمه في العمر ما معنى الفقد، وكم هو مؤلم أن تفقد كل ما لديك وكل ما عرفته قبل أن تعرف ما هو الفقد. كيف أُخذ من أحضان أمه إلى مكان ذي حيطان باردة قاسية لا تشبه ما اعتاد عليه؟ مع مرور الوقت اعتاد على المكان، كان يحسب أنه اعتاد على الوحدة، لكنه لم يدرك أن داخله كان يحترق شوقًا للحظة حنان نابعة من صدق قلب أم.
إلى أن وجدها. كانت جالسة على مقعد في حديقة منزلها الذي يقبع بجانب الميتم. كانت امرأة في منتصف العمر تجلس هناك، تخبو ملامحها الحسرة والقهر، تبكي بالساعات يوميًا، وعندما تنتهي تبدأ في حياكة شيء ما. شدته منذ أن وقعت عيناه عليها، كان يتساءل دائمًا: لماذا تجلس هنا يوميًا تبكي بحرقة ثم تبدأ في حياكة شيء ما؟ وما هو هذا الشيء؟ كانت تشعره بالحنين عند النظر، يشعر أنه ينظر إلى أمه وأنها ما زالت على قيد الحياة. إلى أن استجمع شجاعته في يوم وقرر أن يجلس بجانبها، يمسك يدها، وأن يجد إجابات لجميع أسئلته. ثم ذهب إليها، جلس بجوارها، لكن لم يجد أي رد فعل منها، كانت لا تشعر بشيء من بكائها. حتى قرر مناداتها: "سيدتي، سيدتي..." لكنها أيضًا لم تعط أي رد. إلى أن أمسك بيديها كي تنتبه له. وعندما لمس يديها، وجدها تتلفت في كل مكان لكي تحدد من أي مصدر أتت هذه المسة. أدرك حينها أنها مصابة بالعمى، لذا ناداها مرة أخرى، وهذه المرة نظرت تجاه الصوت وقالت بصوت متحشرج خافت من شدة البكاء: "من أنت؟" لم يرد عليها، كان مندمجًا في شعوره، لقد أحس أنها تمسك بيد أمه، وأنه جالس بجوارها، وهي أيضًا لم تسأله مرة أخرى. جلسوا ساكنين فقط. ثم توالت الأيام على نفس المنوال: يأتي إليها يومًا يجدها تبكي، ثم يمسك بيديها ويجلسان ساكنين. وبعد مرور الأيام، لم تعد تبكي، كانت تجلس تنتظره، فقد كانت هذه اللحظات ثمينة بالنسبة لهم للغاية، حتى إن كانوا لا يعرفون بعضهم.
إلى أن جاء اليوم الذي قرروا فيه التحدث. بدأ الطفل حديثه: "لماذا تبكين هكذا؟ وما الأشياء التي تحيكينها؟" قررت في هذه اللحظة أن تحكي له قصتها. كانت شابة متزوجة وأم حديثة لطفل يكاد يتم السنة من عمره، وجاء يوم قررت أن تتنزه، وفي طريقهم للنزهة انقلبت بهم السيارة في حادثة سير، فقدت فيها عائلتها بمن فيها طفلها الرضيع. كانت قد بدأت بتعلم الحياكة لتهديه شيئًا من يديها في يوم مولده الأول، وفقدت نظرها في هذا الحادث.
بكى الطفل عند سماع هذا، ثم بدأ يسرد لها قصته أيضًا عن كيف أُخذ من أحضان أمه الدافئة إلى وحدة وبرودة الجدران. حزنت السيدة حزنًا شديدًا عليه، ثم وقفت، وقالت له: "انتظرني هنا." دخلت منزلها تبحث عن شيء، إلى أن مدت يديها إلى الطفل. أخذ الطفل ما بيديها، ونظر: لقد كانت سترة. لقد أهدته سترة من حياكته