─ ❖ ── ✦
الفصل الثاني: العينة الناجحة
في مساءٍ يقطر ريبة، اختنق فيه الهواء خلف جدران كورنس.
دوى صوت وقع كعب ريفينا، رفقة شقيقها هارتد، على الدرج المعدني البارد. صدى خطواتهما امتد في المكان كهمسات الموتى، يقود لقاعة الاجتماعات.....
لقد أُجبر هارتد على الانحدار إلى ذلك المكان اللعين مرات عدة، لكن لما يبدو الأمر الآن وكأن الموت ينتظره بالداخل؟
ربما يرجع ذلك لكون هذه القاعة أجدر بأن تكون محكمة تطلق منها أحكام الإعدام، بدلاً من مجرد مكان للنقاش.
لطالما كانت حاضرة بعظمة مظلمة، مهيأة لاستقبال عشرة رؤوس مختارة من بين خمسين ألف روح مهشمة تدور في فلك كورنس.
ليس تكبّرًا البتة، بل لأن مجرد وطء أقدامك على أراضيها يكفي ليحملك من الأسرار، ما يكون الواحد منها كفيلاً بجعل رأسك أقرب إلى المقصلة من كتفيك.
انفتحت الأبواب الحديدية ببطء جنائزي مقيت.
لم تمض سوى لحظات حتى اجتاح القادة القاعة واحدًا تلو الآخر.
اندفع كارلس أولًا، كعاصفة لا تحتاج إعلانا. سحب كرسيه من الطاولة السوداء المتفرعة في المكان بكل ما أوتيت من غرور، وضغط على خشبتها بقوة أسكتت جبروتها. صحيح أنها مجرد جماد، لكنها تثير الشفقة حقًا أمام هذا المجنون الذي لم يقدر في أكثر لحظاته هدوءًا على كبح هيجانه، ولم يرغب في ذلك أصلًا.
ضحك ضحكة قصيرة ملؤها الاستهزاء، وقال بنبرة سخرية كئيبة:
— «ههه… آمل أن يكون اجتماعًا مهما، يستحق أن أسحب من ورشة السلاح.»
تلته ماريا، عقرب كورنس الماكر. لم تكن بحاجة لمن يستدعيها أو يريها مكانها يومًا. لطالما امتلكت ما يكفي من الذكاء لأخذه غصبًا عن الجميع. جلست بهدوء، وأسقطت جهازها اللوحي على الطاولة. كانت قطعة معدنية ثمينة، لدرجة أن ماريا كانت مستعدة لتقديم رقبتها تضحيتا من أجلها إن لزم الأمر.
نسخة وحيدة لا تمتلكها سوى هذه المرأة المتحايلة على أصعب أنظمة الأمن وأكثر الأكواد تعقيدًا.
ابتسامة خفيفة لم تتجاوز حدود عينيها. و لم تكن تستحق من الثقة مقدار ذرة.
دخلت نيري بعدها بخطوات محسوبة. ومن يظن أن صاحبة هذا الاسم الرقيق والنظرات البريئة قادرة على تفكيك أكثر القنابل خطورة في مدة لا تتجاوز الثواني؟
كل حركة من جسدها تلمح إلى دقة قاتلة، وفاتنة بطريقة تجعل أي لحظة غفلة منك تُكلفك حياتك. حتى ابتسامتها التي تعلو شفتيها بهدوء تذكر الحاضرين بأن الخرائط والألغام، لا البشر، هي ما اعتادت على حبه ... حتى ولو كلفتها التحول الى اشلاء.
وضعت حقيبتها جانبًا، وقالت همسًا، أشبه بنسيم يسبق العاصفة:
— «يا له من وقت طويل… بالكاد أتذكر آخر مرة اجتمعنا فيها، يا رفاق.»
نوستراد، الرجل العملاق، كان آخر الداخلين. لم يترك دخوله أي أثر، ولم يكن بحاجة لذلك. واقفًا خلف الكرسي بدل الجلوس، ذراعاه معقودتان، ونظره ثابت. لهذا الرجل حضور كالظل يرافقك حتى ولو لم تفعل شيئًا.
رفع الزعيم يده ببطء، وصمت كل شيء. لحظة كأن القاعة نفسها تحبس أنفاسها، قبل أن يصدح صوته فجأة، صارمًا، يقشعر منه كل من كان في الغرفة:
— «ليقف الجميع.»
ارتد الجميع من مقاعدهم، و إعتلت الدهشة وجوههم. فلم يعتد هذا الرجل الصراخ ابدا.
كان صمته وحده يكفي لإكسابه السيطرة التي يريدها، لكنه الآن يبدو غاضبًا، لقد كان القلق واضحا في عمق عينيه حتى مع محاولته إخفائه
— «وحدات كورنس… لقد جمعتكم هنا مرارًا، وجربتم اسفل هاذا السقف شعور الحياة و الموت معا حتى إعتدتم عليه ، لكن هذه اللحظة... ليست كسابقاتها.»
جملة واحدة، ثقيلة، تكفي لإطفاء أي استهزاء في عيني كارلس، ولتجميد أصابع ماريا للحظة وجيزة.
— «لا داعي لتذكيركم بتاريخ مجزرة داكلين، ولا بما حلّ بها..... إن اختفاء رؤوس كابالا زارث لا يزال لغزًا دفينا حتى الآن، وحتى أنا لم أفلح في فك شيفرته.ولكن اليوم، سنقترب أخيرا من خيط يكشف الطريق لتتبع كابالا من جديد.»
ضغط زرًا صغيرًا، وانبعثت صورة ثلاثية الأبعاد لفتاة نائمة داخل تابوت زجاجي.
ضيّقت ماريا عينيها:
— «هل نُقلت الإشارة من مختبر ريفينا؟»
— «من هذه؟» سأل كارلس، مميلًا كرسيه ليقرب رؤيته.
— «لا أعلم،» أجاب الزعيم، مستديرًا نحو الصورة، «ليس هذا مهمًا بقدر ما ستعرفونه الآن عنها. لقد وجدتها في غابة إيفيا شبه ميتة، دون أثر لأي مخالب أو أقدام حيوانات… من هاجمها كان بشريًا، ومع ذلك لم أجد له أثرًا البتة.»
نوستراد همس:
— «لكن هذا غير طبيعي.»
— «أجل… لكنها الحقيقة،»
قال الزعيم بصوت يكتنز القوة، «كل ما عرفته عنها أنها نجت، إما بفعلها أو بفعل القاتل الذي تركها معتقدًا أنه أنهى أمرها كليا … حتى رأيت هذا.»
اقترب من الصورة وأشار إلى وشم صغير على عنق الفتاة. دقة النقش كانت تشع غموضًا.
— «هذا الرمز…» همست ماريا، وعينها تغوص في ذاكرة مشوشة، «رأيته من قبل… لكن أين؟»
— «عند اختراقك لشبكة التجربة المحرّمة، أليس كذلك؟»
— «أجل! … لقد كان أحد الرموز التي لم أستطع فك شيفرتها بعد، لكن ما علاقة هذا بالفتاة؟»
رد الزعيم:
— «لأنها إحدى الضحايا.»
— «مستحيل،» اندفعت ريفينا، «لقد أظهر الفحص أن دماغها سليم تمامًا… أنت تعلم أن جميع ضحايا التجربة يصابون بتشوهات دماغية تفقدهم عقولهم.»
قال الزعيم ببرود يحمله الجحيم:
— «معك حق… لكن دماء الضحايا تحمل حمضًا نوويًا للأسود المصابة بالصرع أيضًا، كما تعلمين. هل تأكدت من دمائها؟»
تلعثمت:
— «لا… لم أفعل.»
— «جيد… أنا فعلت.»
هارتد، بصوت هادئ مشحون بالتهديد:
— «إذن ما تفسير سلامة دماغها؟»
رد الزعيم، مفرغًا جماح غضبه في الإجابة بنبرة من الهدوء القاتل:
— «سهلة… لأنها عينة ناجحة.»
ساد الصمت وسط الصدمة. ربما فقد هذا العجوز عقله لبعض الوقت. لقد تمنى الجميع ذلك هربًا من تلك الحقيقة… حتى هو نفسه.
ضحك كارلس، ضحكة قصيرة، جنونية، تحوي قلقا مكبوتًا:
— «هراء. لم ينجح ذلك الوغد حتى بعد ألف تجربة على الرجال من كل قارات العالم، والنساء، وحتى الأطفال. فكيف ينجح مع جسد هزيل كهذا؟»
اقترب الزعيم منه بهدوء، انحنى حتى تلاقت أعينهما. لقد كانت أنفاسه مثل الجليد الحارق على عنق كارلس، وقال:
— «أتظنني أمازحك أم ماذا؟ أنا زعيم كورنس، وأخبرك الآن أن عدوّك داميان اللعين، زعيم عصابة كابالا، قد نجح أخيرًا في إنتاج وحش مدمن للدماء… بكامل قواه العقلية.»
قفز الصمت في الغرفة كحيوان مفترس. كسرته نيري بصوت يملؤه الرعب:
— «ما الذي يعنيه هذا؟ هل خسرنا؟ إن نجح ذلك المختل فيسيتمكن من تحويل البشر إلى عبيد للدماء؟ حينها!...حينها سيدفعهم لأكل بعضهم بعضًا؟… إنها مصيبة!»
هارتد فجأة:
— «... فلتُقتل.»
ارتدى الزعيم نظرة صاعقة:
— «ماذا.. قلت؟»
— «دعني أقتلها… سينتهي كل شيء بعد ذلك.»
ماريا، بلهفة:
— «أجل، إذا قتلناها، سيخسر داميان عينته الناجحة الوحيدة ولن يقدر على نقل الوباء.»
وقف كارلس وسحب سيفه بسرعة، والاستعداد يلمع في عينيه:
— «سيكون ذلك سريعًا جدًا.»
صرخ الزعيم بغضب مزمجر:
— «توقفوا جميعًا!»
ثم تابع:
— «يا لكم من حمقى. صحيح أنها العينة الناجحة الوحيدة… لكنها الآن بحوزتنا.»
رد هارتد بغضب ودهشة:
— «ألا تدرك أنها وحش؟ من يعرف ما قد تفعله إذا استيقظت؟»
— «حتى لو استيقظت، سيكون جسدها ضعيفًا جدًا على القتال ،» قال الزعيم، لكن في عينيه لهب غامض، «وحتى إن كانت وحشًا، أليس من الغباء أن تقف في صف من عذبها طوال تلك السنين؟ فقط تخيل مقدار حقدها عليه. أنت فقط.... لا تعلم مقدار الشوق الذي يقتلني لأرها تنهش جسده كما نهش جسدها، وجعلها تتحمل ألم حقنة تدمر خلاياها وهي على قيد الحياة..... إذا كان هذا الوحش قد صُنع لتحمل الألم… فسأجعله يتحول إلى وحش ضد صانعه… وحتى لو قُتلت، ستستبدل بعينة جديدة. قتلها ليس الحل… ليس الحل أبدًا. كيف لي أن أقتل شخصًا يتذكر شكل ذلك اللعين، وأفعاله، ونقاط ضعفه؟ كيف لي أن أنسى؟»
استدار فجأة نحو هارتد، قبض على بدلته بعنف. صوابه يكاد يفلت، صرخ:
— «كيف أنسى من جعلني اسكن الجحيم ألما ؟ من دفعني لرؤية ابني يتخبط داخل القضبان، عاجزًا عن الاقتراب منه؟ لأنه سيأكل لحم جسدي ويشرب دمائي إن فعلت! سأقتل ذلك الوغد وأحرق جثته حتى تصبح رمادًا، ولو كان آخر ما سأفعله في حياتي!»
حاول كارلس التدخل، فمنعه هارتد مشيرًا إليه بالابتعاد. لقد فقد صوابه للحظة… وهذا اعتيادي بالنسبة إليهم. هم رغم كل شيء بمثابة أبناء تجرع معهم نفس مرارة الألم.
الجميع صمت، مراعين غضب هذا الرجل المنكسر، المختبئ وراء قناع الصلابة المزيف. الجو في القاعة تحول إلى كابوس حي، ثقيل، مملوء بالرعب والتهديد الدائم، حيث كل لحظة قد تكون الأخيرة.
✦ ── ❖ ── ✦