سأنقذك

سأنقذك

19 0

دولة "كانا"، العاصمة "مارين الكبرى"

عند منتصف الليل، وعلى حافةِ جرفٍ صخري سحيق، ينحدر أسفله شلالٌ ضخم.

كان يسير عند أطرافه رجلٌ ذو هيبة بملابسه الثمينة التي يغطيها بعباءته، ينظر إلى الصخور التي تتساقط إثر سيره نحو الهاوية، ثم نظر إلى طفلٍ في الثانية من عمره يمسك بيده.

كان الطفل ذو شعرٍ ناصع السواد وعيون عسلية واسعة هي أجمل ما فيه، بالإضافة إلى بياضه الشديد؛ كان هادئاً و يمسك بيد شخصٍ اعتاد الشعور بالامان بقربه.

وقفا عند الجرف، فالتفت الرجل لينظر إلى الطفل بنظرة حادة وساخرة: "لم أكن أتوقع أنني سأتخلص منك بهذه الطريقة السهلة يا عزيزي، فقط مُت وستنتهي لعنتنا إلى الأبد.. المسألة شخصية".

ثم استغرق في ضحكٍ صاخب.

ودون تردد، رمى بالطفل من المنحدر وهو يرمقه بابتسامة عريضة ويراه يختفي في العمق.

لفَّ عباءته حوله غير مكترث، وصعد عربته السوداء ليقودها الحوذي بسرعة، تاركاً ذلك الصغير يسقط دون صراخ، ببرودٍ كأنه يظن نفسه سيطير.

ولكن فجأة، دوّى صوتُ أحدهم يقول:

"سأنقذك الآن، وسأنقذك دائماً.. سأكون معك في كل ثانية تعيشها، سأعيشها معك وسأراك تتحطم من الداخل قبل الخارج. لن أدعك تموت بسهولة.. لن أدعك تموت أبداً، فأنت وسيلة انتقامي وسأذيقك من الجحيم ما لم تتصوره في حياتك".

وفي هذه اللحظة، طفا الطفل في الهواء بعجوبة

وتحرك نحو اليابسة، ثم استقر عليها دون أي خدش، لكنه كان فاقداً للوعي.

. .

الفجر

. .

أقدام أحدهم تقترب منه، كانت تبدو لرجلٍ بسيط؛ حمله إلى عربته وغطاه بغطاءٍ مهترئ.

سار بعربته محاولاً عدم إثارة الشكوك، ثم حمله بسرعة ورماه في الإسطبل الذي يعمل فيه وكأنه يخبئه، وقد نجح في ذلك بتغطيته بالقش.

صار يحضر له الطعام بالخفاء، ويتأكد تماماً من عدم وجود من يراقبه أو يتبعه قبل دخوله الإسطبل، ثم يجعله ينام ولا ينسى تغطيته بعد ذلك.

وبعد أيام، أخذه بالعربة إلى المدينة المجاورة

حيث التقى برجلين هناك. أعطاه أحدهما حقيبةً قماشية؛ تفقدها وتأكد أنها مليئة بالنقود، ثم سلمهم الطفل.

سأله أحدهما: "ما اسمه؟".

أجابهم دون اكتراث وهو يغادر: "جون".

قال أحد الرجلين متجهماً: "كل الأطفال الذين يحضرهم يدعوهم باسمه".

نظرا إلى "جون" الصغير، فقال الآخر ممتعضاً وهو يجلس أمامه: "يبدو نحيلاً".

وفجأة، تحولت عينا "جون" إلى الأحمر القاتم.

ذُهل الاثنان وقال الأول: "ما هذا؟".

فُتح فمه الصغير وإذا بأنياب قوية تظهر منه.

قال الرجل الذي يقابله وهو يتمعن النظر فيه: "هل ظهرت أنيابه فجأة؟".

ودون سابق إنذار، هجم "جون" عليه وغرس أنيابه في عنق الرجل الذي حاول الإفلات منه، لكن الصغير كان مُصراً على كسر عنقه وقد فعل، واستمر في استنزاف دمه.

ارتجف الرجل الآخر وتراجع إلى الخلف مرتعباً وهو يردد: "ما هذا؟ ماذا تكون يا هذا؟".

لم يتوقف ذلك الشره عن امتصاص دماء الرجل المسكين، بل انهمك فيه دون أن يلتفت للرجل الآخر الذي ركض هارباً بعد أن رأى صديقه قد تمزق عنقه بالكامل على يد طفل صغير.

بعد دقائق، وقف الطفل بوجهٍ بريء مغطى بالدماء حتى أسفل قدميه، وسار هنا وهناك حتى وصل إلى القرية وقد جفت الدماء على وجهه وملابسه، ثم توقف عند زقاقٍ ما ونام فيه وكأنه لم يذق طعم النوم من قبل.

. .

بعد عشر سنوات

. .

"اسمي بيير، وقد مرت تلك السنون بكل ما تحمله من ثقلٍ على رأسي؛ عشت حياة المتسولين باحثاً عن الطعام في القمامة، وأكون محظوظاً إن وجدت ما أرتديه في حاويةٍ ما. قتال الشوارع علمني أكثر مما كنت أتوقع؛ فالضعفاء سيموتون خلال ليلة أو اثنتين. أسرق من أريد، وأضرب وأصيب الآخرين بجروحٍ قد تفقدهم حياتهم، لا أكترث، فإما وجودي أو وجودهم. لكن الأغرب أنه لا شيء يعجبني أكثر من دماء النساء.. لماذا؟ لا أعلم. ربما لأنني مصاص دماء كما سمعت عنهم أحياناً.. أين سمعت ذلك؟ لا أتذكر. في النهار أكون قوياً سريع البديهة والحركة، لكن في الليل أكون أقوى بكثير؛ أشعر وكأن جسدي يتحرك كريشة، يضرب هذا ويطعن الآخر. مع ذلك لا زلت أجاهد للبقاء حياً، فماذا يمكن أن يحدث مثلاً أسوأ مما أنا فيه؟".

في الثانية عشرة من عمر "بيير"، كان يسير بين الأزقة المتسخة مرتدياً قبعته التي تغطي وجهه وكأنه يتباهى بشخصيته المتمردة، ويسرف في شرب السيجارة كضابطٍ ألماني واجه آلاف المعارك.

وصل إلى زقاقٍ فيه أربعة فتيان في عمره أو أكبر قليلاً.

قال أحدهم: "لقد وصل".

أمال قبعته لتكشف عن عينٍ واحدة نظر بها إليهم ببرود: "هاتوا ما عندكم".

قال آخر: "بيير، لقد حاولنا حقاً، لكن جماعة ستيفنز كانوا يلاحقوننا من مكانٍ إلى آخر، أظن..".

قاطعه منزعجاً: "هل من المفترض أن أضحك الآن أم أوسعكم ضرباً؟ ستيفنز وجماعته بدأوا يثيرون غضبي، علينا وضع حدٍ لهم".

"لكنهم أكثر عدداً وحجماً، ماذا قد نفعل معهم؟".

"لا يهمني، الاستيلاء على منطقته ورجاله سيعني سلطةً أكبر، سنذهب إليهم الليلة".

قال آخر بخوف: "تباً يا بيير! هل فقدت عقلك؟ سيوسعوننا ضرباً وسنعود بإصابات..".

أمسكه "بيير" من ياقته وقال: "لست بحاجةٍ لجبانٍ مثلك، يمكنك النحيب وحدك هنا".

ثم تركهم قائلاً: "مجموعة جبناء".

.

..

وقبل بزوغ الفجر، استعد "بيير" ورفاقه للذهاب إلى منطقة "أستوم" حيث ينتظرهم جماعة "ستيفنز" وكان عددهم خمسة عشر شخصاً.

تقابلت المجموعتان، فصاح "بيير": "أيها الوغد، جئت لآخذ منطقتك ورجالك، فدافع عنهما بكل ما تملك لأنني لن أرحمك".

"ستيفنز"، وهو شاب في العشرين من عمره، قال ساخراً: "مستعد ولكن بشرط، إذا هزمتُك سأنتزع ملابسك كلها لتصبح عارياً تماماً".

أجابه "بيير" دون اكتراث: "سأفعل بك المثل".

حاول أحد رجال "بيير" اعتراضه: "بيير، ماذا تفعل؟ تباً سينال منك إن..".

قاطعه "بيير" قائلاً: "أغلق فمك يا فيل".

تقدم "بيير" و"ستيفنز" إلى وسط الساحة وهجما معاً؛ تشابكا بالأيدي أول الأمر وهما يتبادلان نظرات الغضب، وبسهولة رفع "ستيفنز" "بيير" على ظهره وأسقطه أرضاً.

وقف الأخير بسرعة، فباغته "ستيفنز" بلكمةٍ جعلت وجهه يلتف يميناً، لكن "بيير" عاد وركله في بطنه.

تبادلا اللكمات، ثم حمل "ستيفنز" "بيير" مرة أخرى ورماه بقوة على الأرض وكأنه كيس طحين يريد التخلص من ثقله، ثم ركله في بطنه بقوة جعلت الدماء تخرج من فم "بيير". وفي الركلة الثانية، أمسك "بيير" قدم "ستيفنز" وسحبه بشدة فأسقطه أرضاً. ارتقى "بيير" صدر "ستيفنز" وكاد أن يلكمه، لكن سرعان ما دفعه "ستيفنز" بقدمه وصار هو فوقه، وانهال عليه باللكمات المتتالية ولم يتوقف حتى استحال وجه "بيير" كتلةً من الدماء لا يُعرف فيها فمه من أنفه.

نظر "ستيفنز" إليه وقد تورم وجهه، وقف عند قدميه وأخرج مسدسه وصوبه نحوه قائلاً: "هيا اخلع ملابسك أيها الحقير".

بالكاد استطاع "بيير" النظر إليه والدماء تجري منه، وفي لحظةٍ واحدة أطلق أحد رجال "بيير" النار على ذراع "ستيفنز"، وهنا اندلعت المعركة الثانية؛ أخرج الجميع أسلحتهم وتبادلوا إطلاق النار، وكان شغلهم الشاغل سحب الزعيمين إلى الأمان.

زحف "بيير" نحو رفاقه، وبينما كان "ستيفنز" يحاول الهرب رأى "بيير" يكافح للوصول إلى مكانٍ آمن، فاستغل الفرصة وسحب سلاحه وأطلق النار على ظهره.

صرخ "بيير" متألماً، لكنه اختبأ خلف جدارٍ مع "جايسون" وقال بصعوبة: "لنغادر من هنا بسرعة".

أسنده "جايسون" وغادرا وتبعهما الآخران، وكان "بيير" هو المصاب الوحيد بينهم.

وصلوا إلى فندقٍ رخيص، وبين ممراته التي تلطخت بدماء المصاب، دخلوا إلى إحدى الغرف. وما إن وضعوه على السرير حتى صرخ متوجعاً.

قال "فيل": "سأحضر الطبيب".

رد آخر: "ليس لدينا مال للطبيب".

صاح "بيير": "جيف أيها السافل! أحضر الطبيب ولو بالقوة".

"حاضر، حاضر.. تعال معي يا كارل".

خرجا مسرعين وبقي الآخران برفقته وهو يتقلب على فراشه كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة.

عاد جيف وكارل بعد دقائق طويلة، فقال جيف: "لا يوجد طبيب يقبل الدخول إلى هذا الحي".

كان "بيير" يتصبب عرقاً ويصك أسنانه: "أنا لن أموت، لكن الألم كبير جداً".

بدأت عيناه تدمعان وقال: "اتركوني وحدي".

اقترح "فيل": "لقد رأيت أبي مرة يصب الخمر على جرحه، هل أحضر لك زجاجة؟".

"تباً! لدي خمر في الخزانة، أحضره".

سكب "فيل" الخمر على الجرح، فصرخ "بيير" بقوة وكأن الألم تضاعف.

"يا إلهي!".

"ماذا فعلت أيها الأحمق؟".

صاح "بيير": "غادروا!".

نظروا إلى بعضهم ولا حيلة لهم، فتركوه يصارع الألم وحده. استمر بالصراخ وهو يلعن نفسه ويهذي بكلماتٍ تخرج من أعماقه: "لن أموت.. لن أموت.."

حتى فقد الوعي.

"لا تمت الآن، فما زلنا في البداية".

فتح عينيه بسرعة إثر سماع ذلك الصوت الرجولي، ولم يجد أحداً.

نظر من النافذة ورأى مغيب الشمس؛ شعر بألمٍ في موضع إصابته فتأوه، ورأى الرصاصة تخرج من تلقاء نفسها والجرح يلتئم في لحظات.

ظهرت على وجهه ملامح باردة وكأنه كان يعلم أن هذا سيحدث، ثم وقف وكأن سوءاً لم يمسه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ابناء العروش

المؤلف مـريـم الـرمـاحـي
2026/05/16 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة