حين ينهار الأمان

حين ينهار الأمان

26 0

مرت ثلاث ساعات على خروج فيكتوريا , عمتها تتفقد الساعة بين الحين و الآخر و قلبها غير مرتاح , اتجهت إلى غرفة رافييلا و دقت الباب مستأذنة ثم وقفت عند العتبة و سألتها : " رافييلا هل مرت فيكتوريا بك ؟ "

هزت رأسها نافية و هي تلبس ابنها سترة زرقاء : " كلا لم أرها "

بدأ قلبها يدق قلقا ثم ابتعدت عن الباب قائلة : " سأتفقد غرفتها لعلنا لم ننتبه لعودتها "

أغلقت رافييلا سترة أندريه ثم حملته و قالت : " سأتفقد الحديقة الخلفية "

دخلت ماري غرفة فيكتوريا لكنها لم تجدها فيها , كل شيء كان كما تركته فأخذت هاتفها و اتصلت بها لكنها لم ترد فاتصلت بويليام .

كان ويليام في مكتبه يرتب مجموعة من الملفات التي تدين والدته و عائلتها إضافة إلى بعض الوثائق التي تثبت علاقتها بعائلة بلاك ويل , هاتفه رن المرة الأولى بإشعار رسالة لكنه لم يهتم ثم رن المرة الثانية بمكالمة نظر إلى الاسم فإذ بها ماري . أخذ الهاتف و رد قائلا :

" ماري اعذريني لكنني مشغول كثيرا الآن "

لكنها فاجأته : " ويليام .... فيكتوريا اختفت "

ترك الأوراق من يده متفاجئا ثم سألها : " كيف اختفت؟"

أجابت بصوت مرتجف : " خرجت من المنزل في نزهة و لم تعد بعد "

أخذ مفتاح سيارته و غادر و هو يكلمها : " دعي الأمر لي "

و ما إن أنهى المكالمة حتى تفاجأ برسالة أخرى : " ماذا سيكون اختيارك هذه المرة يا ويليام ؟ "

ويليام كتم غضبه داخله و يداه ترتجفان , وضع هاتفه في جيبه و أخذ مفاتيحه ثم خرج من المكتب , و بمجرد أن ابتعد عنه ببضع خطوات  استوقفه شقيقه أمام باب المكتب سائلا : " ما الأمر ؟"

رد بانزعاج : " أمر طارئ يجب أن أغادر سريعا "

لكنه رفض أن يبتعد و أصر على سؤاله : " ويليام أجب عن سؤالي , ماذا يحدث ؟ "

أجاب ويليام بصوت منخفض : " لا أستطيع إخبارك لأنك ستزيد الطين بلة فدع الأمر لي "

ابتعد ديفيد و هو يحاول كبح غضبه : " سنناقش الأمر لاحقا اذا , لكن إياك أن تقع في مأزق ولا تخبرني "

هز ويليام رأسه بالموافقة ثم غادر الشركة مسرعا مع اثنين من رجاله .

مثلما كان الطريق نحو الموقع الذي أرسله المجهول وعرا و خطيرا مثلما كان المكان الذي احتجزت فيه فيكتوريا مخيفا , كان منزلا مهجورا شبه مدمر لا سقف له بل أربع جدران مهترئة بلا أبواب أو نوافذ على أطراف الغابة , صوت عواء ذئاب قريب و حفيف الأشجار المحيطة به بفعل الأنسام الباردة . فيكتوريا كانت مقيدة إلى كرسي خشبي وسط المنزل و أمامها خاطفها و صديقه الذي كان ينتظره هناك , أحدهما يجلس أمامها على كرسي آخر و الثاني يتكئ على أحد الجدران المهترئة . أشعل الرجل الجالس أمامها سيجارة و أخذ ينفث دخانها في وجهها فسعلت باختناق و هو يحدق بها ثم ابتسم و قال : " زوجة مونتكلير عندنا , مؤسف أننا لم نستضفك كما تستحقين لكن لا بأس سيتغير الحال بمجرد أن نتلقى تعليمة تحدد مصيرك "

نظرت إليه باستحقار : " لن تفلت بفعلتك هذه "

أشار إلى صديقه الذي جلس قريبا منها و جمع بعض الأعواد ثم أخذ بعض الأوراق من جيبه و مزقها ثم أشعل النار فيها , التهمت النار الأوراق و أصبح الدخان أكثر كثافة و غزا المكان . بدأت فيكتوريا تختنق بفعل الدخان و هي تحاول شد قيودها لتختبر قوتها , اقترب الخاطف منها و نظر في عينيها مبتسما : " كنا نعلم أن هذه إحدى نقاط ضعفك , لنرى إذا كنت ستستطيعين الصمود بلا بخاخ "

اتسعت عينيها و هي تنظر إليه و تسعل لكنها قاومت دموعها محاولة التنفس , أكمل صديقه الكلام و هو يضيف أوراق الأشجار إلى النار : " هو اختار أن يتحداها و يخرج عن طوعها , و أنت اخترت أن تكملي الطريق معه ... و الآن ستدفعان ثمن اختياراتكما "

نظرت إليهما باشمئزاز و هي تحاول التنفس بينما كانا يضحكان على حالها و هي تحاول تحرير يديها من الحبل

توقفت سيارة ويليام و رجاله بمجرد أن رأى الدخان من المنزل المهترئ ثم نزل منها و هو يتكلم في سريرته :

" لا يمكن أن يكونوا فعلوها "

أما الخاطف الذي كان يجلس مقابلا لها فابتسم لها قائلا :

" لا بد من أنك تتساءلين ... كيف عرفنا قصة البخاخ "

فجأة سمعا صوت توقف سيارة قريبا منهم فسحب كل منهما سلاحه ثم وقف أحدهما خلفها و وضعه على عنقها ثم همس لها : " أي حركة غبية ... و ستندمين "

ثم فك قيدها و جعلها تقف أمامه كذرع حين داهم ويليام و رجاله المنزل , كانت عيناه تبحثان عنها و هما مشتعلتان بالغضب لكنه هدأ حين رآها أمام خاطفها منهارة و هو يمسكها و يضع سلاحه عليها , أشار إلى رجاله بالوقوف خلفه و عدم الاقتراب بينما بقيا في حالة تأهب أما صديقه فوجه سلاحه إلى ويليام الذي رفض سحب سلاحه بل نظر إليها و قال بصوت ثابت : " دعها "

لكنه قرب سلاحه إليها أكثر قائلا : " أنت تعرف الثمن الذي عليك أن تدفعه من أجلها "

اقترب ويليام خطوة نحوه و هو يراقب سلاحه الذي كان على عنقها و عيناها الشبه واعيتين و جسدها المنهار ثم سحب سلاحه بحركة سريعة و أطلق على يده ليفلتها متألما بينما أطلق أحد رجاله النار على صديقه لإعاقته , و قبل أن تسقط فيكتوريا أرضا أسرع ويليام نحوها و  أمسك بها .

أمسك رجاله بالخاطفين بينما ويليام بقي يتفحصها , كانت تتنفس بسرعة و يداها ترتعشان و تسعل بين الفيئة و الأخرى و هي تحاول التكلم بصوت متقطع : " لا ... أستطيع ... التنفس "

تجمدت ملامحه لثانية ثم فهم الأمر و أسندها إلى ذراعه و أخذ البخاخ من جيبه ثم قربه من شفتيها  لكنها هزت رأسها رافضة له و الدموع تتجمع في عينيها و هي تحاول التكلم : " لا أستطيع ... لا يمكنني ذلك "

نظر إلى عينيها اللتان تتحركان بسرعة , الدموع التي تجمعت فيها و وجنتيها اللتان تحول لونهما إلى الأحمر ثم قال مشجعا : " بل تستطيعين , شهيق عميق ثم زفير قوي  أنا سأضغط عليه و انت استنشقيه و ستكونين بخير "

هزت رأسها بالموافقة أخيرا ثم وضعت يدها على يده التي تمسك بها ثم وضع البخاخ في فمها و ضغط عليه المرة الأولى فاستنشقته ثم ضغط المرة الثانية ففعلت حتى هدأت أنفاسها ثم أفلتت ذراعه و استقرت يدها على الأرض , وضع البخاخ جانبا ثم  أبعد خصلات شعرها عن وجهها الأحمر ينظر إليها و هي تغمض عينيها مستسلمة ثم قالت بصوت ضعيف : " دعنا نعود إلى المنزل ... أرجوك "

همس و هو يحملها : " حاضر ... اتفقنا "

✦✦✦✦أمسية نفس اليوم✦✦✦✦

أسدل المساء ستائره حين استيقظت فيكتوريا من النوم , نظرت إلى الغرفة تحاول استيعاب ما حدث و هي تضع يدها على رأسها لتخفف الصداع . نظرت إلى جوانب الغرفة لتجدها مضاءة بإنارة خفيفة صفراء و لا أحد معها .

نهضت من السرير و نظرت إلى الساعة بجانبها فإذ بها التاسعة ليلا فهمست لنفسها :" لا أصدق أنني نمت لست ساعات متواصلة "

فجأة تذكرت ويليام فنظرت إلى زوايا الغرفة مجددا لكنها لم تجده , أبعدت الغطاء عنها بسرعة ونهضت متجهة إلى خارج الغرفة , أغلقت الباب خلفها و هي تتفحص الرواق بعينيها فجأة أتت رافييلا تحمل بطانية في يدها و سألتها :

" هل أنت بخير ؟ هل تريدين أن نستدعي طبيبا ؟ "

" كلا أنا بخير , أين ويليام ؟ "

" رأيته يتجه إلى تلك الغرفة بعد أن رافق مجموعة من الرجال و هم يغادرون المنزل"

قطبت حاجبيها و سألت : " ألم ينهوا عملهم بعد ؟ "

أجابت : " بلى بعد عودتكما بقليل  , ثم بقي ويليام في تلك الغرفة "

تنهدت : " حسنا فهمت , ماذا عن عمتي ؟ متى غادرت ؟ "

" بعد عودتكما بقليل , اطمأنت عليك ثم غادرت , ويليام وعدها بأن يهتم بك "

هزت رأسها : " حسنا فهمت شكرا لك "

ابتسمت رافييلا ثم ربتت على كتفها و ذهبت أما فيكتوريا فذهبت إلى الغرفة التي أخبرتها أن ويليام يتواجد بها , وقفت أمام الباب ثم دقته و نادت ويليام : " ويليام هل يمكنني الدخول ؟ "

بعد لحظات فتح الباب و خرج ويليام مبتسما ثم أجاب : " بالطبع يمكنك ... لكن أولا "

ثم قام بتغطية عينيها بقماش أسود و أمسك بيدها قائلا : " إنها مفاجأة , و أرجو أن تعجبك "

هزت رأسها و هي تمسك بيده و تسير معه بخطوات حذرة  سمعت صوت إغلاق الباب و هي تطأ خطواتها الأولى في الغرفة ثم توقفا و همس لها : " مستعدة ؟ "

هزت رأسها بالموافقة و قالت : " أكيد "

أزال القماش عن عينيها ببطء و هي تفتحهما , نظرت إلى المكان و هي تحاول استيعابه متفاجئة , كانت الرفوف المليئة بالكتب تمتد على جدار الغرفة و أسفل النافذة توجد أريكة بنية تتسع لشخصين  و أمامها طاولة بنية عليها مزهرية فيها ورود .

اقترب ويليام منها و قال بصوت منخفض : " هذا المكان سيكون ملجأ ترتاحين فيه من مشاكل آل مونتكلير "

استدارت إليه و نظرت إلى عينيه و قالت : " أنت الملجأ الذي أرتاح فيه قبل هذا المكان "

سكتا قليلا ثم سألها : " هل تريدين العودة لقراءة تلك الرواية ؟ "

هزت رأسها بالموافقة ثم أشارت إلى الأريكة و قالت : " اجلس "

جلس على الأريكة كما طلبت ثم أحضرت الرواية من الرف و جلست بجانبه و وضعت رأسها على صدره و قالت : " هل نقرأ قليلا معا ؟ أم تريد أن تنام ؟ "

ضحك قليلا ثم أجاب : " ماذا تقرئين ؟ لماذا تحبينها هكذا ؟ "

أخذت تقلب صفحات الرواية ثم أجابت : " لأنها تتحدث عن شخص أحب فتاة ثم تغير من أجلها ,أؤمن أن الحب يغير الإنسان "

سألها : " و هل تؤمنين أنه سيغيرني ؟ "

تغيرت ملامحها إلى الحزن : " طالما أنك تريد ذلك , فأنا أؤمن به حتى لو تأخر "

وضع يده على شعرها و أخذ يمررها بين خصلاته قائلا :

" أعتذر لأنني جررتك إلى كل هذا "

هزت رأسها نافية : " أنت لم تجرني إلى شيء , أنا من اخترت أن أكون هنا "

" لكنك لم تختاري أن تكون العائلة هكذا , أو أن أكون أنا بنفسي هكذا "

" لكن يمكنك أن تختار الطريق الذي تسير فيه و تحدد مصيرك , تماما كما فعل البطل هنا "

" لكنني لست بطلا , أنا الشرير في القصة "

" كلا أنت بطلي أنا , لو لم تكن بطلا لما أنقذتني منهم "

" أريد أن أسمع قصة البطل الذي تقرئين عنه "

سألت : " هل أقرأ لك ؟ "

هز رأسه : " ليتك تفعلين "

و قبل أن تبدأ قالت : " لكن لدي سؤال , ما مصير من كانوا قبلك في هذا العالم ؟"

فكر قليلا ثم أجاب : " الموت غدرا  "

تركت الكتاب من يدها ثم نهضت و نظرت إليه بصدمة :  " هل هذا يعني أنك ستموت ؟ "

أجاب : " لا أعرف , لكن لا تفكري في مصيري سأتدبر أمري بمفردي اتفقنا ؟"

تغيرت نبرتها إلى الحزن : " لكن ... "

قاطعها : " بدون لكن , سأتدبر الأمر ... لكن لدي طلب "

" ما هو ؟ "

" ستقرئين لي هذا كل ليلة , لأعرف كيف تغير هذا البطل اتفقنا ؟ "

" اتفقنا "

اعتدلت في جلستها و أخذت تقرأ الكتاب و ويليام ينصت إليها باهتمام و يمرر يده على شعرها باستمرار و بعد مرور ساعات صمت صوتها و سمع صوت  الكتاب يسقط على الأرض فعرف أنها نامت . حملها إلى الغرفة و قام بتغطيتها ثم عاد إلى غرفة الكتب و وضع فاصلة كتاب كي لا تضيع الصفحة ثم أعاده إلى الطاولة و عاد إلى الغرفة و نام

صباح اليوم التالي لم يحمل البشائر كالعادة , استيقظت فيكتوريا مبكرا على غير عادتها و على صوت الخدم الذي يهز المنزل و لم تجد ويليام بجانبها , غادرت الغرفة باتجاه الطابق السفلي حيث كان الخدم يتحركون بسرعة في كل زوايا المنزل و ويليام و شقيقه يمليان تعليمات على رافييلا و ماري , اقتربت فيكتوريا و ألقت التحية ثم سألت : " ماذا يحدث هنا ؟ "

أجاب ديفيد : " سيأتي جدي اليوم , لنناقش أمر المستثمر الذي ظهر فجأة و يرغب في الاستثمار عندنا "

جلس ويليام على الكرسي الذي بجانبه : " لست مرتاحا لأمره , لا يأتي مستثمر جديد فجأة و خبر إفلاسنا منتشر كالنار في الهشيم "

ديفيد و هو يرتدي سترته : " أنت تعلم أنها مجرد إشاعات فقط لنغطي الحقيقة "

هز ويليام رأسه : " نحن نعرف , شخص خارج جدراننا لا يعرف .... على كل حال أنا لست راضٍ عن هذا و لست مرتاحا له "

تنهد ديفيد : " هذا ليس وقت مشاعرك لنذهب الآن فعلينا إنقاذ ما تبقى من الشركة "

اعترضت فيكتوريا و هي تنظر لويليام : " ما يشعر به قلبك دائما صحيح "

نظر إليها الجميع باستغراب لأنها أول مرة تشارك فيها في نقاش يخص العائلة أو الشركة على حد سواء , و قبل أن يتلفظ ويليام بكلمة سبقه ديفيد : " هذا ليس وقت المشاعر و الأحاسيس , لدينا شركة علينا إنقاذها "

تدخلت رافييلا : " أراها محقة , ليس من الصواب أن نتحمس لفكرة شريك مجهول لمجرد أننا نريد إنقاذ الشركة من الإفلاس "

أخذ ديفيد مفاتيح سيارته ثم قال بنفاذ صبر : " ليس لدي وقت لمشاعركم هذه سنذهب الآن لنلتقي المستثمر و نفعل شيئا نقابل به جدي حين يأتي مساءً "

ثم غادر بينما بقي ويليام قليلا يفكر فيم سيفعله ثم أخذ سترته استعدادًا للمغادرة لكن فيكتوريا استوقفته قائلة :

" إن كنت غير راضٍ عن الأمر فأنت تستطيع الانسحاب الآن "

ابتسم ويليام ليطمئنها ثم غادر ليلحق بشقيقه بينما ذهبت فيكتوريا لتغتسل في الحمام , بعد دقائق جلست مع عمتها و رافييلا يراقبن الخدم و هم يقومون بعملهم و يتحدثن , وضعت ماري أمام فيكتوريا فنجان قهوة ثم قالت :

" منذ متى يأتي الجد هكذا بدون سابق إنذار ؟ "

فيكتوريا و هي تمسك بالفنجان : " لا أعتقد أنه يحتاج إذنا ليزور منزل ابنه "

ردت رافييلا : " لكنه لا يأتي دون سبب واضح , معروف عنه أنه لا يأتي في زيارة ودية بل يأتي ليناقش مشكلة في الشركة أو مشكلة والدتهما "

هزت فيكتوريا رأسها مستغربة : " لم يكذب ويليام حين قال أن هذه العائلة لا تجتمع على الخير "

أخذت رافييلا ابنها و  وضعته في حجرها : " ديفيد متوتر من موضوع هذه الزيارة , أوامر جده و ملاحظاته تجعله أكثر عصبية "

ضحكت ماري ضحكة قصيرة ثم قالت و هي تنظر لفيكتوريا : " أعتقد أن ويليام هو الوحيد الذي لم يشعر بالضغط من موضوع جده , بدا هادئا "

نظرت فيكتوريا إلى الفنجان و ردت : " إنه يخفي قلقه و غضبه بداخله و هذا يشكل ضغطا عليه "

التفتت إليها رافييلا و على وجهها ملامح الصدمة : " ألا يناقش الأمر مع أحد ؟ "

هزت فيكتوريا رأسها نافية : " و لا حتى معي , يقول أنه لا يريد أن يدخلني في هذه الحرب , و يرفض أن يقحمك ديفيد فيها ... يفضل أن يتحمل المسؤولية بمفرده "

اعترضت رافييلا : "  هذا خطأ , نحن عائلة و سنتحمل هذا معا , لن نسمح لويليام بأن يحمل هذا العبء بمفرده , لذا سنبدأ من الآن "

رفعت ماري حاجبا مستغربة : " و ماذا ستفعلين ؟ "

أشارت رافييلا إلى خادمة أخرى بأن تأخذ أندريه ليلعب في الحديقة ثم التفتت إليهما و همست بحزم : " سنبحث عن غابرييلا و نعرف مقر آل بلاك ويل  , لن نسمح لهما بالذهاب بمفردهما "

صفقت ماري قليلا ثم قالت : " امرأة ذكية لكن آل بلاك ويل يعيشون في الجانب الغربي للعاصمة , ثانيا لا أعتقد أن ويليام سيواجههم و حتى لو فعل لن يسمح لشقيقه بالدخول في هذا "

ضربت رافييلا الطاولة بيديها مستنكرة : " أنا لا أصدق أنها خطة فاشلة "

ابتسمت ماري : " كانت لتكون ناجحة لو لم نكن نعلم مكان منزل آل بلاك ويل "

ردت فيكتوريا بصوت منخفض : " ماذا لو حمينا الملفات التي توصل إليها ويليام ؟ "

التفتت كل من رافييلا و ماري معا و سألتا بصوت واحد : " ماذا ؟ "

نظرت فيكتوريا إلى الخلف كأنها تتأكد من أن لا أحد ينصت إليهن ثم أكملت : " هناك خادمة أخذت ملفا مهما و هربت من المنزل دون أثر , الملف مهم و ويليام يرفض اخبار شقيقه "

سألت رافييلا بقلق : " متى حدث ذلك ؟ "

أجابت فيكتوريا : " في اليوم الذي ذهب فيه ويليام إلى المنزل القديم "

وضعت ماري فنجانها جانبا : " و كيف عرفت ؟ "

" تشاجرنا أنا ويليام حول أعمال الشركة أكثر من مرة و هو يعلم أنني أعارضها لذا هو يشك في كوني الفاعلة لكننا لم نناقش الأمر بسبب قضية مرضي ثم اختطافي "

لم تعلق رافييلا ولا ماري فتابعت كلامها سائلة : " لم تخبري أمي و أبي , صحيح ؟ "

هزت ماري رأسها نافية : " كلا , كنت واثقة من مقدرة ويليام على إنقاذك و قد فعل "

سألت رافييلا : " أين يمكن أن نخفي الملفات ؟ "

فكرت فيكتوريا قليلا ثم أجابت : " في مكتبتي ... التي جهزها ويليام لي "

أمسكت ماري بالفنجان ثم قالت : " إذا تلك الغرفة صارت مكتبة لك "

هزت فيكتوريا رأسها : " نعم لي , قال أنه جهزها كي أقرأ فيها "

وضعت رافييلا يدها على الطاولة : " اتفقنا ؟ "

نظرتا إليها قليلا ثم وضعت فيكتوريا يدها عليها ثم ماري و قلن بصوت واحد : " اتفقنا "

قاعة واسعة… أنيقة… باردة فيها طاولة طويلة، يجلس حولها ويليام و بجانبه شقيقه و  كبار الشركة و أهم المساعدين مقابلهم المستثمر و معه ثلاثة رجال يرافقونه , ساد صمت خفيف…

ثم فُتح الباب و دخل مجموعة من الرجال ببدلات سوداء و اصطفوا خلفهم  كانوا حراس الشركة و رجال ويليام , تبادل الجميع النظرات لكن ويليام شعر بشيء غير مريح

وقف الرجل أمام الطاولة، وابتسم ابتسامة قصية ثم قال بصوت ثابت : " تشرفت بلقائكم."

لكن صوته لم يكن مريحًا , ويليام لم يبتسم فقط نظر إليه…

بتركيز. وكأن شيئًا ما… على وشك أن يحدث.

جلس الرجل بهدوء أمامهم و مقابلا لويليام بالضبط ثم ابتسم قائلا : " سيشرفني أن أجلس مقابلا لصاحب الشركة "

ويليام لم يعلق و لا شقيقه بل بقيا ينتظران أن يقوم بأي شيء تبادل الحضور النظرات، ثم بدأ أحد المدراء بالكلام:

"حدثنا عن استثمارك"

ابتسم الرجل قليلًا : "بالتأكيد"

فتح حقيبته ببطء، أخرج ملفًا، ووضعه أمامه , كل شيء بدا طبيعيا إلى حد ما  لكن ويليام لم يبعد عينيه عنه. تفاصيل صغيرة بدأت تزعجه: لم ينظر في أعينهم كثيرًا , لم يتوقف عن الابتسام , حركاته محسوبة أكثر من اللازم كأنه آلة مبرمجة و ليس إنسانا , هدوءه مبالغ فيه و مصطنع .

بدأ الرجل يتحدث: " أنا مهتم بالتوسع في ... "

توقف لحظة، وكأنه يبحث عن الكلمة المناسبة ثم أكمل :

" ... الشركات التي تملك نفوذًا حقيقيًا."

رفع نظره فجأة نحو ويليام كأنه يوجه الكلام له , كأنه يعرف سرا لا يجب لأحد أن يعرفه , نظرته مباشرة , طويلة , غير مريحة. أخوه لاحظ الأمر انحنى قليلًا نحو ويليام وهمس: " هناك أمر غير طبيعي "

ويليام لم يتحرك بل رد بهمس : " أعرف "

عاد الرجل للكلام، لكن هذه المرة ببطء: " أعتقد أن شراكتنا… ستكون مفيدة جدًا."

يده كانت فوق الحقيبة , أصابعه تتحرك ببطء. و في لحظة صمت قصيرة ة و ثانية واحدة فقط فتح الحقيبة و أخرج سلاحًا و وجهه مباشرة إلى ويليام ثم أطلق رصاصتين عليه  , علا صوت صراخ :

" انزلوا !!! "  صرخ أحدهم لكنه كان متأخرًا.

ويليام تحرك بسرعة محاولا تفادي الضربة  لكن الرصاصة الأولى أصابت ذراعه و الثانية أصابت جانبه تراجع خطوة، الدم بدأ يظهر.

تدخل الحرس بينما أمسك ديفيد بشقيقه و سحبه إلى أسفل المكتب , أسقط الحراس المهاجم و عم صمت غريب المكان , أخذ ويليام يعتدل في جلسته و يده المصابة تضغط على جرحه لكن النزيف لم يكن قويا بل مسيطرا عليه , نظر إليه شقيقه و على وجهه أمارات الغضب ثم قال بنبرة حادة : " أخبرتك أن شيئا كهذا سيحدث , هل أنت بخير ؟ "

استمر ويليام بالضغط على جرحه و هو ينظر إلى الحراس يقيدون المهاجم بعد أن أطاحوا به و بعضهم الآخر يتفقد المستثمرين . اقترب منه حارسان ثم وجها الكلام إلى ديفيد :

" تبدو إصابة السيد ويليام خطيرة , لا بد من أخذه إلى المشفى "

و قبل أن يتكلم ديفيد رفض ويليام الذهاب و رد بصوت متعب : " لا داعي , هذه كانت رسالة إذا ذهبنا سنؤكد لها خطورة الوضع "

التفت إليه ديفيد منزعجا و هو ينظر إلى يده الملطخة بالدماء ثم قال : " هذا ليس وقت لعب دور البطل , جهزوا سيارة على الفور "

في المنزل , كانت فيكتوريا مع عمتها و رافييلا يخفين الملفات في المكتبة حين رن هاتفها , تفاجأت بأنه رقم ويليام

فردت عليه : " نعم ويليام "

لكن الصوت الذي رد عليها من الطرف الآخر لم يكن صوت ويليام بل صوتا رجاليا مختلفا :

" سيدتي هل أنت في المنزل ؟ "

" نعم ما الأمر ؟ "

" السيد ويليام تعرض لهجوم "

توقف الزمن عندها و بدأ قلبها يخفق بعنف تركت الملف على  الفور و يداها ترتجفان ثم سألت بصوت مرتفع :

" أين هو ؟ "

التفتت عمتها و رافييلا بقلق , أما الطرف الاخر رد :

" إنه بخير , نقلناه إلى المشفى "

" أريد عنوان المشفى "

سألت عمتها بقلق : " ماذا يحدث ؟ من الذي في المشفى ؟"

لكنها أشارت لها بأن تنتظر بيدها ثم ردت على الطرف الآخر : " حسنا سآتي حالا , لا تستمع إليه "

ثم أغلقت الهاتف و نهضت من مكانها : " عمتي ... ويليام تعرض لهجوم في الشركة و تم نقله للمشفى "

انتفضت رافييلا و ماري من مكانيهما بذعر تسألان : " هل هو بخير ؟ "

أخذت فيكتوريا سترتها التي كانت بجانبها و هي تجيب : " أنا لا أعرف و لا أعرف حتى من كلمني , كان صوتا رجاليا مختلفا عنه و عن ديفيد "

ردت العمة : " سنذهب معك "

لكنها رفضت : " كلا لا بد من أن الأوضاع في المشفى خطيرة سأذهب أنا مع العم كارتر "

بقيت ماري في مكانها ثم أمسكت بيدها قبل أن تذهب و ترجتها : " رجاء لا تنسي أن تطمئنيني عنه "

هزت فيكتوريا رأسها بالموافقة ثم ذهبت مع العم كارتر إلى المستشفى .

بمجرد دخولها إلى المستشفى وجدت ديفيد يقف عند مدخل الطوارئ و ملابسه ملطخة بالدماء , توقفت أمامه و هي تنظر إلى شكله بصدمة ثم سألت بصوت مرتفع :

" أين هو ؟ "

أشار ديفيد برأسه إلى الغرفة التي كان يقف أمامها و رد : " إنه في الداخل "

دخلت بسرعة لكنها توقفت بعد بضع خطوات حين رأته جالسا على سرير طبي و رأسه مستند على الجدار, قميصه ملطخ بالدم وملامحه متعبة لكنه واعٍ و بمجرد أن شعر بوجودها رفع رأسه و رآها فاتسعت عيناه من الصدمة لأنه لم يتوقع قدومها , اقتربت منه على الفور و ضربت كتفه بيدها قائلة : " قلت لك أن هذا سيحدث "

ثم توقفت يدها على كتفه و تلألأت الدموع في عينيها و أكملت بنبرة باكية : " لقد كدت أن أخسرك ... أنظر إلى إصابتك "

نظر إلى جرحه للحظة ثم إليها و رد : " لكنك لم تخسريني إصابتي ليست خطيرة حتى تخافي هكذا "

مسحت تلك الدموع ثم تغيرت ملامحها إلى الانزعاج و ضغطت على الجرح ضغطة خفيفة فارتجف للحظة و ابتعد و هو يضغط عليه متألما ثم سألها : " لماذا فعلت ذلك ؟ "

ضحكت عليه ثم أجابت : " أردت أن أتأكد فقط من أنك مازلت في كامل قوتك و الآن تأكدت "

ابتسم لها ثم رد بنبرة ثابتة : " أنت أخطر من الذين هاجموني "

أمالت رأسها إلى اليمين ثم ابتسمت : " على الأقل أنا أهاجم بحب "

وضع يده على خدها : " أنت الانتصار الوحيد الذي حظيت به في حياتي "

فجأة دخل شقيقه و قال بنبرة يخفي بها غضبه : " ويليام الطبيب هنا ليخيط جراحك "

ابتعد ويليام عنها و أشار له ليسمح للطبيب بالدخول , استعدت فيكتوريا لتغادر الغرفة لكنه أمسك بيدها و قال لها: " ابقي هنا , لا تغادري أرجوك "

هزت رأسها بالموافقة و جلست بجانبه , لكن الجرح الذي بدأ فجأة بالنزيف , فأسرعت فيكتوريا بالضغط عليه و بمجرد أن وضعت يدها عليه حتى تحرك ويليام قليلا و تأوه تأوهًا مكتوما فهمست :

" آسفة يبدو أنني ضغطت بقوة و آلمتك "

هز رأسه و هو يحاول التكلم من الألم : " كلا أنت لم تفعلي ذلك "

أحكمت الضغط عليه و هو يحاول الاعتدال في جلسته لكنها همست آمرة : " لا تتحرك "

لكنه سعل فجأة و وضع يده على فمه ثم أبعدها فظهرت بقعة دم خفيفة على يده , اتسعت عيناها من الصدمة و رفعت رأسها لتنادي ديفيد لكنها وجدته يسرع نحوهما مع الطبيب , أسند رأسه إلى كتفها و همس : " أنا بخير "



قام الممرضون بتعديل وضعيته لتسهيل التنفس و تثبيت قناع الاكسجين بسرعة , أخذ الجراح يوقف النزيف و ينظف الجرح و بمجرد أن أنهى عمله اقتربت فيكتوريا منه و همست : " ابق مستيقظا "

أخذ الجراح يخلع قفازاته قائلا : " انتهينا , سينقل إلى غرفة الملاحظة ليتم متابعة وضعه هناك "

بعد أن تم نقله إلى غرفة الملاحظة جلست فيكتوريا بجانبه تراقب أنفاسه المنتظمة ثم اقتربت منه و همست : " ويليام هل أنت بخير ؟"

فتح عينيه ببطء , نظره كان ضبابيا في البداية ثم استقر عليها , كأنه يبحث عنها ثم قال بصوت ضعيف :

" أنتِ هنا "

ابتسمت رغم دموعها و قالت بصوت مرتجف : " أنا لم أذهب أبدا "

فجأة دخل شقيقه و معه رجلان و اقترب منهما ثم قال بصوت منخفض : " ويليام يجب أن نغادر سريعا "

أجابت فيكتوريا على الفور : " لا يمكننا , إنه بحاجة إلى الراحة , ألا ترى إصاباته ؟ "

رد ويليام بسرعة : " أنا بخير "

لكنها رفضت قائلة : " لا تكابر , سنغادر بعد أن ترتاح "

همس ديفيد : " المكان مراقب , و هناك رجال مشكوك فيهم يتجولون في المكان "

ردت : " ماذا سنفعل ؟ "

نظر إلى الرجلان خلفه ثم التفت إليهما : " أمنت لك طريقا تغادر منه دون أن يلاحظك أحد "

ثم اعتدل في وقفته و أكمل كلامه : " و سيرافقانكما حتى تصلا إلى السيارة المجهزة  أمام مدخل المشفى ثم تعودان إلى المنزل "

سأل ويليام : " ماذا عنك ؟ "

أجاب : " سألحق بك بالطبع , بمجرد من أن أتأكد من وصولك إلى السيارة سأنطلق فورا "

أجلسته في مكانه ثم جلست مقابلا له و احتضنته بحذر كي لا تلمس الجرح و همست: " لا تكرر هذا مجددا،  اتفقنا؟ "

لم يرد بل اكتفى بإسناد رأسه إلى كتفها.



وقف ويليام بمساعدة فيكتوريا و خرجا إلى السيارة تحت حراسة مشددة من رجال ديفيد و عادوا إلى المنزل .

عم الهدوء المنزل تلك الليلة , عاد الجميع الى غرفهم،كانت الغرفة هادئة لأول مرة دون مشاحنات فيكتوريا و ويليام حول اعماله و ما حدث مؤخرا، ساعدته على الاستلقاء في مكانه و جلست تستعمل بخاخها الازرق لتنظم تنفسها بعد ما حدث  و بعد ان انهت جلست تنظر اليه و فجاة دق الباب ثم سمعا صوت ماري خلفه:

" ويليام هل يمكن أن تأتي لحظة؟"

نهض ويليام من مكانه و فتح الباب و بقي واقفا أمامه:

" خالة ماري؟ انت لم تغادري؟ هل تحتاجين إلى شيء؟"

كانت أول مرة يناديها فيها ب " خالة ماري" منذ صغره، نظرت إلى فيكتوريا خلفه ثم عادت بنظرها إليه و قالت:

" نعم لم أغادر اليوم، قررت المبيت هنا بعد ما حدث "

سألها:  " هل تحتاجين شيئا؟"

أجابت بنبرة حاسمة: " نعم أحتاجك انت أريد التحدث معك "

التفت إلى الخلف و أخذ إذنا من فيكتوريا ثم أشار لماري و غادرا الغرفة

بينما فيكتوريا بقيت تنظر إليه و هو يغادر و هي تهمس لنفسها : " لنرى إلى أين سيوصلك العالم الذي اخترته يا ويليام "

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الاختيار الاخير

المؤلف Rose victoria
2026/04/08 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة