مستنقع الظلام يشعّ نورًا

مستنقع الظلام يشعّ نورًا

28 0

جُثَثٌ مهولةُ العدد لمجنَّدين غطتْ مساحةً واسعة من الأرض في مشهدٍ مهيبٍ يبثُّ القشعريرة في كامل البدن، الدِّماء مُنتشرةٌ في الأرجاء مكوِّنةً بركًا تحت أجسادهم التي غسلتها مياهُ الأمطار، وكأنَّما تطهِّرهم من ذنوبهم مقابل استجابتهم لنداء الوطن ونضالهم.

راقب "عليٌّ" المكان بعينين محزونتين على زُملائه الذين لقو نحبهم في هذه الحرب، استلقتْ بندقيَّته أرضًا بجانب صديقه "سليم" الذي استطاع الحفاظ على حياته هو الآخر.

علَّق الأخيرُ بندقيَّته على كتفه ووقف منتصبًا بجانب "عليٍّ" الذي تحدَّث:" انتصرنا بقدر ما هُزِمنا! "

- للأسف هذا ما حدث، فمهما قاتلنا وانتصرنا سيبقى هذا المكانُ مستنقع الظَّلام.

وافقهُ "عليٌّ" باقتضاب:" عُرِف بهذا الاسم منذ عقودٍ ولن يتغيَّر في ليلةٍ وضحاها، ويبقى السؤال.. ماذا جنينا من هذه الحرب التي أودتْ بحياة الكثيرين؟ "

رفع "سليمٌ" رأسهُ إلى السَّماء ليرشُقه هتَّان المطر مصحِّحًا لرفيقه:" بل السؤال هو.. هل ستعودُ علينا هذه الحروب بالنَّفع والازدهار؟ هل سنجني شيئًا غير جراحِ الفقد والقهر والأسى؟! وأيُّ حربٍ هي ما خضناها اليوم ضدَّ أبناء شعبنا لمجرَّد الاختلاف في الآراء؟ لمجرَّد صراعٍ على مناصب دنيويَّةٍ لا تقدِّم أو تؤخِّر؟ وفي النِّهاية يا رفيقي، ما من فائزٍ بيننا ما لم نكُن يدًا واحدة! "

سارا بخُطًا رتيبةٍ بين أطلال المكان الذي شهد مأساةً لم تكن لتحدث لو جمعتهم طاولةٌ لنقاش سلمي، وطالع "عليٌّ" الأفق بعيون شاردة:" دائمًا ما نسمع بأنَّ الحرب خدعة، ورغم ذلك لا نزال مقيَّدين في هذا الفخِّ الخبيث! أسفي على كلِّ أُمٍ تنتظر عودة ابنٍ لم تعُدِ الحياةُ دار قراره، وعائلةٌ تنتظرُ مُعيلها لتكتمل سعادتها، بكلِّ ما تعنيه الكلمةُ من معنى.. هذه حربٌ خاسرة! ولا أحد يعلمُ إلى متى سنظلُّ ندور في هذه الحلقة المفرغة؟ "

1

- يا صديقي إنَّنا نفتقر إلى الوعيِّ والعلم الكافي، نفتقر إلى القيادة السليمة والنُّفوس الشَّريفة التي يمكنُنا ائتمانها على حياتنا، مع التأكيد على أنَّ الأعمار بيد الله وحده.

- رغم كلِّ ما يحدث، فما بيدنا شيءٌ غير المضيِّ قُدمًا بإيمان ويقين تام بأنَّ الأمل موجودٌ ولو في أعماق الظَّلام! ولا ننسى بذل الجهد والعمل؛ فالأملُ يبدأُ بنا.. نحن أبناء هذا الوطن، فلنصلح أنفسنا أولًا قبل إلقاء اللوم على أيِّ شخص آخر.

أومأ "سليمٌ" بهدوءٍ حازم:" جهود زملائنا ودماؤهم المبذولة لن تذهب هباءً بالتأكيد؛ فبداية إدراكنا لواقعنا والسعيُّ إلى تحسينه هي شعلةُ ذاك الأمل، إن فَهِم الجميع هذا فلن يكون هناك داع للحروب والنِّزاعات "

توفقَّفت خطواتهما أمام أبنية حفرها الرَّصاص وأسقطتها الصَّواريخ والقذائف يتأمَّلانها بأعين تناظرُ ما خلفها، ما هو أبعدُ من الآتي حتَّى.. ألقى فيها "سليمٌ" أبياتًا ارتجاليَّةً مستوحاةً من حالهم الآن إلى المستقبل الذي يأملُ أن يكون...

"ظلامٌ زمانُنا يا رفيقي امتلأ *** فلا بصيصَ أملٍ نرى في الأُفق

حُطامٌ خرابٌ على مدِّ البصر *** وأشلاءٌ تناثرتْ يُزيِّنُها الغسق

إخوانٌ نحنُ أبناءُ هذا الوطن *** فكيفَ صِرنا أعداءً بِلا قلق؟

حربٌ لا نفعَ فيها إلا الضَّرر *** فكم مِن قلبِ أُمٍ بعدها قد نفَق؟

وها نحنُ على حُطامِ ما تبقى نسيرُ *** ٠بعدَ الدَّمارِ مُستقبلاً راجينَ لا غرق"

1

التفت "عليٌ" يقابل صديقه بفاهٍ باسم:" لم أعلم أنَّك تجيدُ إلقاء الشِّعر! "

- لا يمكنني أن أُسميَّ هذه الأبيات الارتجاليَّة شعرًا؛ فلا أنا أُجيده ولا أفقهُ قواعده.. الشِّعر أدقُّ وأبلغ في المعاني والكلمات، ولا أظنُّ أنَّني أفلحت في ذلك.

- على الأقلِّ أفلحت في إيصال المعنى، وهذا يكفي.

استأنفا السَّير بين الرّكام والجثث، والأمطارُ تغسل زيَّهما العسكري، ربما أغرقتهم هذه الحرب خسارة، إلا أنَّها أكسبتهم فهمًا أعمق لما حولهم وما الذي يجب عليهم فعله؟ ولا بدَّ أنَّ هنالك من أدرك ذات الأمر الذي أدركاه على الجانب الآخر من بلادهم.

رفعا رأسيهما حالما توقَّف المطر عن الهطول، بدأت أولى الغيوم تنقشع وأشعَّة الشمس الذَّهبية تنساب خلالها، غادر الغمامُ الرَّماديُّ الكئيبُ السَّاحة أخيرًا وزارهم النُّور بعد أيَّامٍ ظلماء.

راقبا ذاك المشهد الخلَّاب بوجوهٍ مستبشرة ليتحدَّث "سليمٌ" وأشعَّةٌ شمسيَّةٌ دافئة تداعبُ بشرته السَّمراء:" لطالما كان النُّور والظَّلام مرتبطان رغم تضادِّهما في المعنى! تجدهما دائمًا معًا ليصفا شيئين مختلفين.. الخيرُ والشَّر، العدالةُ والظُّلم، السَّلامُ والحرب "

أكملَ "عليٌّ" عنه مستنتجًا:" هذا يعني أنَّ وجود أحدهما يكمل الآخر، أو هكذا أظنُّ على الأقل! "

- صدقتْ، فمن وجهة نظري أنَّه لو لم يوجد الظَّلام لما كان هناك نورٌ في الأساس، والعكس صحيحٌ أيضًا.. ومثل تألُّق هذه الشَّمس بحلَّتها المشرقة وسط تكاثف الغمام، نحن سنكسر قيود الظُّلم التي قيَّدتنا لسنون طويلة، ونأخذ بأيدي بعضنا لنصنع من هذا المستنقع الضحل بحيرةً عامرةً بالخيرات.

شدَّ "عليٌّ" قبضته متفاعلًا مع كلمات "سليمٍ" مؤيِّدًا:" نعم هذه هي الرُّوح! تعجبني كلماتك بقدر ما غمرتني بالحماس "

تصافح كلاهما بقوةٍ وعزيمة، وكأنَّما يتعاهدان على الإيفاء بكلماتهما وإن طال الأمد وكثُرت العراقيل، ليقول "سليم" مركِّزًا النَّظر بعيني الآخر:" هذه البلادُ ستنهض! وكذا نحنُ سننهض مرَّةً أُخرى في بدايةٍ جديدةٍ لهذا المستنقع المظلم، بدايةٌ تشعُّ نورًا "

~تمَّتْ

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قصص قصيرة

المؤلف Beesan Sami
2026/05/31 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة