الانعكاس

الانعكاس

12 0

لم يحدث شيء في اليوم التالي وهذا كان أكثر ما أرعب حسن. لا صوت، لا همس ولا ضغط في صدره. حتى العلامة على يد روان بدت ساكنة، كأنها مجرد أثر قديم.

قالت وهي تنظر إليها:

- يمكن خلاص؟

لم يرد حسن...كان يعرف أن الصمت ليس انسحابًا بل الصمت… إعداد.

في المساء، كانت روان وحدها في غرفتها. الضوء خافت، والنافذة نصف مفتوحة. جلست أمام المرآة، تحدق في يدها.

العلامة لم تعد داكنة فقط…كانت أوضح.

تشبه دائرة غير مكتملة، تتفرع منها خطوط رفيعة، كأنها جذور. مدّت إصبعها تلمسها، فجأة…تحركت.

شهقت وسحبت يدها بسرعة لكنها رأتها، رأت الخطوط الدقيقة تنبض… ببطء ثم سمعت صوتًا ليس همسًا هذه المرة بل… صوتها هي.

الصوت خرج من المرآة، رفعت عينيها ببطء…فرأت نفسها لكن ليس تمامًا انعكاسها كان يبتسم وهي لم تكن تبتسم تراجعت خطوة وأخذت تصيح:

- لا… لا…

قال الانعكاس بهدوء:

- مش أنا اللي دخلت الدايرة، انتِ اللي اخترتي

ارتجفت يداها، وقالت:

- انت مش حقيقي

ابتسم الانعكاس أكثر.

- كل حاجة حقيقية لما تلمسك

وفجأة، شعرت بقبضة باردة تلتف حول معصمها.

صرخت. وفي اللحظة نفسها…انطفأ الضوء.

في مكان آخر، كان حسن جالسًا في غرفته.

عاد الصوت له لكنه كان هادئ:

- روح لها

انتفض واقفًا:

- عملت إيه؟

ضحك بشر وقال:

- ولا حاجة هي بس بتشوف

لم ينتظر حسن وخرج يجري، وعندما وصل إلى بيتها كان الباب مفتوحًا دخل وهو ينادي باسمها.

- روان...روااان

وجدها في غرفتها، جالسة على الأرض، أنفاسها متقطعة، والمرآة أمامها مكسورة جلس بجانبها، وقال:

- حصل إيه؟

رفعت عينيها إليه ببطء، قالت:

- هي… مش أنا

نظر إلى يدها ورأي العلامة كانت ممتدة الآن حتى منتصف ساعدها. لكن الأخطر…أنها لم تكن فقط مرسومة، كانت تتحرك ببطء… نحو قلبها.

جاء الصوت، قريبًا جدًا هذه المرة:

- قلتلك… الجولة الجاية مش اختيار

ضغط حسن على أسنانه.

- عايز إيه؟

ردّ بلا تردد:

- مواجهة

ساد صمت ثقيل.

حسن:

- ازاي؟

رد عليه:

- تيجي عندي

برودة اجتاحت جسده.

- فين؟

صمت الصوت لحظة…ثم قال كلمة واحدة:

- البيت

تبادل حسن وروان نظرة.

"البيت"

البيت القديم الذي بدأ فيه كل شيء. الذي كان يتجنبه. الذي لم يدخله منذ… الحادثة. قالت روان بصوت ضعيف:

- لو رحت…

أكمل عنها:

- مش مضمون أرجع

ابتسم الصوت داخل رأسه.

- لكن مضمون إنها مش هتكمل العلامة

صمت.

الاختيار هذه المرة لم يكن بين قرب وبُعد بل بين مواجهة مباشرة…أو مشاهدة العلامة تزحف ببطء.

نظر حسن إلى روان ثم إلى يدها ثم قال بهدوء:

- هنروح

اتسعت عيناها وقالت:

- احنا؟

جاء الصوت سريعًا:

- هو لوحده

لكن حسن لم يتراجع وقال:

- لو اللعبة ثلاثية… المواجهة كمان تكون ثلاثية

ضحكة طويلة ترددت في داخله

- زي ما تحب

وفجأة…توقفت العلامة عن التمدد كأنها كانت تنتظر الامر

في تلك الليلة، لم ينم أحد لأن الغد…لن يكون دفاعًا.

سيكون دخولًا مباشرًا إلى قلب الظل.

في اليوم التالي ذهب حسن وروان لذلك البيت لكن كانت الصدمة، البيت لم يتغيّر.

هذا ما صدم حسن أكثر من أي شيء، كان يتوقع خرابًا، ظلالًا، أثرًا لسنوات الهجر.

لكن المكان بدا ساكنًا، عاديًا، كأنه ينتظرهم بهدوء صبور.

وقف أمام الباب الحديدي الصدئ. يده لمست المقبض… فتذكّر، الليلة الأولى، الصوت الأول والحادثة.

تنفّس ببطء، روان كانت خلفه مباشرة. العلامة على يدها ساكنة… لكنها دافئة.

روان:

- جاهز؟

حسن:

- لا

ثم فتح الباب، خطواتهم كانت مسموعة بوضوح مبالغ فيه، كأن البيت فارغ من أي صوت آخر في العالم.

قالت روان بخفوت:

- هو هنا

لم يكن سؤالًا. ردّ الصوت فورًا، بلا تأخير:

- طول عمري

لم يأتِ من اتجاه ولم يخرج من زاوية. بل كان في الفراغ نفسه. شدّ حسن قبضته، وصاح:

- عايز إيه؟

ساد صمت قصير ثم تغيّر شيء. لم تنطفئ الأنوار ولم يتحرك الأثاث، لكن الإحساس تغيّر. كأن الجدران اقتربت قليلًا.

- فاكر اللي حصل هنا؟

تصلّب جسد حسن وتذكر

الدرج

السقوط

الدم

همست روان:

- حسن…؟

قال الصوت، بهدوء قاتل:

- مش أنا اللي بدأت

ارتجفت أنفاسه.

- كفاية

- انت اللي ناديت

سقطت الكلمة في الغرفة كحجر في ماء راكد.

حسن:

- أنا ما ناديتش!

«كنت عايز حاجة أقوى منك.»

«كنت عايز ما تخافش.»

تراجع حسن خطوة.

ذكريات قديمة بدأت تتشكّل.

ليالٍ كان يتمنى فيها أن يشعر بالقوة.

أن يختفي خوفه.

أن يختفي ضعفه.

– «أنا كنت عيل!»

«وأنا استجبت.»

صمت ثقيل سقط بينهم.

روان فهمت الآن.

– «هو مش ملتصق بيك صدفة…»

نظرت إليه ببطء.

– «إنت فتحت الباب.»

أغمض حسن عينيه.

لم يكن استدعاءً واضحًا.

لم تكن طقوسًا.

كانت رغبة.

كانت لحظة ضعف.

لكن أحيانًا…

النية تكفي.

قال الصوت بهدوء أقسى من الغضب:

«أنا مش طفيلي.»

«أنا نتيجة.»

تحركت العلامة فجأة على يد روان، نبضت بقوة.

شهقت.

– «هو بيغذّيها بالذكريات!»

صمت.

نعم.

كل مرة ينهار حسن…

تتقوّى العلامة.

قال الصوت:

«عايز المواجهة؟»

ارتفعت حرارة المكان قليلًا.

«يبقى ما تهربش.»

فتح حسن عينيه.

– «ماشي.»

ساد سكون عميق.

– «لو أنا اللي فتحت الباب… أنا اللي هقفله.»

ضحك الشيطان، ببطء.

«إزاي؟»

نظر حسن إلى روان.

ثم قال:

– «مش بالقوة.»

اقترب خطوة إلى منتصف الغرفة.

– «أنا كنت خايف.»

صوته كان ثابتًا رغم ارتعاش داخله.

– «كنت عايز حاجة تحميني. تحسسني إني مش ضعيف.»

الهواء أصبح أثقل.

– «بس إنت ما حمتنيش.»

– «إنت كبرت خوفي.»

صمت.

العلامة بدأت تخفّ قليلًا.

قال الصوت، أقل ثقة هذه المرة:

«من غيري… ترجع زي زمان.»

ابتسم حسن ابتسامة صغيرة، مرهقة.

– «يمكن.»

– «بس ده اختياري.»

لحظة طويلة مرت.

ثم اهتزّت الجدران… لا بعنف، بل كأن البيت نفسه تنفّس.

«لسه.»

لم تكن هزيمة.

ولم تكن انتصارًا.

لكن لأول مرة…

الصوت لم يكن أعلى منه.

وفجأة، شعرت روان بشيء.

العلامة توقفت عن النبض.

الحرارة اختفت.

لم تختفِ العلامة…

لكنها لم تعد تتحرك.

سقط صمت عميق.

ثم جاء الهمس الأخير، بعيدًا هذه المرة:

«المعركة مش هنا.»

واختفى الصوت.

وقف الاثنان في منتصف البيت، يتنفسان ببطء.

قالت روان:

– «خلص؟»

هزّ رأسه.

– «لا.»

– «بس اتغيّر.»

خرجوا من البيت مع أول خيط فجر.

ولأول مرة منذ البداية…

كان الصمت… حياديًا.

لكن في أعماق حسن، كان يعرف.

الشيطان لم يُهزم.

هو فقط… ينتظر المرحلة الأخيرة.

مرّت ثلاثة أيام...

لا صوت، لا علامة تتحرك، لا أحلام مزعجة وهذا كان مخيفًا.

كانت روان تراقب يدها كل بضع دقائق العلامة موجودة… لكنها ساكنة، كأنها حبر جفّ، أما حسن…فكان ينتظر.

وفي الليلة الرابعة، جاءه الصوت لكن ليس همسًا ولا سخرية كان هادئًا… كأن القرار اتُّخذ.

- آخر مرة

فتح حسن عينيه في الظلام وقال:

- فين؟

أجاب:

- مش مكان...انت فاهم

جلس ببطء على حافة سريره وقال:

- نعم

ادرك حسن أن المواجهة الأخيرة لن تكون في البيت ولا عبر العلامة بل في النقطة التي بدأ منها كل شيء (خوفه)

في اليوم التالي، جلس حسن وحده، بدون روان، بدون شيخ وبدون محاولة حماية.

جلس في غرفته، وأطفأ الأنوار وقال:

- أنا جاهز

لم يتأخر الصوت في الرد:

- لو مشيت… العلامة تختفي

قال حسن:

- ولو ما مشيتش؟

أجابه:

- هتفضل طول عمرك تسمعني

ساد صمت طويل ثم قال حسن بهدوء لم يعرفه في نفسه من قبل:

- أنت عمرك ما كنت قوة، كنت هروب

اجابة:

- انت من غيري… ترجع تخاف

ابتسم ابتسامة صغيرة.

- ممكن... بس الخوف مش عيب، الهروب هو اللي كان عيب

لحظة ثقيلة مرت، شعر بالضغط في صدره يعود.

أقوى من قبل

ذكريات

سقوط

صوت دم

ليالٍ طويلة من ضعف

لكنه لم يقاومها

لم يهرب

تركها تمر

تنفّس

قال بهدوء:

- أنا غلطت لما فتحت الباب، بس دلوقتي بقفله

اتاه الرد سريعا:

- إزاي؟

أغمض عينيه وقال:

- بإني أقبل إني ضعيف أوقات، وإني مش محتاجك عشان أبقى أقوى

ساد الصمت للحظات...الصوت لم يرد فورًا....الضغط بدأ يقل

ثم…اتاه الرد:

- لو مشيت… هتنساني

فتح عينيه ببطء واجاب:

- لا؛ هفتكرك بس مش كقوة، كدرس

وهنا…حدث شيء بسيط.

اختفى الضغط و الهواء عاد طبيعيًا، والصوت… لم يعد موجودًا.

انتظر دقيقة...دقيقتين.....لا شيء

في نفس اللحظة، كانت روان في غرفتها.

شعرت بوخز خفيف في يدها، نظرت إلى العلامة.

كانت تتلاشى… ببطء. لم تختفي فجأة بل تبهت، كأنها ذكرى قديمة...تنفّست بعمق.

ولأول مرة منذ أسابيع…لم تشعر أن أحدًا ينظر إليها من الداخل.

بعد ساعات، جلسا معًا، مدّت يدها نحوه.

لم يبقَ سوى أثر خفيف جدًا.

قالت بصوت هادئ:

- خلص؟

نظر إليها طويلًا..ثم قال:

- مش هو اللي خلص أنا اللي بطّلت أهرب.

ابتسمت.

ولم يكن هناك صوت يقاطع اللحظة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعنة البيت المهجور

المؤلف Mai Kwyta
2026/02/01 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة