وقف شاب في العشرينات من عمره، شاحب الوجه ذو عينين داكنتين وشعر أسود قصير، في مكتبة العتيق بجوار رف كتب. تناول كتابًا قديمًا من رف وكان عنوان المكتوب "أرشيف مملكة كابرانيا" على غلافه، وجلس قرب طاولة صغيرة، وبدأ يقرأ.
في عالمٍ لا مثيل له، عالمٍ يكتنفه الغموض ومليء بالمخاطر، اندلعت حربٌ دمّرت كل شيء: أخضرَ ويابسٍ.
لم ينجُ إلا القليل.
من رحم أهوال هذه الحرب، قرر الناجون بناء مدينة في قلب صحراء قاحلة. وشرعوا في وضع القوانين والدستور، وانتخاب ملكا يمثلهم ويحكمهم بالعدل. واختاروا رجلاً ليكون ملكهم. وكان اسمه داني تسلاي.
بعد أربع سنوات، بدأ الملك وعائلته في إفساد الدولة، وقمعوا الفقراء والفلاحين. فرض المجاعة على قريته، وصادر محاصيلهم، ونشر شائعات عن وحوش في الكهوف لتبرير اختفاء كل من تجرأ على التمرد على طغيانه.
والقتل: أمر بقتل المسنين جميعاً، معتبراً إياهم عبئاً، ولم يكتفِ بذلك، بل جعل من قبو قصره مسلخاً بشرياً. كان يستمتع بسماع صرخات المعارضين، كانت صرخاتهم موسيقى له يرقص عليها، ويأمر بتعليق النساء من الأعلى في زنازين مظلمة، بينما يترك أطفالهن في الأسفل ليسمعوا أنينهم.
الجبروت: لا يقتل فقط، بل يُذيب الجثث في حمض الأسيد ليمحو أثرهم من الوجود، كأنه يريد أن يقتلهم مرتين: مرة في الحياة، ومرة في الذاكرة.
بدأ الفلاحون ثورتهم الكبيرة، يطلبون بإسقاط الملك الطاغية.
انفجر غضب الجياع كطوفان، حشودٌ بوجوهٍ لفحتها الشمس وثيابٍ مزقتها الحاجة، اقتحموا القصر. لم تكن سيوفهم من حديد، بل من يأسٍ مطلق. انحنى رأس الملك المتوج بالغرور أمام حدة المقصلة التي ارتفعت لتكتب بدمائه الساخنة فصلًا جديدًا، فصلًا مُسحت فيه دماء النبلاء جوع الأرض، فأصبح الرأس الذي يرتدي التاج حكايةً عابرة فوق خشبٍ مبلل بالدم.
ولكن زوجة الملك، الملكة ساره تسلاي، تمكنت من الهرب مع أبنائها. احتفل الشعب بانتصاره على ملك طاغية، وأعادوا إعمار مدينتهم وتطويرها. وبعد خمس سنوات من ثورة الفلاحين، توسعت المدينة وأصبحت الدولة بحد ذاتها.
---
تنهد فيكتور وقال:
— آه، لقد انتهيت أخيرًا من قراءة تاريخ هذه المدينة. يبدو تاريخها كئيبًا للغاية.
ثم أغلق الكتاب وأعاده إلى رف الكتب.
شعر فيكتور بإحساس غريب وريح باردة، رغم أن الأبواب والنوافذ كانت مغلقة. سمع أصواتًا مرعبة.
للحظة، غرقت الغرفة في ظلام دامس.
فجأة، سطع ضوء قرمزي غريب.
نظر حوله في حيرة، أولًا إلى يمينه، ثم إلى يساره. أمامه، رأى شيئًا مرعبًا: مهرج يضحك بسخرية. في يده، كان المهرج يحمل عامل نظافة مقطوع الرأس، كان قد ألقاه أرضًا، ثم اقترب من فيكتور.
كانت عينا المهرج تفيضان بالكراهية والحقد. انتاب فيكتور رعب شديد، وخفق قلبه بشدة. لم تعد ساقاه تقوى على حمله، فسقط على الأرض، ثم فقد وعيه.
أمسك المهرج فيكتور من رقبته بيد واحدة، ونظر إليه وقال بحدة:
— أين مذكرات تيرنال؟ إن لم تخبرني، سأقتلك!
استعاد فيكتور وعيه عندما سمع صوت المهرج. نظر الى المهرج والرعب يملأ عينيه بينما يخدق المهرج فيه ببرود
دب رعب في قلب من ضحكاته العالة تجمدت اطرافه و قال لمهرج
— لا أفهم ما تعنيه، - أجاب فيكتور بتوتر
يصرخ قائلا المهرج:
— أريدك أن تعطيني المذكرات. افعل ذلك بهدوء.
— لا أعرف عما تتحدث، - أجاب فيكتور بصوتٍ يمتزج فيه القلق والخوف. - عن أي مذكرات تتحدث؟
سأل فيكتور المهرج في دهشة:
— عندما توفي عمي تيرنال، بحثتُ مع بعض الأقارب والأصدقاء، لكننا لم نجد شيئًا ذا قيمة مادية أو فكرية. كان منزله في حالة فوضى عارمة. فاي مذكرات تقصد
نظر المهرج إلى فيكتور نظرة باردة ، وقال: بعدم تصديق وغصب
— أنت تكذب. أنت تتهرب من السؤال، وأنا لا أحب من يتهرب من الأسئلة. سأعد إلى تسعة، وإذا لم تخبرني بما أريد معرفته، فسأقتلك بيدي.
— أضاف فيكتور لا أعرف شيئًا، - بنفاذ صبر. - وأنا لا أكذب عليك. سواء صدقتني أم لا، فهذا لا يهم. اقتلني إن شئت...
كان صوته أجشًا، متمنيًا أن ينهي المهرج حياته سريعًا لينجو من هذا العذاب.
انقطع الصمت فجأةً بظهور صديق المهرج، المستذئب، من بعيد، مخترقًا نافذة المكتب. توقف للحظة، ونظر في عيني صديقه، وابتسم. قال بسخرية:
— أنت متأخر كالعادة، وأنت تعلم أنني لا أحب المتأخرين.
ضحك المهرج ضحكة قصيرة، ثم ألقى إليه بجثة الرجل الذي مات للتو، قائلاً:
— استمتع بهذه الوجبة، وسأستمتع أنا أيضًا بصديقي الجديد. لذينا الكثير من لنفعلها معا
بدأ المستذئب يلتهم الجثة، يمزق أحشاءها بأنيابه الطويلة الحادة، والدماء تتناثر في كل مكان.
عندما رأى فيكتور المستذئب في تلك اللحظة، توقف قلبه من شدة الرعب.
ملأت رائحة الدم -كرائحة الحديد القديم- المكان، مصحوبة بعواء المستذئب وضحكة المهرج الشريرة. تقيأ فيكتور من الرائحة الكريهة، وشعر بدوار شديد. وكانت أصواتهم كأنها حديد محمّى يمزق طبلة أذنيه.
انبعثت هالة قرمزية من جسد المهرج. قال لفيكتور بصوتٍ مخيف:
— سأقرأ أفكارك.
لكنه لم يستطع استخلاص أي شيء مفيد منه. ثم التفت إلى صديقه المستذئب وقال:
— حسنٌ.. هكذا إذن، لنذهب. لا جدوى من هذا الأحمق ان عقله فارق ولا يحتوي اي شيء مفيد...
لكن المستذئب حدق في المهرج لفترة طويلة، وكان لعابه يقطر من فمه ممزوجاً بالدم. وقال:
— أريد أن آكله. ما زلت جائعًا.
أجابه المهرج:
— هيا بنا، لنذهب بسرعة قبل أن يعاقبنا الزعيم.
ليردفه المستذئب:
—هيا بنا.
قبل أن يغادرا، نظر المهرج إلى فيكتور نظرةً مرعبة: (وقال بصوت بارد وملئ بالاحتقار)
— إذا أخبرتَ أحدًا بأي شيء عمّا حدث هنا اليوم، فسأقتلك. هل تفهم؟
أجاب فيكتور بكلمات متقطعة ومرتجفة:
— حسنًا... حسنًا، أعد...ك بذلك. حتى أنني سأ...ترك هذا العمل.
نظر المهرج لفيكتور مستهزئاً قائلاً:
— أحسنت صنعًا يا فتى. حقا انتم البشر الاغبياء وضعاف جدا
ثم بدأ يضحك بطريقة مستفزة.
بدأ المستذئب يتحول إلى مخلوق عملاق. كانت له أقدام وأيدٍ ضخمة بمخالب طويلة وكبيرة، وأجنحة هائلة. بدأ يطير، محلقًا في أرجاء المكتب حتى حطم سقف الأرشيف.
ضاعت صرخاته خارج المكتبة خلف عاصفة رملية مفاجئة غطت على أصوات تحطم سقف المكتبة وعواء المستذئب.
اندفع فيكتور خارج المكتبة، يتعثر وينهض بصعوبة، يلهث أنفاسًا متقطعة. حاول الوصول إلى قصر الملك الجديد.
لكن في طريقه، أوقفه فجأة شخص غامض يرتدي ملابس سوداء فاخرة وأنيقة. وبدون سابق إنذار، ابتسم ذلك الشخص وضرب عنق فيكتور بقوة أفقدته وعيه. حمله ووضعه في عربة فاخرة، وانطلق به إلى مكان منعزل ذي حديقة واسعة. كان المكان أشبه بقصر.
استيقظ فيكتور في فراش وفتح عينيه على سقف غرفة واسعة مزخرفة تفوح منها رائحة زهور خفيفة. لم يستطع الوقوف ؛ لبرهة عندما حاول الجلوس واستكشاف ما حوله حين سمع صوتًا غريبًا هادئًا يقول:
— مرحبًا يا فيكتور. هل استيقظت أخيرًا؟
سأل فيكتور الشخص الغامض:
— من أنت؟ ماذا تريد مني؟ أنا... أنا... لا أعرف شيئًا صدقني
وكيف عرفت اسمي!
أجابه الشخص الغامض بهدوء :
— يجب أن ترتاح الآن.
قال فيكتور (بقلق وغضب مكبوت)
— ، لا أريد. أنت من تكون أخبرني ياهذا .
تنهد.الرجل الغامض:
ثم قال لفيكتور
— أعرف عنك الكثير، وسأخبرك به، ولكن ليس الآن. استرح الآن، كما قلت لك.
ثم اقترب من فيكتور، وناوله كأسًا مليئًا بالشراب، ونظر إليه وقال:
— خذه واشربه الآن.
فيكتور أخذه الكاس منه وشربه دفعة واحدة، ثم غط في نوم عميق.