لم أعد أعلم أين أنا.
استيقظتُ فوق أرضٍ باردة غريبة، لا تشبه تراب نيراكس ولا حجارة المدرسة. شيء ما في هذا المكان يجعلني أشعر أن الهواء أثقل… والسكوت فيه أعلى من كل صراخ.
جلستُ ببطء. كل شيء حولي… كأنني في حلمٍ غريب. السماء فوقي ليست سماء، بل ضبابٌ يلمع بالأخضر ويغلي كما لو أنه يعيش. جدران ضخمة، ملتوية، ترتفع وتنخفض، وفي المنتصف… مرآة. واقفة هناك، وسط ساحة حجرية، وكأنها تنتظرني.
نهضتُ وأنا أتحسس يدي. العلامة لا تزال هناك. تتوهّج بهدوء وكأنها تتنفس معي. قلبي ينبض معها، بخوفٍ غريب وفضولٍ أشد.
اقتربت من المرآة. لكن… لم أجد وجهي.
المرآة لم تعكسني، بل أظهرت مدينة محترقة، حمراء كالجحيم، وصوت بكاءٍ متقطع في الخلفية.
وقبل أن أفكر… امتد شيء من داخل الزجاج، وسحبني للداخل!
سقطتُ وسط المدينة التي كانت في المرآة. النار تلتهم كل شيء، والناس يركضون… لكن لا أحد يراني. لم يلتفت أحد. وكأنني شبحٌ يراقب مشهدًا مكتوبًا من قبل.
نظرتُ للسماء… شيء مظلم هناك. كيان ضخم بأجنحة سوداء، وعينان ككوكبين مشتعلين. وعرفت حينها، بطريقة غريبة، أن هذا الكيان يبحث عني.
“هذا ليس الماضي، بل احتمال من المستقبل.”
صوتٌ خرج من خلفي.
التفتُّ بسرعة. الرجل المقنّع. واقفٌ على برج محترق، صوته ساكن كأنه يعرف كل شيء.
“من أنت؟!” صرخت، لكنه اختفى كما ظهر.
ثم عاد كل شيء يحترق، ويذوب. وسُحبتُ مجددًا خارج المرآة.
سقطتُ على الأرض ذاتها. العلامة ما زالت تشتعل. يداي ترتجفان.
من أنا؟ ولماذا أنا؟ لماذا كل هذا يحدث لي؟
لم أكن أرغب بشيء… فقط كنت أعيش. هل كان هذا خطأً؟
ظهرت بوابة حجرية أمامي، ضخمة، زرقاء كالبحر في الليل. اقتربتُ، ففتحت نفسها. وراءها، درجٌ يهبط في الظلام.
هل لدي خيارٌ آخر؟ لا أعلم. لكنني بدأت أنزل.
الدرج لم يكن ينتهي. وكان هناك همسات… في البداية كنت أظنها خيالات، ثم بدأت تنطق باسمي.
“فايل… فايل…”
ثم بدأت تسمّي العلامة… “المنسيّة… المنسيّة…”
وفجأة، صوت جديد، أنثوي، ناعم كالماء، خرج من الجدران:
“لأنك كنت فارغًا… ولأن الفراغ وحده يمكنه حمل ما لم يُفهم بعد.”
توقفت. “من؟! من أنت؟!”
قالت: “أنا ظلّ العلامة… أول من حملها… قبل أن تُنسى.”
لم أستوعب شيئًا. فقط واصلت النزول… حتى وصلت.
قاعة دائرية، عظيمة، وفي منتصفها… كرة طاقة. حولها سبع قلوب حجرية، وكل قلب يحمل علامة. واحدة منها فقط كانت منطفئة، منسيّة.
اقتربتُ منها… لم أستطع منع نفسي. وعندما لمستُ الطاقة… دخلتُ في رؤيا.
رأيتُ طفلًا… يبكي… كانت سيدرا تضعه على بابٍ ما، في منتصف الليل. رجلٌ مقنّع يراقب… ومجموعةٌ من الرجال يتحدثون بصوتٍ خافت:
“دعوه ينمو وحده… العلامة ستوقظه حين يحين الوقت.”
سحبتني الرؤيا منها وأنا ألهث، كأنني كنت أغرق.
هل أنا حقًا مُختار؟ هل وُلدت لأجل هذا؟ هل سيدرا… تعرف؟
سقطتُ على ركبتيّ. لا شيء يبدو حقيقيًا… وأنا لا أريد أن أكون جزءًا من هذا.
لكنني، رغم كل شيء، لم أهرب.
ظهرت فتاة صغيرة، بشعر فضي وعينين بلون البنفسج، كأنها خرجت من حلمٍ قديم.
قالت لي: “أنا تيلين. مرشدة العلامة.”
لم أستطع الرد. فقط نظرتُ إليها.
قالت: “أنت في قلب المتاهة. كل من يحمل علامة عليه أن يعبرها. ولكن لا أحد قبلك نجا من جنون العلامة المنسية.”
“لماذا أنا؟”
“لأنك الوحيد… الذي لم يسعَ لشيء.”
نظرتُ للبوابة الأولى… ثم عدتُ أنظر إليها.
“وإن لم أعبر؟”
“ستبقى هنا… للأبد.”
صمتّ للحظة، ثم تنفست.
“فلنبدأ."
بدأت المتاهة بابتسامة ساخرة.
كنت أظنني جاهزًا، لكنني أدركت سريعًا أن لا شيء يمكنه إعدادك لما هو قادم. مشيتُ خلف تيلين بصمت. خطواتها كانت خفيفة، كأنها لا تلمس الأرض.
وصلنا إلى بوابة عملاقة، محفور عليها رمز يشبه العين. كانت ترتجف بخفة، كأنها تتنفس.
قالت لي:
“هذا الباب الأول… صدى الهوية.”
ثم أكملت وهي تشير إلى العلامة على يدي:
“ما لم تفهم من أنت… لن يُفتح الباب لك.”
اقتربتُ منه. لم يتحرك. لم يفتح. فقط سألني… نعم، سألني، لكن بلا صوت. بل إحساس غريب وصل لقلبي مباشرة.
من أنت؟
“أنا فايل.”
من هو فايل؟
“طفلٌ من نيراكس… لا أب، لا أم…”
هذا ما كنت. لا ما أنت.
تراجعت.
تيلين نظرت إليّ وقالت:
“لا يمكنك الكذب على الباب… ولا على نفسك.”
عقلي بدأ يغوص. ماذا لو أنني كنت شيئًا آخر؟ ماذا لو كنتُ خُدعة؟ هل أنا مجرد حامِل للعلامة؟ أم أنني شيءٌ خُلق لأجلها فقط؟
بدأتُ أسمع أصواتًا من الداخل.
صوت سيدرا وهي تقول:
“أنت ابني يا فايل… أنت كل ما لدي.”
صوت الرجل المقنّع:
“لقد تم اختيارك… منذ البداية.”
صوت داخلي، لا أعرفه…
“أنت ظلُّ منسيّ… لا أصل لك.”
صرختُ: “أنا لست ظلًا! أنا… أنا فقط… أنا فايل! حتى إن لم أكن شيئًا… فأنا أقرر من أكون!”
عندها، اهتزّ الباب، وبدأ يضيء ببطء… ثم انفتح.
وراءه، لم يكن هناك شيء… سوى مرآة.
نعم… مرآة أخرى. لكنها عكست وجهي هذه المرّة.
اقتربتُ، نظرتُ إليها… ورأيتُ نفسي. لكن خلفي كان ظلٌّ يبتسم.
تيلين همست:
“الهوية ليست ما ترى… بل ما تقبل.”
مددت يدي إلى المرآة… فعبرت من خلالها.
وجدت نفسي داخل غرفةٍ بيضاء، بلا جدران. كل شيء فيها طافٍ… كتب، أقلام، صفحات من كتاب “أناس ضاعوا”. كنت أطير… أو أمشي؟ لا أعلم.
ثم… ظهر رجل امامي.
" انا الحِبر"
أجل. ذلك المؤلف الغامض. كان واقفًا، ظهره لي، يكتب على جدارٍ من نور.
قال دون أن يلتفت:
“أهلاً بك، فايل. هذا أول باب… ستة تبقّت.”
“من أنت؟”
ابتسم، لكن لم أَرَ وجهه.
قال: “أنا من دوَّن… والآن جاء من سيكتب.”
ثم اختفى.
وبقيت أنا… وحدي مرة أخرى. لكن هذه المرّة… بشيء مختلف في داخلي.
كنت قد بدأت أؤمن… بأن هذا قدري.
الخروج من الباب الأول لم يكن نهاية، بل بداية حقيقية.
لم تكن المتاهة مجرد اختبار جسدي… بل كانت تهاجمني من الداخل، تسحب أعمق مخاوفي من داخلي وتلبسها أشكالًا من حجرٍ وضوءٍ وكلام.
كنت أمشي في ممرٍ طويل، جدرانه من الزجاج الداكن، وكل ما فيه يعكس وجهي من زوايا مختلفة. لم أعد أعلم أي صورة فيهم أنا.
تيلين كانت خلفي، هذه المرة لم تتقدمني. قالت بصوتها الهادئ كأنها تُحدّث الغبار:
“الآن سندخل باب العزلة… البعض يظنه الأسهل، لكنه الأصعب لمن يحمل قلبًا ثقيلاً.”
سألتها:
“هل مرّ أحدٌ قبلي من هنا؟”
هزّت رأسها.
“كلهم وصلوا حتى هنا… ثم بقوا.”
نظرتُ أمامي. الباب كان بسيطًا، خشبيًّا، غير مرصّع بعلامات أو رموز. لكنه كان مغلقًا بإحكام.
فتحتُه… ودخلت.
ظننتني سأجد اختبارًا جديدًا، ساحة، مخلوقًا، أو لغزًا غريبًا… لكن لا. وجدت سريرًا صغيرًا، ومائدة، وكوب ماء، ومصباحًا لا يُطفأ.
وغرفة.
صغيرة.
بلا نوافذ.
تيلين لم تدخل معي. بقيت خارج الباب وقالت:
“سأعود حين تنتهي.”
وأُغلق الباب خلفي.
مرت ساعة.
ثم يوم؟ لا أعلم. لا وقت في هذا المكان.
الغرفة لم تكن تفعل شيئًا… فقط كانت هناك. لا أحداث، لا أصوات، لا رؤى… ولا حتى كوابيس.
في البداية، قرأت بعض السطور من كتاب “أناس ضاعوا” الذي وُجد فجأة على الطاولة. كانت صفحاته تصف أشخاصًا جلسوا في عزلة مثل هذه، منهم من خرج… ومنهم من نسي نفسه بداخلها.
في اليوم الثالث… أو ما ظننته اليوم الثالث، بدأت أتحدث مع نفسي.
“فايل… ماذا تفعل؟ هل تنتظر شيئًا؟ هل تظن أن الباب سيفتح؟”
ضحكتُ، بصوتٍ مجنون.
“أنت تتكلم مع نفسك الآن… رائع.”
ثم بدأ كل شيء يتغيّر.
الجدران بدأت تذوب ببطء… وتتحول إلى انعكاسات لأشخاص عرفتهم.
سيدرا، تجلس وتحوك ملابسي وهي تبكي.
أستاذ المدرسة، يكتب اسم “فايل” على دفتر الغياب ويقول: “كان فاشلًا، لكنه اختفى فجأة.”
زملائي يضحكون في مكانٍ ما، يقولون: “فايل؟ آه… ذاك الغريب.”
ثم… نفسي.
أنا، أُحدّق بي، لكنني أكبر قليلًا… بعينين فارغتين وصوتٍ بارد:
“كنت تريد أن تكون شيئًا… ثم رضيت بأن تكون لا شيء… ثم أصبحتَ أداة لشيء لا تفهمه.”
صرخت في وجه نفسي:
“كفى! أنا… أنا أحاول! ألا يكفي هذا؟!”
أجاب:
“تحاول ماذا؟ أن تملأ الفراغ بالأسئلة؟ أن تجد في الألم معنى؟ أن تجعل العلامة تعني شيئًا فقط لأنك الوحيد الذي يحملها؟”
اقترب مني… لمستني يده، كانت باردة كالموت.
“إن لم تكن تعرف لماذا أنت هنا… فلن تغادر هذه الغرفة أبدًا.”
ثم اختفى.
جلست على الأرض، وقلبي ينزف دون دم.
تذكّرت شيئًا… لحظة. صغيرة. ليست عظيمة. لكنها كانت لي.
يوم كنتُ في الحقل مع سيدرا، وكانت تضحك عندما غمرني الطين. قالت لي حينها:
“أنت قدري الصغير يا فايل… حتى لو لم تكن تعرف من أنت.”
ابتسمت… لأول مرة منذ دخلت الغرفة.
وقلت بصوتٍ خافت:
“ربما لا أعرف لماذا أنا هنا… لكنني أعلم من أنا الآن.
أنا من عاش الألم، ولم يهرب.
أنا من حمل علامة لا يعرف معناها، ولم يتخلَّ عنها.
أنا من صرخ في وجه العزلة، وبقي واقفًا.”
فُتح الباب.
كانت تيلين بانتظاري، لم تقل شيئًا… فقط نظرت إليّ بعينين تشبهان لون الغروب.
قلت لها:
“أنتِ تعلمين ما حدث، أليس كذلك؟”
أومأت برأسها.
“كل الذين حملوا العلامة مرّوا من هنا… لكن القليل منهم من عاد.”
نظرتُ خلفي. الغرفة كانت مظلمة الآن… فارغة تمامًا.
تابعنا السير في الممر.
سألتها:
“ما الباب القادم؟”
قالت بصوتٍ يكاد يكون همسًا:
“باب الدم.”
توقفت.
“الدم؟”
قالت:
“أجل… لا أحد يخرج منه كما دخل.”
ثم ساد الصمت.
وقبل أن نصل إليه، سحبتني فجأة يدٌ من الجدار!
شخصٌ ما… مغطى بالوشاح، وجهه مخفي، لكنه شدّني إلى داخل حجرة أخرى، وصرخ:
“فايل ! لا تكمل! هذا كله كذب!”
كان يحمل نفس العلامة التي أحملها… لكنها كانت محترقة في طرفها.
قال لي:
“كل شيء بدأ من هناك… من الكتاب. و”الحِبر” ليس من كتب… بل من استدعى.”
اقترب مني، وعيناه مليئتان بالرعب:
“ستصل إلى الباب السابع… وحينها ستفهم. لكن ربما يكون الفهم… هو نهايتك.”
ثم اختفى، والجدار انغلق.
عدت إلى تيلين، التي لم تتحرك من مكانها.
نظرت إليّ وقالت:
“بدأت الأصوات القديمة بالظهور… إذًا اقتربت النهاية.”
قلت:
“أنا لا أريد نهاية. أنا فقط… أريد أن أعرف الحقيقة.”
قالت بابتسامة خفيفة:
“الحقيقة لا تُعطى… بل تُؤخذ. والباب الثالث… ينتظرك.”
ثلاثة أحرف