مَعقَل الصّفحات الضائعة

مَعقَل الصّفحات الضائعة

11 0

الزقاق الذي لم يكن هناك🍂

​كانت إلينورا دائماً تشعر بأنها تنتمي لزمن آخر. في مدينتها الصاخبة حيث يلهث الجميع خلف التكنولوجيا والسرعة، كانت هي تبحث عن "اللحظات الساكنة". في ذلك اليوم القائض من شهر أغسطس، حيث كانت الشمس تذيب أرصفة الشوارع، شعرت إلينورا بـ "نداء" غريب. لم يكن صوتاً، بل كان جذباً مغناطيسياً في صدرها دفعها للانحراف عن طريقها المعتاد والولوج إلى زقاق ضيق، لم تره رغم مرورها من أمامه لسنوات.

​كان الزقاق يبدو وكأنه شق في نسيج الواقع. بمجرد أن خطت فيه، اختفى ضجيج السيارات وتلاشى وهج الشمس الحارق، وحل محله هدوء مهيب ورائحة نفاذة تجمع بين عطر الورق العتيق وندى الصباح الذي لا يجف. في نهاية هذا الممر، وقف بناء حجري غامض، تغطيه نباتات اللبلاب وكأنها تحرسه من أعين المتطفلين. لم تكن هناك لافتة، فقط باب خشبي ضخم، في منتصفه مقبض برونزي على شكل "قلم ريشة" يحمل في طياته هيبة العصور.

​مدت إلينورا يدها، وبمجرد أن لامست المقبض، شعرت بكهرباء دافئة تسري في جسدها، وكأن البناء قد "تعرف" عليها. انفتح الباب بصرير هادئ يشبه التنهيدة، لتدخل إلينورا إلى عالم لم تكن تتخيل وجوده.

همس الرفوف ولقاء الناطق

​في الداخل، كانت المكتبة تمتد إلى ما لا نهاية. الرفوف لم تكن مجرد قطع خشبية، بل كانت تبدو وكأنها تنمو من الأرض صعوداً نحو سقف غارق في سديم من الضوء الكهرماني. لم تكن الكتب مرصوصة فحسب، بل كانت تبدو وكأنها تتنفس، وكل غلاف جلدي يحمل نبضاً خفيفاً.

​بينما كانت إلينورا تمشي مذهولة، استوقفها كتاب ضخم موضوع على منصة من العاج في قلب المكان. كان الكتاب مغلفاً بجلد أسود داكن، وعليه نقوش مذهبة تتحرك ببطء وكأنها كائنات حية. عندما اقتربت، انفتح الكتاب تلقائياً، وانبعث منه صوت وقور، عميق، وهادئ، يتردد صداه في أروقة المكان.

​"لقد تأخرتِ يا إلينورا... النجوم كانت تنتظر عودتكِ منذ زمن طويل."

​تجمدت إلينورا في مكانها. "من أنت؟ وكيف تعرف اسمي؟"

​"أنا الناطق، السجل الحي لهذا المعقل. أنا لست مجرد كتاب، بل أنا ذاكرة كل ما فُقد. وأنتِ لستِ مجرد زائرة، بل أنتِ الحارسة التي اختارتها الأقدار لترث بذرة النور."

​أوضح الناطق لإلينورا أن هذا المكان يُدعى "مَعقَل الصّفحات الضائعة"، وهو حصن كوني يحمي الحقائق المطلقة التي يحاول البشر نسيانها، أو يحاول الأشرار محوها.

​🌑 عهد النجوم المكسور

​"لكن، لماذا الآن؟" سألت إلينورا وهي تتحسس الصفحات الناعمة للناطق.

​تغير لون توهج الصفحات إلى الأزرق القاتم، وقال الناطق بنبرة حزينة: "لأن العهد قد نُقض. هناك من تجرأ على العبث بالحقائق الأزلية. آركس، الكاتب المظلم، كان يوماً حارساً مثلكِ، لكنه سقط في فخ الغرور. إنه يؤمن بأن الحقيقة مؤلمة، وأن البشر يفضلون الأكاذيب الجميلة. لذا، بدأ بصناعة أحبار الشر، وهي مادة سحرية تمحو الكلمات الحقيقية وتكتب مكانها أوهاماً مسمومة."

​أخبرها الناطق أن آركس يختبئ في "مكتبة الظل"، وبدأ بتسريب سمومه إلى العالم الخارجي، مما جعل الناس يفقدون ذاكرتهم الصادقة ويغرقون في الشك والجهل. وإذا لم يتم إيقافه، فإن النجوم -التي هي حارسة العهود الكونية- ستنطفئ واحداً تلو الآخر، وينهار العالم في ظلام أبدي.

​"مهمتكِ الأولى يا إلينورا هي إيجاد ريشة الحقيقة الذهبية. بدونها، لا يمكننا كتابة الواقع من جديد، وبدونها، سيظل آركس يمتلك القوة المطلقة."

​🗝️ الدليل الأول: مرآة الذاكرة الخلفية

​أشار الناطق نحو زاوية مظلمة في المعقل حيث تقف مرآة ضخمة ذات إطار فضي مشوّه. "اذهبي إلى هناك. الحقيقة لا تظهر دائماً في الأمام، أحياناً يجب أن تنظري إلى ما تركتِه خلفكِ لتري الطريق."

​وقفت إلينورا أمام المرآة. لم ترَ انعكاس وجهها، بل رأت مشهداً لمدينة غارقة في الضباب الأسود، ورأت نفسها وهي تمسك بشيء يلمع. على حافة إطار المرآة، بدأت تظهر حروف ذهبية تطفو في الهواء، تشكل لغزاً غامضاً:

​"حيث ينام المصباح ويسقط أول ظل، يكمن السر، فاحذري النزول إلى القاع البارد."

​نظرت إلينورا إلى الناطق بتساؤل، لكن الكتاب بدأ يغلق نفسه ببطء وهو يهمس: "الرحلة بدأت يا حارسة العهد... ابحثي عن الظل الذي لا تسببه الشمس."

​نهاية الفصل الأول.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

متاهه العهد المنسي

المؤلف Bassmalla Ahmed
2026/03/25 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة