الوردة التي اعلنت الحرب

الوردة التي اعلنت الحرب

13 0

في أقصى أطراف العالم، حيث تعانق الغابات الضباب وتهمس الرياح بأسرارٍ قديمة، كانت تقع قرية صغيرة تُدعى بَلام. قرية هادئة، لم تعرف يومًا سوى دفء المواقد وصوت الأطفال عند الغروب. وفي أحد بيوتها الخشبية المتواضعة، عاشت عائلة من ثلاثة أفراد: أبٌ وأم، وطفلهما الوحيد آش، ذو الأعوام الستة، بعينين تلمعان ببراءة لا تعرف الخوف.

لكن في تلك الليلة… تغيّر كل شيء.

كان الأب يقف خارج المنزل، يتفقد السماء التي اكتست بسحب داكنة على غير عادتها، حين لمحهم.

ظلالٌ تتحرك بصمت، رجالٌ يرتدون السواد من الرأس حتى القدم، كأن الليل قد اتخذ هيئة بشرية.

تجمّد الدم في عروقه، فعرفهم في اللحظة نفسها… لقد جاءوا.

اندفع إلى الداخل وأغلق الباب خلفه بعنف.

قال بصوتٍ خافت لكنه حازم:

«لقد وصلوا».

شحب وجه الأم، ووضعت يدها على صدرها، وكأن قلبها أوشك أن يفرّ. لم تفكر بنفسها، بل بعيني آش الصغيرتين اللتين كانتا تراقبان المشهد بقلق.

— آش: أمي… أبي… ماذا يحدث؟

اقتربت الأم منه، جثت على ركبتيها، وضمّت وجهه بين يديها المرتجفتين.

— الأم: اسمعني جيدًا يا بني… يجب أن تنزل إلى القبو الآن. ومهما سمعت، ومهما حدث… لا تخرج أبدًا.

أضاف الأب وهو يضع يده على كتف ابنه:

— ستسمع أصواتًا بعد قليل… لا تخف. لا تخرج إلا حين يطلع النهار أو تصل الظهيرة.

تردد آش، وارتجف صوته:

— ولكن… إلى أين ستذهبان؟

تبادل الأب والأم نظرة قصيرة، نظرة حملت وداعًا صامتًا لا يحتمله قلب طفل.

انحنى الأب، وهمس في أذن آش:

— سنحميك… وعندما تكبر، ستعرف الحقيقة. وعليك حينها… أن تنتقم.

شدّ آش قبضته الصغيرة، وهز رأسه بإصرار طفولي:

— نعم يا أبي… سأفعل.

ابتسم الأب ابتسامة حزينة، وقال بصوتٍ مكسور:

— سامحني يا بني…

وفي لحظة قاسية، وجّه ضربة خفيفة إلى مؤخرة رأس آش، ليسقط الصغير فاقدًا للوعي، قبل أن يرى الدموع في عيني والديه.

حملته الأم ووضعته في القبو، ثم أغلقا الباب بإحكام.

— الأب: الآن… حان وقت القتال.

— الأم: نعم… من أجل آش.

ما هي إلا لحظات حتى تحطّم الصمت.

اقتحم رجال السواد المكان، لكنهم وجدوا الأب والأم واقفين، وسيوفهما مشرعة، وظهريهما إلى بعضهما، كأنهما جداران لا يُهزمان.

اشتعل القتال.

تطاير الشرر، وتعالت أصوات الحديد. سقط ثلاثة من رجال السواد أرضًا، بلا حراك.

لكن العدد كان أكبر… والقدر كان أقسى.

سقط الأب أولًا، ثم الأم إلى جانبه، وامتزج دمُهما فوق أرضية المنزل الخشبية.

تقدّم أحد الرجال، ووضع فوق جسديهما وردةً حمراء… علامة لا يعرف معناها إلا من ينتمي لذلك الظلام.

وفي القبو، كان آش نائمًا…

غير مدرك أن طفولته قد انتهت،

وأن طريقًا طويلًا من الدم والانتقام قد كُتب له منذ تلك الليلة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الوردة الحمراء

المؤلف عبدالرحمن شعبان
2026/04/28 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة