بداية طريق ونهاية آخر

بداية طريق ونهاية آخر

12 0

نصِيحة قَالها الشَّيخ سعيد الكَملي عَن مُعاملة النسَاء: عَامِلها كَمَا لَو أنّ أباهَا ينظُر إلَيك.. واعلم أنَّ مَنْ هُو أحرصَ عليْهَا وأرأفُ بِها وأرحَم بهَا مِنْ أَبيهَا ينظُر إليكَ.. وهُو الله سُبحانه. صلى على النبي ﷺ متنسوش أهل غزة والسودان وسوريا من دعائكم متغفلوش عنهم ___________________ في إحدى الشركات الكبيرة التي يظهر من وجهتها فخامة المكان كانت تدلف تلك الجميلة بشعرها البني الذي لا يتجاوز عنقها ترتدى نظارة تخفى معظم ملامح وجهها وعينيها ولكن لم تستطع أن تنتقص من قدر جمالها بثوبها الرياضي الأسود الذي لا يلائم أجواء ذلك المكان بتاتاً ولكن هذا لم يهز من ثقتها قدر شعرة، دلفت مباشرة إلى أحد المصاعد ولم يمنعها أحد وكيف لا وهي ابنة ومدللة مالك ذلك الصرح الكبير بعد ثوانٍ معدودة كانت تتوقف أمام أحد الأبواب تطرق عليه بمرح بعدما علمت بخلوها من العملاء ولا يوجد سوى حبيب قلبها الأول ولم يكن غيره والدهـا بعدما سمعت صوته يحث الطارق على الدلوف حتي فتحت الباب وهي تقول بصوتٍ عال مرح : _ surprise ! رفع أبيها رأسه بصدمة ما إن تناهى لمسمعه أحب صوت على قلبه وما إن أبصرها حتى نهض بخفة تلائم جسده الرشيق_ برغم سنون عمره الخمسون _ ثم تقابل معها يحتضنها بشدة حتى أصبحت قدميها لا تلامس الأرض اسفلها قائلاً بصوت يملؤه الاشتياق : _ وحشتيني يا حبيبة روحي انتي ثم أنزلها بعد مدة لا يعلم كم دامت بل الأهم انه اخذ كفايته من شوقه لها، اخذ بيدها إلى إحدى الأرائك الكبيرة وجلس وهي لم تتحدث فقط تطالعه بشغف وحب غريب وكيف لا فهي لا تمتلك غيره في هذه الحياة؛ ما إن جلسا حتى قال بلهفة لا تناسب هيبته المنبعثة من تجاعيد وجهه وشيب رأسه : _ كله تمام معاكي يا حبيبتي؟ مش كنا اتفقنا هسافر لك كمان اسبوع عشان احضر تخرجك من الجامعة حصل حاجة؟ هزت رأسها بلهفةٍ وهي تشدد على يد والدها وقالت برقة لا تتصنعها وحُب كبير : _ كله حلو يا بابي متخافش أنت كنت وحشني اوي بقالي كتير يا بابي مشوفتكش قولت انزل اجهز معاك ونرجع سوا ونقضى الـ weekend هناك ضمها والدها بحُب كبير لتلك الجنية الجميلة مُقبلاً رأسها بحنان وقال بصوت أجش : _ حبيبة بابي انتي اللي كنتي وحشاني كتير بجد ثم اخرجها من أحضانه ولكن لاحظ انها مازالت ترتدى نظارتها الشمسية فهمّ أن ينزعها حتي ينظر داخل عينيها اللاتى اشتاقها حد الجنون، ولكنها منعته بهدوء وتوتر ففهم الأمر وقال بحزن طفيف : _ يا حبيبتي  شيليها احنا لوحدنا انا وحشني عيونك يا بنتي من غير اللينسيز والنضارات دي تجعدت ملامح وجهها وقد قامت بنزع النظارة حتى لا تحزن والدها في أول لقاء بعد غياب أشهر فظهرت حدقتيها التي تشعرك بالغرابة ولكن أيضاً بالانجذاب من جمالها فكيف لا تنجذب لها وإحدى حدقتيها وكأنها بحر صافٍ والآخرى وكأنها أشجار الزيتون فنعم هي من القلة الذين أنعم الله عليها بتباين ألوان حدقتي عيونهم، ما إن أبصرها والدها حتى اقترب يقُبل كلتاهما على حدى وقال بحقيقة لا يمكن انكارها : _ اقسم بالله مشوفت في جمال عيونك سيبيك على طبيعتك يا حبيبتي انتي قمر زي ما انتي كدة تنهدت بعمق تبتسم له ابتسامة باهتة فقد خاضت أحاديث طويلة عن هذا الموضوع ودائماًَ كان ينتهى بعدم اقتناعها فقد تعرضت للانتقاد منذ صغرها حتي أصبح يلقبها الجميع المشعوذة ومذ ذلك وقد اخذت عهد علي نفسها ألا تُري إنساناً خلقه الله اختلافها هذا سوى والدها الحبيب بالطبع لاحظ ضيقها ولم يرد أن يزد عليها فهو يعلم مدى حساسية الأمر هذا ولم يكن مكانه ولا وقته أن يتحادثا في ذاك الأمر، فنهض برشاقة يلتقط متعلقاته يقول بحماس وهو يرتدى ساعته : _ عايزك بقا تفكري في تصميم يليق بالليدي بتاعتي عشان تبقى هي البرنسيس بتاعت الحفلة كلها اتفقنا؟! هزت رأسها بحُب ولهفة ترتدى نظارتها مرة أخرى وهما يتحركان للخارج ثم توقف أمام أحد المكاتب يقول موجهاً أوامره لمساعدته : _ كاميليا أنا همشي دلوقت أي شغل خاص يتبعت على الميل والباقي يتحول على شهاب هزت كاميليا رأسها بطاعة وقالت بعملية : _ تحت امر حضرتك يا دكتور كمال ابتسم لها كمال ثم تحرك يسحب ابنته معه غير واعياً ما إن نطق أسمه حتى تعالت دقات قلبها بجنون تتمنى لو تخبر أباها أن يتركها حتى تشبع اشتياقها له وكأن أبواب السماء كانت مفتوحة فقد ظهر هو بطوله الفارع ومنكبيه العرضين وملامحه التي جذبتها من أول يوم شاهدته بها وخاصة عينيه التي تقضى على جميع دفاعتها بسهامها السوداء، خرجت على تأملها وهي تراه يوجه كلامه لها وعيناها تلتهم تفاصيل وجهها ولم يكد يتحدث حتى وجدت والدها يحرك وجهه ليقابل خاصته وهو يقول بصرامة وحزم : _ شهـاب! حمحم ذلك المدعو شهاب بحرج وقال وهو يحك عنقه بتوتر : _ آسف يا دكتور بس هي كلها كام يوم وهتبقا خطيبتي وبقالي كتير مشوفتهاش ربت كمال بغلاظة على كتفه وقال بصوت يملؤه الغيرة : _ لما تبقا في بيتك يا حبيبي يبقا تبص وتبحلق براحتك غير كدة هترجع من غير عينيك الاتنين وعن إذنك عشان هي لسه راجعة من السفر وتعبانة ابتسمت على ما يحدث فدوما كانت علاقتهما هكذا لا تعلم لمَ لم يتقبل والدها شهاب بتاتاً ولكن مع الحاحها وافق ودوماً لا يوجد وفاق بينهما، تحركت مع والدها ولكن التفتت له فوجدته يبعث قُبلة لها في الهواء بعبثٍ ابتسمت علي إثرها ثم أشار على اذنه بأنه سوف يحدثها لاحقا فبعثت له قُبلة هي الأخرى بعبث ملوحة له جعل ضحكاته تتصاعد كل ذلك كان في ثوانٍ حتى دلفت مع والدها للمصعد ثم قضت معه باقي الأيام بسعادة كانت تنتقصها وهي بمفردها فالوحدة غُربة وكُربةً لأصحابها وفي أحد الأيام كانت تهاتف شهاب وهي تقول له بدلال : _ يا سلام يعني تسافر المؤتمر في ألمانيا ومتجيش الـ  graduation party بتاعي يا شيبو ؟ سمعت تذمره الطفولي جعلها تضحك بصخب ورقة في آنٍ واحد : _  يادي النيلة على شيبو وسنين شيبو ارحميني ابوس ايديكي يا بنت الناس ابوكي واقف لي على الواحدة وأنا واحدة شيبو كمان وهاجي اخطفك من بيتكم وابقي قابليني بقا صدحت ضحكاتها ذات الأنوثة الطاغية وقالت من بين ضحكاتها : _ خلاص خلاص مش هقول حاجة تاني ثم استمرت المحادثة حتى قالت ما إن أبصرت والدها يُخرج الحقائب الخاصة بهم : _ باي يا شهاب عشان بابي خلص ودعها شهاب على وعد بأن تحادثه ما إن تصل وما إن اغلقت معه حتى وجدت مخدومتهم تحمل بعض الشطائر بيدها تقول بحُب أموي : _ خدي يا حبيبتي حبة السندوتشات تاكلوها في الطريق انتوا مكلتوش من الصبح حاجة احتضنتها بحُب وقالت بعاطفة لتلك السيدة : _ حبيبتي يا دادة هاكل حتة صغيرة بس really انا مش جعانة خالص بجد بس اهو عشان متزعليش ربتت تلك السيدة على ذراعها بود فرأت سيدها يتحدث في الهاتف فتحركت له تفعل نفس الشئ وما ان أغلق المكالمة حتي قال بتقدير لها وتواضع : _ تسلم ايدك يا ست كريمة تعبتي نفسك ليه كنا هنجيب اي حاجة واحنا ماشين ابتسمت كريمة بامتنان له وقالت : _ متقولش كدة يا داكتور ده شغلي بس يارب اجعلها سفرية خير عليكم وتوصلوا بالسلامة ده أهم شئ ابتسم لها كمال وقد زاغت عيناه على فتاته بشرود ثم التفت لكريمة التي كادت تذهب فأوقفها بهدوء وصوت متغاير النبرات : _ كريمة! توقفت كريمة تُذعن له فأكمل بذات النبرة : _ متمشيش من البيت يا كريمة خليكي هنا احنا مش هنتأخر البيت هيحتاجك الفترة الجاية تناهى لخلاياها الخوف مما يقول بتلك النبرة المبهمة وقالت بقلق : _ هو فيه حاجة يا خويا انت كويس يا داكتور؟ لم يزح نظره من على ابنته وقال بصوت أجش : _ خايف عليها من اللي جاي هي خلاص خلصت دراستها بس خايف قلبي مش مرتاح يا كريمة ثم وجه بصره لمحدثته وتابع قوله : _ أنتي معانا من ساعة ما اتولدت وعارفة اني عمري ما غصبتها على حاجة بس أول مرة اخاف من اختياراتها واللي جاي بعد كدة خطت خطوة تجاهه وقالت وهي تعقد حاجبيها بجهل حقيقي : _  انت تقصد ايه يا داكتور ما هي زي الفل وخلاص بقت اسم الله عليها داكتورة تشرح العين والقلب! _ شهاب! نظر لها كمال وقال بخوف حقيقي : _ خايف عليها منه أنا عمري ما ارتحت له هو كويس مهنياً ووصل لمكانة كويسة قبل حتي ما يتقدم لبنتي بس مقدرتش أرفض لما شوفت فرحتها لما جه يطلبها مني مقدرتش اكسر فرحتها ثم سحب كمية كبيرة من الهواء داخل رئتيه وأرجع بصره لفلذة كبده تعجبت تصرفاته وحقاً هي تتعجب كل حديثه ولكنها أيضاً تشعر بقبضة في قلبها غير معلومة ولكن ارجحت هذا لحديثه أنصتت له وقد تزايد خوفها وهو يقول برجاء : _ بنتي أمانة في رقبتك يا كريمة ليوم الدين لو جرالي حاجة خليكي معاها دايما متسيبيهاش للدنيا تخبط فيها لوحدها ردت عليه كريمة بلهفةٍ وقد على صوتها بدون قصد : _ متقولش كدة يا داكتور يديك طولة العمر وتعيش وتكون سندها وحياة حبيبك النبي متقولش كدة تاني ياخويا هنا تقدمت ابنته تقول بتعجب بعدما سمعت آخر حديثها فقد كانت تتأكد من أشيائها المهمة : _جرا ايه يا دادة هو فيه ايه ماله بابي؟ انت كويس يا حبيبي ابتسم لها كمال ما إن شاهد خوفها فاحتضنها بقوة يستنشق عبيرها وفي الخلف كانت تقف كريمة تشاهد ما يحدث وقد شاهدت الرجاء في عينيه بعدما رفع رأسه من علي كتف صغيرته فلم تقدر إلا أن تحرك رأسها موافقة على حديثه فتنهد بارتياح ثم طمئن صغيرته متحركاً بها للخارج فقد حان وقت الرحيـل! في السيارة بعدما تحركا لمدة لا بأس بها قالت بهدوء والحاح شديد : _ يا بابي مش تعاملني كدة please قولي مالك ؟ ابتسمت لها كمال ينظر لها بحنان يطمئنها بقوله : _ والله يا حبيبتي مفيش حاجة أنا بس كنت بقولها تخلي بالها منك ومن البيت عشان الفترة الجاية هكون مشغول كتير وانتي عارفة كريمة بتكبر المواضيع ازاي ثم سحب كفها يقبض عليها بحنان فتقربت منه تلثم وجنته بخفة وما إن أدارت وجهها حتى شاهدت انحراف إحدى سيارات النقل بصورة خطرة فشخص بصرها بقوة وصاحت بأعلى صوت لها : _حاسب يا بـابـي! وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى انقلب كل شئ على عقبيه فما إن ادار كمال وجهه حتى انحرف بقوة كبيرة تلقائياً يتفادى السيارة أمامه ولكن لم يستطع تفادي تلك المثقولات التي سقطت أمامه فانقلبت سيارته بصورة مفجعة بشكل يدمي القلب تحت مرأى من الجميع وما هي إلا لحظات حتى تجمع حشد كبير حول السيارة حتى يخرجوا العالقين بداخل السيارة عذراً فتات تلك السيارة حتى وصول الإسعاف لإنقاذ تلك الأرواح البريئة _____________________ وفي إحدى الأحياء البسيطة وتحديداً في إحدى المساكن نجد تلك المرأة المُسنة تجلس على إحدى الارائك البسيطة بلونها الأبيض وهي تَخيط بعض الاقمشة بيدها تناهى إلى مسمعها صوت الباب يُفتح ويطل من أعقابه شاب يافع يبدو في أواخر عقده الثاني يشع من وجهه الهدوء والسماحة بشكل كبير ألقى السلام كاملاً وقد ارتسم على ثغره بسمة حانية تدل علي طيبته وروحه النقية وقال بمرح : _ ايه اللي مصحى القمر بدري كدة! تنهدت تلك المرأة بحُب وقالت بحنان : _ تعالى يا حسن كويس انك جيت ومطلعتش على الورشة على طول تقدم منها حسن يجلس بجانبها وقال بهدوء : _ تحت امرك يا تيتا خير ان شاء الله! _  انا هسافر بورسعيد خالك نازل بإذن الرحمن كمان اسبوع كدة ولا اتنين والبت فردوس كلمتني أخد فريدة ونسافر عايزاك يا حبيبي توضب الشقة اللي فوق عشان لما بنات خالك يجوا هنا  وأنا مش هتأخر عليكم يا ضنايا بعون الله قبّل حسن كفها وقال بصوت اجش : _ مفيش مشكلة يا حبيبتي سلمي عليه كتير وانا لولا الورشة وان رايح أجيب مع يوسف عِدّة جديدة كنت جيت بس كويس عشان تزني عليهم يجوا هنا شوية بأذن الله وهنا خرجت فتاتان من إحدى الغُرف فاندفعت واحدة ما إن وقع بصرها على أخيها برغم امتلاء جسدها النسبي ولكن لم يغطى علي برائتها وجمال وجنتيها الممتلئة ببراءة برغم سنوات عمرها التي تخطت العشرون بعامين ما إن اقتربت منه حتى القت بجسدها عليه فرفعها بخفة فهو يمتاز بجسده المتناسق ذو اللياقة البدنية فصدح صوت الجدة ناهرةً إياها : _ براحة يا بت انتي مش صغيرة على العمايل دي قولت مية مرة قبل كدة بلاش شغل العيال ده هنا تقدمت الفتاة الأخرى بعدما تركت ما بيدها وهي تبصر غمز أخيها لها حتى تنقذ الموقف فلا يوجد سواها تستطيع أن تلجم لسان جدتها فهي أحب شخص لقلبها بسبب بساطتها ونقاء قلبها وكما تقول لها جدتها دائماً : "أول مَن رأت عينها" فهي أول احفادها أجمع وأكثر شبهاً لوالدتها بعينيها الكحيلة وبسمتها الودودة الدائمة وطولها الفارع بجسدها الممشوق فزادت غلواً في قلب جدتها بعد وفاة كلا والديها، ما إن اقتربت من موضعهم حتى قالت بهدوء ورقة تمتاز بها : _ يا رُزة متزعليش يا حبيبتي هي مش قصدها انتي عارفة حسن كان وحشها ازاي بقاله يومين مسافر وبعيد عنها مش كدة يا حبيبة لكزها حسن حتى تقترب من جدتها فقبلتها بهدوء فقد اعتادت تلك العصبية الغير مبررة مع الجميع وقالت بحنق طفولي : _ زي ما قالت حنان أهو خلاص بقا متزعليش وجهت رُزة كلامها لحنان بحنق طفولي هي الأخرى : _ شوفتي البت قليلة الأدب بتكلمني من تحت ضرسها ازاي! ثم لوت شفتيها بصورة شعبية رائجة متابعةً حديثها الآخر لحسن : _شوف يا حسن اهي على قلة الأدب دي من ساعة ما سافرت ومحدش عارف يلمها يرضيك يا بني كدة! وأد حسن ضحكته على ذلك المشهد المتكرر دائماً ثم تنحنح يزجر أخته قاصداً فهو يعلم ما سيحدث بعدها : _ جرا ايه يا ست حبيبة هو كل شوية ولا ايه لو سمعت أي مشكلة تاني قابليني لو نزلتي الشارع بعد كدة فـاهمة؟ نهرته جدته بخفة تُقرب منها حفيدتها الصغيرة تضمها لها بحنان منافياً لشكواها منه وهي تقول له بغضب : _ جرا ايه يا واد انت متزعقلهاش كدة اخص عليك _الله يا تيتا مش انتي اللي قولتي قلت أدبها عليكي؟ هكذا سألها بمكر جعلها تتململ محلها وهي تقول بتعلثم طفيف : _ ولو برده متزعلهاش كدة أنا همشي وسيباهم الاتنين أمانة في رقابتك يا ولا خد بالك منهم متزعلهمش فاهم! هز حسن رأسه بقلة حيلة وهو يناظر أخته حنان فدوماً كانت جدته ما تغضب من أتفه الأشياء ولكن لا تقدر على رؤية حزن أي منهم مهما كان وفعل فكانت عوضاً لهم عن فقدان والديهم ____________________ بعد مرور عدة أيام صدح صوت المذياع في إحدى المنزل في المباني الراقية بقول الحق سبحانه وتعالى : الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) هكذا أنهى القارئ تلاوة الآيات الكريمة ثم عمَّ الهدوء لا يقطعه إلا شهقات بكاء خافته صادرة من معظم هؤلاء المتشحون بالسواد، وفي إحدى الغرف في ذاك المنزل تجدها جالسة وكأنها لوحة حزينة منطفئة من مباهج الحياة، كانت تضم لقلبها إحدى الدميات شاخصة أبصارها تجاه الصورة الفوتوغرافية المعلقة أمامها على الحائط لم يصدر منها أي رفة جفن وبرغم ذلك دموعها تهبط من عينيها بلا توقف بشكل يقبض الأنفاس بعد مرور بعض الوقت دلفت كريمة إلى الغرفة حتى تطمئن عليها، ما إن وقع بصرها على تلك الراقدة حتي تصاعد الألم والشفقة على وجهها اقتربت بهدوء وجلست خلف الفتاة وقامت بالتربيت على رأسها بحنو ثم قامت بلثم جبينها، وقالت بعدما اخذت قدر من الهواء داخل رئتيها : _ طب تفتكري اللي انتي فيه ده يفرحه وهو شايفك كدة ادعي له بالرحمة يا حبيبتي ظلت هكذا جالسة وكأن روحها فارقتها بفراق والدها لا يستوعب عقلها ما يحدث ويُقال، وقد أخذت تتذكر كم مرة تدللت عليه ولم يبخل عليها بأن يقدم لها ما تريد! لم يكن مجرد أب لها بل كان حياتها بأكملها كان أبيها وأمها بعد رحيل أمها نعم كان أمها وأخوتها كان صديقها المقرب والوحيد كان سندها كان حبيبها الأول كان ثقتها كان كل شئ وأي شئ وهكذا يخبرها الجميع أنه رحل ببساطة وعليها أن تتقبل كيف تقدر علي التحمل؟ وعندما وصل فكرها لهنا تعالت شهقاتها فتقدمت كريمة تحتضنها تتلو عليها آيات الله لعلها تهدأ وبعد مدة كانت قد غفت من كثرة البكاء فأسندتها مربيتها على الوسادة خلفها وقامت بمسح دموعها بحنان جم ثم قبّلت رأسها بحُب وأخذت تُمسد عليه تدعو الله أن يصبر قلبها ويلهمها الصبر وفجأة سمعت صوت جرس الباب فذهبت مسرعة لتفتحه رغم تعجبها فقد رحل الجميع والساعة تجاوزت منتصف الليل ما إن فتحت الباب حتى تصادمت مع عيون كسواد الليل  يشع منها الغموض وعدم الراحة حلّ الخوف على قلبها وزاد ما إن دفعها من كتفها دالفاً للمنزل فارضاً هيمنته عليه فازدردت لُعابها بقلق حقيقي للقادم وفي الصباح كان يجلس يحتسى قهوته وكريمة تقف تنتظر أوامره على مضض كبير سمعت صوت خلفها فوجدتها تقف بعدم اتزان وقبل أن تتحرك حتى تطمئن عليها حتى سبقها ذلك الضيف الثقيل عليها يضم تلك المسكينة بقوة وهو يقول بحنان : _ أنا آسف يا بنتي إني مكنتش هنا بس والله أول ما سمعت صفيت كل شغلي بره عشان اكون جنبك يا حبيبتي ابتعد عنها لوهلة ماسحاً دموعها التي تساقطت بقوة ما إن ضمها له وتابع بتصميم حقيقي : _ مش هسيبك أبداً! هنا نظرت له وكانت أول مرة تتحدث منذ تلك الفاجعة وقالت بصوت متحشرج بشدة : _ بابي مات يا أُنكل مات وسابني! ضمها عمها مرة أخرى إليه وقال بحنان جعل تلك الواقفة خلفه تمتعض بشدة : _ الله يرحمه يا حبيبتي أنا معاكي أُنكل كارم رجع خلاص ومش ممكن يبعد عن بنته ابداً مش أنا زي بابا هـا؟ رفعت بصرها له تتأمل ملامح وجهه كانت غريبة كلياً عليها لا تشعر بها بالراحة ولا بأحضانه ولكن أرجحت هذا لطول مدة غيابه عنهم والتي من طولها حقاً لا تتذكرها ولكن يكفى أنه من رائحة والدها يكفي أنه أخيه حتي تهدأ ولو قليلاً وقبل ان ترد عليه صدح صوت كريمة الجامد وهي تتقدم منهما : _ بعد إذنك يا كارم بيه أخدها عشان لازم تفطر قبل ميعاد الدوا هنا التفت لها كارم وقال بعجرفة وتقليل : _ انتي يا بتاعة انتي ازاي تقاطعينا وتقفي تتصنتي علينا إيه مفيش احترام للخصوصية خالص! هنا تقدمت الفتاة من كريمة تضمها وقد شعرت بالخوف من نظراته الجامدة وقالت بتوتر : _ أُنكل دي دادة كريمة هي يعتبر اللي مربياني وزي مامتي بالضبط هي مش قصدها! نظر لها كارم لوهلة بجمود ثم حول نظرته لأخرى دافئة أرسلت المزيد من القلق في قلب تلك التي لم يغفل عنها ولو لحظة وزاد قلقها وهي تجده يتودد لتلك الصغيرة ولكن ماذا تفعل ما باليد حيلة تخشي بشدة القادم ولكن لأجل وصية ذلك الرجل الذي اكرمها لن تتخلى عن ابنته ولو كلفها حياتها ولكن هل تصدق! _____________________ بعد مرور اسبوع كان يقف مستنداً على إحدى السيارات ينفث دخان غليونه، فوجد الشرفة خاصة الطابق الذي يقف أمامه يُفتح فجأةً فانتفض لوهلة ولكن لم يظهر عليه بسبب قامته المديدة وهيئته الاشبه بالمصارعين بعضلاته الضخمة بشدة ورأسه الحليقة وجد تلك السيدة تخرج من الشرفة فقلب عينيه بملل فوجدها تصرخ بفزع ثم قامت بالبصق في جلبابها بصورة مقززة قائلةً بسوقية : _ جرا ايه يا يوسف يا بني أنا مش حِمل خضة ياخويا كل يوم علي سِحنتك البهية دي نفسي أجوز العيال ياخويا! زفر يوسف دخانه وقال بغضب مكبوت ناظراً لها : _ معلش يا أم هند والله مش بإيدي يا غالية ينزل بس السبب في الوقفة الهباب دي! لوت أم هند شفتيها بصورة شعبية معتادة وقالت وهي تقوم ببرم إحدى الملابس المبتلة بشدة حتى تُنزل المياه الزائدة ثم قامت بفردها على الحبال أمامها وهي تقول بتهكم : _ مسم حكم ياخويا أنا مش عارفة انت واسم الله عليه الاسطى حسن مأنتمين ازاي! _ مأ.. ايه ؟ انتي جايبة الكلمة دي منين يا أم هند؟ استندت علي حافة الشرفة وقالت بحماس : _ من حتة مسلسل إنما إيه مقولكش ياخويا عليه كان بيقـ.. اوقفها بصرامة وهو يُبصر نزول صديقه قائلاً بضيق وهو يتحرك متوجهاً إليه : _  بعدين بقا يا ست الكل ومش اي كلمة تتقال في أي حتة هتلبسيني مصيبة بعد كدة! لوت شفتيها بتهكم تكُمل ما تفعله وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة، أما يوسف فتوجه لحسن بغضب لوقوفه لمدة كبيرة وتعرضه لكلمات من تلك الجارة التي لا تترك شئ إلا وأخرجت عيوبه وما إن أدرك حسن نظرات الغضب حتي ابتسم له بتوتر يقول بسرعة : _ حقك علي راسي يا باشا والله صاحي من الفجر بوصل رُزة وفريدة مع الواد عصام ويدوبك لسه راجع غيرت ونزلت زفر يوسف بحنق يخرج غضبه راكلاً الصخور أمامه ثم قال بعد وهلة بتهكم : _ ابقي عبر ميتين أمي بمكالمة حتي يا جدع بدل ما الشمس كلت دماغي وجت فقرة أم هند اليومية كلمت ربت حسن علي كتفه وهو يكبت ضحكاته فهو يعلم أن يوسف يكره الثرثرة بشدة وخاصةً فيما لا يعنيه انتبه له وهو يحثه علي التحرك قائلاً : _ يالا بينا عشان نعاين المَكن في النور ما صدقنا وصل وبعدها نحمله علي المخزن يالا اليوم طويل هز حسن رأسه موافقاً وهو يتحرك معه متوكلاً على ربه ولا يعلم لما قلبه غير راغباً بأن يتحرك الآن من المنزل ولكنه استغفر ربه متحركاً بالسيارة لوجهته ________________ تقف تلك الفتاة بصدمة دموعها تنساب بدون تصديق لما يُلقى على مسامعها تشعر أنها في كابوس مرعب هل هذا الشخص الذي يقف أمامها هو حقاً عمها؟! مَن يُخبرها بكل جحود وهو يُلقي على مسلامعها أنه استولى على كل ما تملك ولم يعد لها شئ ، تقدمت منه بأرجل مرتعشة لما تُعايشه الآن قائلةً بنبرة مهتزة ونظرات مشوشة زائغة تشعر بالبرودة تتسلل لداخلها دون تحكم: _ د.. ده هزار مش كدة ،أنت معملتش فيا كدة قولي يا أُنكل إن ده مش حقيقي وإنك بتهزر زاد الجمود على وجه ذاك الرجل متجبر القلب وقال بكل قسوة وكأنه يطعنها بكلماته : _ لا حقيقي ولأخر مرة اقولك خشي لمي هدومك عشان الساكن الجديد هيستلم الشقة انهاردة ومش هكررها تاني  هزت رأسها ترفض كل ما يُقال وقفت للحظات تتطالعه بزهول وعدم تصديق لانتهاكه حقها وأمانها دون رحمة وكأن الأمر لهو أكثر من معتاد لتلك اللامبالاة المتجلاة على وجه ذلك المسمى ظُلماً عمها  ، شعرت بألم يشتد على قلبها بصورة بشعة و الأرض تميد بها، تحركت من أمام ناظريه بغير اتزان لغرفتها تُغلق الباب عليها ظناً منها أنها ستحميها منه ومن نظراته ، نظرت حولها لا تعلم ماذا تفعل؟! لا تملك غير هذا البيت، أموالها بقبضة ذلك الذي يقف خارجاً يطرق الباب عليها بعنف وقع بصرها على صورة والديها أمسكتها بأعين دامعة وقلب محطم بالخيبة وقد تكابل عليها الألم الجسدي والنفسي بصورة بشعة لما تعرضت له من صدمات متلاحقة غير قادرة على تحملها تذرف دمعات عزيزة لم تفعلها في حياة  أغلى الناس على قلبها أبويها تشكو لهم ما يحدث معها تقول بمرارة مثل العُلقم  : _ مطلعش سند ولا ضهر ليا يا بابي، ليه مخدتونيش معاكم ليـه! وأثناء ذلك كان قد كُسر الباب ودلف عمها بوجه مُكفهر وملامح تُنذر بالشر قابضاً علي يدها بقسوة قائلاً بغضب : _ بقولك ايه جو الدلع ده مبحبوش، أنا مش مستعد أدادي وأحايل لو مخلصتيش في خمس دقايق قسماً برب الكعبة لانتي خارجة زي ما انتي باللبس اللي عليكي.. سمعتـي! قال آخر كلماته ثم ترك يدها بنفور دافعاً إياها بكل جحود ثم خرج صافقاً الباب بقوة علا صدى صوته في أرجاء المنزل كله، نظرت لأثره بقهر وألم وهي تجلس بألم على الأرض الرخامية شددت من مسكتها لتلك الصورة التي مازالت بيدها وكأنها تستمد منها آمانها المفقود برحيل أصحابها بعد مرور بعض الوقت كان يقف يدخن سيجارته نافثاً دُخانها في وجه تلك المسكينة وهي تقف تتوسل له بأعين منتفخة أثر البكاء بعد أن استعادت جزء من ثباتها قائلةً : _ طب هروح فين انا مليش حد ولا مكان اروحه ، حتي الفلوس خدتها مني هو أنا مش بنت أخوك ليه بتعمل كدة! نظر لها باستخفاف ثم قال بصوت كريه ملئ بالحقد والغل : _ قولتي لي بقا بنت أخويا! أخويا اللي طول عمره كاسر عيني بالقرشين اللي بيدهوملي، أخويا العظيم الكبير اللي عنده كل حاجة وأنا لا! ده حـقي الفلوس والبيت وكل حاجة حقي أنا تنهـد بقوة ثم أعاد بصره لملامحها المذعورة قائلاً بمسكنة زائفة وهو يربت علي وجنتها : _ شوفتي اديكي بتفكريني وهتخليني أزعل، خدي حذرك عشان أنا زعلي وحش اوي ازاحت يده بنفور تمرر نظرها عليه لعلها تتأكد أن مَن يقف أمامها هو حقاً شقيق والدها كيف له أن يكون له وجهان؟ قائلةً بنبرة يغلب عليها القهر والغضب : _ أنت بجد ازاي كدة! ازاي قدرت تخبي وشك ده أ.. أنا مكنتش محتاجة لفلوس ولا شركة ولا مستشفى أنا كنت محتاجة ليك أنت ازاي تعمل كدة فيا وأنا بنت وأنت المفروض مكان بابي سكتت لوهلة تمرر بصرها كاملاً عليه ثم هتفت بازدراء : _ or maybe you're just a scummy guy who takes advantage of women in emotional distress?! " أو أنك رجل حقير تستغل النساء في المحن العاطفية؟!" احتدت عينيه بغضب وامسك فكها بقسوة جعلتها تتأوه بألم لم يعير له اهتمام وقال بصوت غليظ : _ لـسانك الحلو ده لو مسكتش هقطعه ثم دفعها بقوة تجاه الباب خلفها قائلاً بجحود : _ يالا بـره معدش ليكي حاجة هنا بـره! سحبها من يدها عندما وجدها متجمدة محلها وألقاها خارج المنزل وكأنها قمامة ثم دفع بحقيبتها بأهمال مُغلقاً الباب بوجهها غير مراعياً حُرمة الموت وأنها إبنة أخيه شرفه وعرضه! نظرت للباب بألم لا تصدق أحقاً طُردت من حصنها؟! ذاك المكان الذي قضت فيه أسعد أوقاتها مع أحبتها؟! تحركت تجاه الباب مرة أخرى طارقةً إياه بقوة ودموعها تنساب بألم أعربت عنه وهي تقول : _ افتح الباب ده افتـحه! أخذت تطرقه بكل قوتها وهي تبكي إلى أن خارت قواها جالسة علي عتبته وهي تقول بصوت خفيض يُعرب عن ألمها : _ افتحه أنا مليش إلا هو! هو اللي فاضلي من ريحتهم افتحه! لا تعلم كم استمرت في جلستها تلك، ولكنها أفاقت على يد تربت على ظهرها بحنان نظرت تجاه ذلك الشخص فوجدته حارس العقار الخاص بها، نظر لها بابتسامة مشفقةً قائلاً بحنو : _ قومي يا بنتي القاعدة دي ممنهاش فايدة نزلت دمعة حارقة واستندت على يد ذلك الرجل الشيّب حتى استقامت في وقفتها، كادت تحمل حقيبتها ولكن لاحقها قائلاً : _ عنك يا بنتي نظرت له بأعين خاوية تردد بداخلها يا ليت والدي هنا حقاً ما كان حدث كل ذاك! أخذتها قدماها إلى آخر شخص واضعه به أملها كله وأن تلجأ له في هذا الوقت بعدما رحل الجميع بدايةً بأبيها حتى رحيل مربيتها بدون مقدمات لم تعد تمتلك في حياتها الا هو ، وقفت قرابة منزله تُهندم ملابسها وما إن كادت تتحرك صوب بنايته توقفت بجانب حتى تمسح أثر دموعها التي كانت تنهمر كل دقيقة تخبر ذاتها ان حبيبها سيقف بجانبها ويعيد حقها، لطالما كان داعمًا لها اخذت تردد في ذاتها حتى تشعر ببعض الأمان برغم قبضة قلبها البشعة، وما أن استدارت حتي تكمل رحلتها لبنايته حتي شاهدته يهبط من سيارته شعرت ببعض الراحة لرؤيته وكادت أن تتقدم منه ولكنها تسمرت محلها وهي ترىٰ فتاة تهبط هي الأخرى بلباس يكشف أكثر مما يستر وهو يضمها بحميمية زائدة غير مراعياً أحد من حوله منشغلاً بمغازلة تلك الفتاة لدرجة لم ينتبه لها برغم وقوفها على بضعة أمتار بسيطة ، كانت تراه بصدمة تشعر أنها شُلّت من وقع ما يحدث لها من ضربات موجعة متتالية زاد وجيب قلبها لدرجة مرعبة تتابع رحيله بأعين حُبس بها الدمع لم تشعر بساقها إلا وهي تتقدم من محل سكنه بخطوات جامدة كحال قلبها تنظر في أثره بألم كبير بدموع تهبط كالشلالات تشعر بروحها تُسلب منها أهذا حقاً حبيبها؟! مَن كان يغدقها بحنانه أين وعده لها بأنها ستكون أول و آخر فتاة تدخل قلبه؟! أَكل الجميع له وجهان ؟! وضعت يدها على قلبها تدلكه لألمها الذي اشتد _ فيه حاجة يا أستاذة؟! مستنية حد! نظرت تجاه ذلك الشخص المتحدث ولم تشعر بوقوفه أخذت تنظر له شاردة تشعر بدائرة سوداء تداهمها ولكنها حاولت تخطيها مشيرةً للبناية وقد ارتعشت شفتيها بشدة فلم تقدر علي البوح ببنت كلمة لصدمتها، أخذ الرجل يهدأها وهو ينظر حوله باضطراب لرؤية انهيارها الوشيك ولكن التفت لها بانتباه ما إن استجمعت قواها ، و اقترب بحذر يستمع لها وهي توجه بصرها تجاه تلك السيارة قائلةً بصوت مبحوح ونبرة غير متزنة مشيرةً لها : _ صاحب العربية دي! نظر الرجل تجاه ما تُشير، ثم أعاد بصره لها مبتسماً بسخرية يصاحبها نظرة ازدراء لها ما إن أدرك أن الأمر بسبب صاحب تلك السيارة ،ثم تحرك من محله تجاه البناية متجاهلاً إياها متمتماً بكلمات لم تفقهها ولكن ذلك الحدس بداخلها برغم علمها استحالة ما تتمناه ولكنها لم تقدر على الوقوف ما إن شاهدته يتحرك، حتى أوقفته ممسكةً بعضده قائلةً بتيهٍ وصوت يوحي بانهيار قريب : _ متبصش كدة قول حاجة أرجوك، هـ.. هو ده مش دكتور شهاب مش كدة مش هو اللي يعمل فيا كدة مش هو كمان مش هو كمان صح؟ نظر لها الرجل يرى عدم اتزانها واهتزاز حدقتيها وارتعاش أوصالها ،شعر بأن الأمر جلل، فشعر بخوف أن يقع في مأزق ان كانت بها شئ ساحباً يده منها بهدوء وهو يبصر عدم اتزان وقفتها ولكن  لم يمنع ذاته ان يقول بشفقةً وهو يتحرك من محله : _ لا حول ولا قوة الا بالله، باين عليكي بنت ناس ارجعي بيتك يا بنتي وصوني نفسك الراجل ده مش مظبوط من ساعة ما سكن هنا روحي يا بنتي لأهلك احسن ثم غادر وهو مازال يرمقها أثناء سيره بقلق قائلاً وهو يضرب كف بالآخر : _ ربنا يستر على ولايانا يارب شعرت بأن الدنيا اسودت بوجهها نظرت حولها تشعر بالاختناق وألم قلبها الساحق يزداد بصورة بشعة ولكن ما بنفسها أكبر وأجلّ، انهارت ساقطةً علي ركبتيها صارخةً بقهر نابع من كل ما تعرضت له وأخذت دموعها تعيد صراخها وكأنها تشكو للكون ألمها الموجع خُدعت من الجميع لا يوجد أحد صادق الجميع يؤذي ويخدع دون رحمة الدنيا قاسية الدنيا مؤذية ما إن شعرت بتمزق أحبالها حتي فتحت اعينها المغشي عليها من الدمع ماسحةً وجهها ما إن استمعت لهمهمات خافتة رأت البعض يرمقها بفضول والآخر بألم وشفقة فنهضت مستندة علي يدها بغير اتزان أخذتاً حقيبتها بصورة لا إرادية ولم تتوقف عيونها عن سكب ما بها من دموع، واخذت تجوب الطرق تعيد رأسها ما مرت به لا تعلم إلى من تذهب وماذا تفعل فقط تسير هائمةً على وجهها دمعها ينساب من مُقلتيها بألم وحسرة، لا تُعير اهتماماً لتلك النظرات التي ترمقها منها المتعجب ومنها المشفق عليها، وصلت أمام ذلك السور تاركةً حقيبتها ملقاة بإهمال تنظر بشرود للمياه المنسابة أمامها تترأىٰ برأسها عدة لقطات أليمة جعلت تلك الدموع تزداد وكأنها أضحت شلالات، أُغلقت جميع الأبواب بوجهها لم تعد تملك شئ لا أهل ولا مال أصبحت كالشريدة ، يأسها تملك منها وشيطانها سيطر على عقلها مسحت بأكمام قميصها وجهها وهي تنظر للماء بعزم على تحقيق ما وُسوس لها وهي تردد بتمتمة خافتة لا يسمعها غيرها : _ هروح ليهم هروح لأهلي مشوا كلهم مشوا، لازم أروح لهم هم اللي بيحبوني بس معدش ليا حد إلا هم مليش حد صعدت أعلى السور تنظر أمامها وقد تعالت شهقاتها وارتجفت أوصالها مرّ شريط عمرها أمام ناظريها في لحظات كيف كانت وكيف أضحت، تدمرت حياتها رحل جميع أحبتها نُبذت من أقرب الناس لها، أغمضت عينيها بقوة وفتحت ذراعها مُرحبةً بحياة جديدة بعيداً عن تلك الدنيا بأُناسها الظالمين لا تدرك نهاية ذلك الطريق المعوجّ الذي اتخدته في لحظة تملك منها الشيطان لم يتدخل أحد فقد الجميع يراقب ويحمل هاتفه مسجلاً اللحظة المفجعة لتلك الفتاة وهي تُشيع ذاتها للهلاك، إذا نظرت إلى الأمر من بعيد لنفرت منهم ومن تلك القلوب التي لا تعرف مسمى الرحمة ولا الشفقة فقد يسيطر عليهم تحصيل المشاهدات والحصول على التفاعل ولكن الشخص ذاته لا يهم ، في لحظة ما خرج من ذاك الجمع شخصاً يصرخ بالجميع بغضب يندفع صوبها بسرعة البرق قابضاً علي ملابسها من الخلف ساحباً إياها من تلك الهاوية التي كادت تبتلعها لويلات لم تفقها وهي تُقبل علي فعلتها الشنيعة لم تشعر بذاتها إلا وهي تُسحب مصطدمة بشئ صلب فتحت أعينها ولكنها لم ترَ شئ فقط رؤية ضبابية بسبب دموعها التي لم تتوقف إلى الآن، وهنا تناهى لمسمعها أصوات من حولها وكأن الجميع وَكّل ذاته بأنه القاضي والجلاد لم يرحمها أحد وهم يصدرون الأحكام دون وجه حق " حسرة علي شبابك يا بنتي، روحك رخيصة كدة، حسبي الله ونعم الوكيل فيكم هو احنا اللي فيه ده من شوية" عند ذلك لم تتحمل أكثر من ذلك واستسلمت لتلك الفوهة تسحبها لتلك البؤرة السوداء تتمنى من داخلها ألا تستيقظ مرة أخرى، التقطها ذاك الشاب قبل أن يرتطم رأسها بالأرض ضارباً علي وجهها بقوة ثم تحسس أنفاسها بيده وجدها منقطعة زُعر بشدة، ونهض حاملاً إياها بين ذراعيه صارخاً بالجمع حوله بغضب : _ عربية بسرعة قاطعة النفس! وقبل أن يتدخل أحد وقع بصره علي شخص ما وهو يهرول إليه فتقدم منه وهو يحملها علي يده قائلاً بلهفةً : _ يالا يا حسن بسرعة البت قاطعة النفس خالص نظر "حسن" له لوهلة ولم يلبث أن تحرك بسرعة لجهة السيارة يعقبه ذاك الشاب ولم يكن غيره سوى يوسف وتلك التي لا حول لها ولا قوة لا تشعر بشئ يتبعهم همهمات الجميع لما يحدث منهم مَن يشيد بشجاعة الشاب ومنهم مَن يسُب الفتاة لما أقدمت عليه وقد اخذ الجميع بنسج قصص خيالية لما حدث ولما فعلت الفتاة ذلك! وفي المشفي كان يقفان خارجاً منتظران خروج الطبيب حتى يطمأنان عليها، التفت حسن له مربتاً على كتفه وهو يسأله بهدوء : _ ايه اللي حصل يا  يوسف؟! ومين دي! نظر له يوسف وهو يهز رأسه نافياً يقص عليه ما حدث بنبرة مُجهدة لما حدث في السويعات السابقة قائلاً : _ والله ما اعرف مين دي، أنا مرة واحدة وأنا مستنيك في العربية لقيت ناس ملمومة علي حاجة استغربت ونزلت اشوف فيه إيه، لقيت البنت دي وهي هترمي نفسها ومحدش بيتدخل محستش بنفسي غير وأنا بلحقها وبعدها لقيتها قطعت النفس كدة ربت حسن على كتف صديقه يؤازره، وأثناء ذلك خرج الطبيب من الغرفة التي تقبع بداخلها الفتاة يتقدم منهم بخطوات ثابتة فنهضا بدورهم وتحدث يوسف بهدوء يستفسر عن حالة تلك الفتاة قائلاً : _ خير يا دكتور؟! تنهد الطبيب بقوة ثم حرك رأسه متأسفاً وهو يقول بعملية : _ عندها صدمة عصبية حادة وكان فيه بودار جلطة بس لحقناها الحمد لله، هي حالياً أخدت مهدئ ومش هتفوق دلوقت ولازم تفضل معانا لغاية ما نطمن إن مفيش أي توابع ، وياريت لما تفوق تبعدوا عنها أي زعل أو سبب يؤدي للانفعال نظر كلاً من حسن ويوسف لبعضهما بحُزن لم آلت إليه الأمور، فتنحنح حسن يجلي حلقه مقرراً مصارحة الطبيب بكل شئ وأخذ يقص عليه ما حدث، كان الطبيب يستمع له بانصات ومعالم وجه جامدة وما إن انتهى حسن من حديثه حتي عقب الطبيب قائلاً بعمليةٍ : _ مش هقدر أوفيك بحاجة بس توابع الصدمة النفسية انها وارد جداً تدخل في اكتئاب حاد وتكرر انها تتخلص من حياتها ، ياريت توصلوا لأهلها ضروري لأن هي مينفعش تتساب لوحدها لأنها لازم لها دعم نفسي الأمر ضروري انهى حديثه ثم استأذن منهما يتابع عمله، وبعدها خرجت هي لا تشعر بشئ يسحبها الممرضات لأحد الغُرف وقع بصر كلاً من يوسف و حسن عليها فغضا بصرهما عنها فور ما إن مرت من أمامهما ، وما إن تأكدا من إحدى الممرضات باستقرارها حتي غادرا فوجودهما بدون معنى الآن فلا يوجد معها أي هوية او حقائب أثناء عودتهما بالسيارة التابعة لحسن نظر "يوسف" لصديقه قائلاً بتشتت : _ هنعمل ايه يا حسن دلوقت البت باين عليها متدشملة خالص لم يرد عليه فقد كان  حسن شارد فيما حدث لا يُصدق فكيف يصل الأمر بفتاة مازالت في مقتبل عمرها بأن تتخلص من حياتها بسهولة هكذا ماذا رأت حتي تيأس من رحمة ربها هكذا؟! هز رأسه ينفض ما يوسوس له الشيطان مستعذياً بالله منه فمَن هو حتى يحكم على شخص لم يعرف عنه شئ؟! وأخذ يتمتم مستغفرًا ربه على ظنه السئ بها أفاق من شروده علي دفع  يوسف له وهو يقول باهتمام : _ انت معايا يا حسن ؟ ابتسم له حسن بضعف وهز رأسه قائلاً بهدوء : _ معلش مكنتش مركز كنت بتقول ايه؟! أعاد عليه يوسف السؤال مرة أخرى فتنهد "حسن" بثقل قائلاً بعدم معرفة : _ علمي علمك، بكرة يحلها الحلاّل سيبها على الله وهو هييسر الأمر من عنده ابتسم  يوسف على بساطة صديقه و هز رأسه نافضاً أي شئ منها مقرراً ترك الأمر لله كما قيل له بعد منتصف الليل بساعتين، كان حسن يدلف لمنزله بهدوء وما إن دلف حتى وجد أخته حنان تقبل عليه بلهفة وهي تقول : _ كل ده يا حسن بتستلم المَكن الجديد أنت ويوسف؟ تقدم حسن منها يُقبل قمة رأسها يقول بهدوء وابتسامة بشوشة : _ أنا كويس وبخير يا حنان متخافيش ،بس حصل موضوع كدة هو اللي عطلني استغربت حنان ولكنها نحت تعجبها جانباً وهي ترى الإجهاد على وجهه فجذبته حتى يجلس قائلةً وهي تدلف للداخل : _ طب اقعد استريح، لما اجيب لك تاكل وبعدين احكي لي ايه اللي حصل بعد أن اختفت عن أنظاره حتي جلس على المقعد يريح جسمه عليه ولكن فتح عينيه وهو يشعر بأحد يجلس بجانبه، وما إن استدار برأسه حتي تلك المشاكسة تندفع إلى أحضانه قهقه عالياً يضمها له بقوة قائلاً بمرحٍ : _ استر يارب، عايزة ايه يا ست حبيبة؟ رفعت حبيبة أنظارها له تقول ببراءة زائفة : _ اخص عليك يا حسونة، ده انت وحشني بس! نظر لها حسن بأعين ضيقة فاعتدلت في جلستها قائلةً وهي تعقد قدمها أسفلها : _طب خلاص هقول، بص أنا عايزة اروح لريناد صاحبتي البيت عشان اضبط معاها حاجات الخطوبة بتاعتها هز حسن رأسه بهدوء قائلاً : _ طب مفيش مشكلة خدي حنان وروحوا لوت حبيبة فمها بضيق قائلةً بحنق : _ لا ما هي أختك المبجلة الست حنان مش راضية هنا قد خرجت حنان وقد استمعت لحديث تلك المشاكسة فردت عليها بتذمر : _ طب سيبيه يرتاح شوية ايه رويتر مبتهديش أبداً ابتسم حسن على مشاكستهم الدائمة، وسحب "حبيبة" لأحضانه قائلاً : _ سيبيها يا ستي تعمل اللي عايزاه براحتها حركت حبيبة حاجبيها بعبثٍ لها فضحكت "حنان" بيأس عليها، وهنا تحدث حسن بعدما لكزته أخته قائلاً : _ أه ،خلاص هتكلم اهو.. انتي مش عايزة تروحي معاها ليه يا حنان بيت صاحبتها؟ تنهدت حنان وهي تقول بتوضيح : _ يا حسن أنت عارف اني من الصبح ببقا في المدرسة برجع علي الدروس وبخلص على المغرب قولت لها نروح يوم الجمعة وأنا أجازة نضبط الدنيا وكدة كدة صاحبتها خطوبتها الأحد هي اللي عايزة تلزق لها في كل حاجة تأففت حبيبة بنزقٍ قائلةً : _ يا ستي أنا صاحبتها الانتيم يعني لازم ابقا معاها في كله نظر حسن لحنان نظرة فهمتها جيداً فتنهدت تتمالك ذاتها مبتسمة له بسمة بسيطة تطمئنه أن كل شئ على ما يُرام، ثم قامت بلكز أختها برفق قائلةً بنبرة مغلوبة علي أمرها : _ خلاص متتقمصيش كدة هاجي معاكي وأمري لله نهضت حبيبة بفرحةٍ تُقبلها عدة قُبلات جعلت ضحكات حنان تتصاعد متجاهلة صراعاتها الداخلية تحت عين خبيرة بكل مكنوناتها ،وبعد قليل من الضحك والمشاغبة وأثناء ما كان حسن يتناول طعامه، صدح صوت حنان المتسائل : _ صحيح ايه اللي حصل معاك أخرك كدة؟! حصل حاجة وقفت الدنيا تاني ولا ايه؟ توقفت يد "حسن" عن الطعام ثم تنهد بقوة رافعاً رأسه لها وأخذ يقص ما حدث معه ومع صديقه، وما إن انتهى من حديثه حتي ارتسم الحُزن جلياً علي وجه أختيه، وعقبت "حبيبة" بغضبٍ : _ يعني لولا يوسف اتدخل كانت البت انتحرت ومحدش لحقها، هو ايه القرف اللي بقينا فيه ده! هزت "حنان" رأسها موافقةً لما تقوله أختها وقالت بصوت حزين : _ الدنيا في قلوبهم مش مهم عندهم حاجة إلا ازاي يكسبوا فلوس ويتشهروا وبس، فعلاً صدق رسول الله صلى الله عليه لما قال: «ليأتين على الناس زمان قلوبهم قلوب الأعاجم". قيل: وما قلوب الأعاجم؟ قال: "حب الدنيا. سنتهم سنة العرب، ما آتاهم الله من رزق جعلوه في الحيوان، يرون الجهاد ضرارًا، والصدقة مغرمًا» من مبالغة حبهم في الحياة اتقالت الحيوان، ربنا يخرجنا منها ويجعل الدنيا آخر همنا قولوا آمين أمن على دعائها كلاً من "حسن" و "حبيبة" وتابعت حنان حديثها وهي تسأله باهتمام حقيقي : _ طب البنت أهلها فين يا حسن؟ وهتعمل ايه؟ رفع "حسن" كتفيه بجهل وقال بعدم معرفة : _ منعرفش حاجة ولا حتى اسمها ولا معاها حاجة نعرف هي مين وساكنة فين، مفيش قدامنا غير انها تفوق ونتواصل مع أهلها بإذن الله هي خلاص أمانة معانا يعتبر هزت "حنان" رأسها بتفهم وقالت بهدوء وحُب : _ طب خلص أكلك عشان تلحق تصحىٰ للفجر يا "حسن" الشيخ منصور ساب لك المفاتيح عشان هو مسافر لأهله البلد تذمرت حبيبة قائلةً بحنق وهي تلتهم ما بيدها بغل : _ هو اي مصيبة في الحارة وبره الحارة يلبسوها لحسن مفيش غيره يعني الراجل راجع متأخر وتعبان يعني ايه ده! ردت عليها حنان بتعقل تاركةً ما بيدها : _ وماله يعني يا ست حبيبة هو حد طايل ربنا يسخره لحوائج الناس وبعدين بدل ما انتي بتتأمري عليه كدة ادعي له ربنا يستعمله ولا يستبدله ولا إيه رأيك في الكلام ده يا شيخنا؟! اختتمت حديثها وهي تنظر له بمكر فابتسم "حسن" علي قولها وهز رأسه بيأس عليها قائلاً بنبرة مرحة : _  آمين يا ستي هو أنا كاره يعني؟! ربنا يديمها نعمة يارب وبعدين انتي عارفة اني مش شيخ أنا عبد لله بسيط خالص  أنا الاسطى حسن يا حنون ولا نسيتي؟! قامت "حبيبة" من محلها تعبث في وجنته كالاطفال وهي تقول بنبرة مضحكة : _ يوغتي على جماله وحلاوته يا ناس أحلى أسطى حسن في الدنيا قهقه عليها أخوتها وسحبها "حسن" مُقبلاً رأسها بحُب أخوي خالص وعلى بُعد صغير من بيت العطار كان "يوسف" يجلس مع والدته في بهو منزلهم يقص لها مع حدث معه وعندما انتهى تشدقت والدته بحسرةٍ علي تلك الفتاة قائلةً : _ يعيني على شبابها اللي كان هيتقصف بدري ثم نظرت لإبنها وهي تربت على قدمه بفخر قائلةً : _ بس راجل يا حبيبي ربنا يحميك لشبابك ويفرحني بيك انت واخوك يارب ويرجعه بالسلامة ابتسم "يوسف" وهو يقبل يدها بحنو قائلاً : _ حبيبتي انتي يا صفصف يا قمر، أنا هقوم أنام بقا عشان نروح أنا و "حسن" الصبح المستشفى ونشوف حوارها هيخلص على ايه زوت "صفاء" ما بين حاجبيها بتعجب لقول ولدها قائلةً بنبرة أعربت عما بها من توجس: _ يعني ايه الكلام ده؟! وانتوا مالكم كتر خيركم لحد كدة دفعتوا علاجها ومودينها أحسن مستوصف، هي يعني صغيرة لما تفوق تبقا ترن على أهلها احنا مش ناقصين هم يا بني الله أعلم ايه اللي وراها هز "يوسف" رأسه بيأس على حديثها ثم تنهد بقوة فهو يعلم مدى خوفها مما يحدث في هذا الزمان قائلاً بحنو : _ ماما البنت معهاش ولا مليم ولا حتى تليفون ولا حاجة خالص، واحنا دلوقت مسئولين عنها وبعدين هتفوق ونعرف أهلها مين ونتصل بيهم وخلصت، متخافيش كدة يا "صفصف" ربك كبير زفرت "صفاء" بقوة ولوت شفتيها بضيق من الأمر قائلةً : _ ماشي ياخويا ما انا عارفة لو فضلت انتع في قلبي معاك من هنا للصبح لا هاخد منك لا حق ولا باطل، خش ريح جتتك من الصبح بتلف على رجليك قبّلها "يوسف" بمرح قائلاً وهو يتحرك تجاه غرفته : _ حبيبتي يا صفصف يا أم قلب كبير، بكرة هيخلص كل حاجة سيبيها على الله، تصبح على خير يا جميل تابعته"صفاء" بعينيها حتى اختفى عن ناظريها وقالت بتوجس وقلب منقبض : _ وانت من اهل الخير يا بني، ربنا يستر قلبي مش مطمن للروحة دي تنهدت بضيق لما تشعر به، ثم نهضت بخطوات مثقلة تلائم جسدها الممتلئ تدعو الله أن يحفظ ولدها ويسلم طريقه حتى دلفت هي الأخرى إلى غرفتها حتى تخلد للنوم في صباح اليوم التالي، كان "حسن" يقود سيارته ومعه "يوسف" وقد اصطحب معه أخته "حنان" حتى تتعامل معها فهي فتاة مثلها وحتى لا تخجل منه هو وصديقه، بعد فترة وصلوا إلي المشفي فقال "حسن" بهدوء : _ اطلعوا انتوا وأنا هدور على ركنة وهحصلكوا على طول هزت "حنان" رأسها ونزلت بهدوء تتجه صوب المشفي، استدار "يوسف" تجاه صديقه قائلاً بنبرة رخيمة : _ اجي معاك ونطلع سوا؟! _ لا روح انت واعرف هي فاقت ولا لا واعرف حالتها ايه، وأنا مش هتأخر عليك ان شاء الله اومأ "يوسف" برأسه ونزل متجهاً للداخل وبعدها تحرك "حسن" بحثاً عن مكان حتى يوقف السيارة فيه، بعد مدة قليلة وجد ضالته فاتجه صوبه يتوقف هناك، وما إن تحرك لوجهته أدرك بنسيانه لهاتفه تأفف بضيق يعود أدراجه مرة أخرى أخذ يبحث بداخل السيارة وكأن انشقت الأرض وابتلعته، وأثناء ذلك وقع بصره علي شئ ما أسفل المقعد الخلفي زوى ما بين حاجبيه بتعجب ثم التقطه أخذ يمرر أنظاره متفحصاً تلك المحفظة الانثوية لا تملك اختيه مثيلتها فمن أين جاءت؟! لمع في ذهنه شئ ما، فاعتدل في جلسته وفتحها بفضول ولكن تسمرت يده على تلك الصورة الفوتوغرافية وقد أدرك حِسه أنها تابعة لتلك الفتاة التي ترقد بالأعلى مرر أنظاره عليها وقد أطال تأمله لها أدرك ذاته مستغفراً ربه، وأكمل تفحصه فتنهد براحة نسبية وهو يجد هويتها الشخصية أخذ يمرر أنظاره عليها والتمعت عينيه ببريق عجيب يردد بخفوت : _ مـسْك كمال المُحمدي انتفض من تأمله وهو يستمع لصوت هاتفه يدق بصخب يقاطع لحظات شروده، أعاد الأشياء لمكانها مرة أخرى، ثم التقط هاتفه الذي لا يعلم من أين جاء ووُضع أمامه ثم أجاب وهو يتنحنح مُجلياً حلقه ولكن توقفت الكلمات في حلقه وانعقد ما بين حاجبيه تتسع عينيه بصدمة وهو يستمع لما يُلقى على مسامعه فاندفع بجسده يخرج من السيارة بسرعة كبيرة وهو يغلقها بصورة عشوائية متحركاً وهو يكاد يجري ولكنه تمالك ذاته يسير بخطوات واسعة أقرب للهرولة وهو يغلق الهاتف قائلاً : _ طب أنا جاي لك اهو أخذته قدماه صوب المشفى بسرعة وقلب وجل لما سمعه من صديقه ، ومن هنا تبدأ الحياة في سطر أول كلماتها تأخذهم في مجرى جديد تحثهم على اختيار الطريق ولكن هل يصيبوا أم يخطئوا متخذين طريق معوّج لا نهاية له؟! __________ انتهى الفصل. يا ترى فين كريمة واختفت ليه؟ وليه كارم طرد مسك وإيه الحكاية؟ حسن ويوسف هيعملوا ايه معاها؟ وهيرجعوها فعلاً لأهلها ويقدروا يوصلوا ليه؟ لو وصلت لهنا متنساش الڨوت يا جميل والكومنت برأيك في أول فصل♥️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إن اعــوّج الطريـق

المؤلف Mariam Tarek
2024/06/18 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة