مجرد افتتاحية للرواية

مجرد افتتاحية للرواية

21 0

في عالمٍ تتكاثر فيه المخاطر كما تتكاثر فيه الفتن، حينها يغدو البقاءُ على قيدِ الحياةِ سيفًا مُصلتًا على الأعناق،

لا يُمنَحُ فيه المرءُ هدنةً، ولا يُؤمَنُ فيه ليلٌ من غدرِ الصباح.

كل بطلٍ في هذا المضمار لا يُقاتل لينتصر فحسب، بل ليبقى حيًا حتى شروق اليوم التالي.

فهنا، لا يُقاسُ الرجالُ بما يملكون... بل بقدر ما يصمدون.

"فمن اعتادَ السيرَ في اللهيبِ لن يُرهبْهُ جمرة، ومن صادقَ العاصفةَ لن تُغرهُ سكينةٌ زائفة؛ ففي ميادينِ الخطرِ يُولَدُ الرجالُ مرتين: مرّةً من أمهاتهم، ومرّةً من شدائدهم التي تشكل قلوبهم حتى تصيرَ أصلبَ من الحديد، وأثبتَ في الشدائد، وأقوى على احتمالِ الخوف."

لكن حين يتحدى أحدهم المصير، ويكسر قوانين المستحيل، ويتجاوز حدود البشر...

فذاك لا يعودُ بطلًا عابرًا في حكاية،

ولا اسمًا يُنسى بانطفاءِ المعركة،

بل يصبحُ عهدًا للدهر،

وظلًّا للمجدِ إذا غابَ الجميع،

ويُحكى عنه:

"هذا الذي تحدّته الأيام العاتية فلم ينحني لها، وواجهته المصاعب ولم تُقهِرْه؛ صلبُهُ عزيمة، وروحهُ شعلةُ غضبٍ لا تنطفئ."

فلا يكون مجرد بطل... بل يظل راسخًا في الاذهان، ويصبح ذا أثر لا يُمحى.

--------------------

هذا العالم الذي أعيش فيه الآن، ليس سوى ساحة حربٍ مفتوحة.

تحالفات تُعقَد، وأخرى تنهار. أطرافٌ تتصارع، وكلٌّ منها يظن أنه الأقوى، والأجدر بالسيطرة.

لكنهم جميعًا يجهلون الحقيقة.

فأنا من سيشعل شرارة هذا العالم.

أنا من سيحرّك خيوطه من خلف الستار.

أنا العقل الذي أوقعهم في جنون المنافسة...

وأنا من سيسحقهم جميعًا.

__________________

على ضفاف نهرٍ هادئٍ ظاهريًّا، يوجد منزلٌ صغير عتيق، يتشبث بالأرض خوفًا من أن تبتلعه العاصفة.

كانت الرياح تعصف بجدرانه، تصفع نوافذه بعنف، وتطلق صفيرًا حادًّا يشبه نحيبًا مكتومًا.

انفتحت إحدى النوافذ قليلًا، وظهرت منها امرأة في أوائل الثلاثينيات.

شعرها الأسود المموج كان يتطاير مع الرياح، كلوحةٍ فنيةٍ .

فجأة، قفزت طفلة صغيرة على ظهرها وهي تضحك ببراءة.

كانت في السابعة من عمرها تقريبًا، بشعرٍ بني طويل امتزج مع شعر المرأة بفعل الريح، فبدتا كأنهما لوحة أخرى من الفن...

أغلقت المرأة النافذة بصعوبة.

قالت الطفلة بقلق:

- " عاصفة ؟"

ابتسمت المرأة ابتسامة خفيفة رغم التوتر في عينيها:

- "شكلها كده يا حبيبتي."

وفجأة، دخل صبي في الحادية عشرة من عمره تقريبًا، يحمل لعبة في يده، وعيناه تلمعان بالفخر.

صرخ بحماس:

- "لوووونا! صلّحتها! شوفتي بقى؟ قولتلك إني جامد!"

قفزت الطفلة من على ظهر المرأة وركضت نحوه بسعادة.

- "بجد؟ أخيرًااا! شكرًا اوي يا فهد!"

ضرب جبهتها بإصبعه وقال وهو يتظاهرٍ بالجدية:

- "أنا صلّحتها عشان كنتِ زعلانة بس، مش عشان حاجة تانية."

احتضنته وقبّلت خده:

- "بحبك يا بطلي."

احمرّ وجهه سريعًا ودفعها بخجل:

- "إيه يا بنتي! بطلي إيه بس... مش من شوية كنتِ بتقولي عليا شرير!"

ضحكت المرأة وهي تقترب منهما، ثم انحنت إلى مستواهما وضمتهما إلى صدرها، وقبّلت جبين كلٍ منهما.

قال فهد وهو يغمض عينيه:

- "بحبك يا أمي."

ردت لونا بسرعة:

- "وأنا بحبك أكتر يا خالتي!"

قطّب فهد حاجبيه:

- "هيييه! أكتر مني إزاي يعني؟ لأ، أقل بكتير جدا!"

أخرجت له لونا لسانها بعناد:

- "لأ، أكتر منك بمليون مرة!"

صرخ فهد متصنعًا الغضب:

- "ما تغيظينيش بقى!"

ضحكت الأم:

- "هششش يا مجانين، كفاية شقاوة و-"

يقطع حديثهم صوت باب المنزل وهو يُفتح ببطء مرعب.

صرير المفصلات كان طويلًا...

تجمّد الطفلان.

نظرا إلى بعضهما دون كلمة.

الخوف لم يكن جديدًا عليهما...

قالت الأم بصوت منخفض جدًا:

- "استخبوا... بسرعة."

لم يركضا.

لم يتكلما.

اختبآ تحت السرير كما لو كانا يؤديان طقسًا اعتادا عليه.

دخل رجل في الاربعين من عمره.

و رائحة الخمر تسبقه.

رائحة حادة، خانقة...

أغلق الباب خلفه .

وقف في منتصف الغرفة... ينظر حوله.

صوته خرج هادئًا أكثر من اللازم وهو سكران:

- "أنا سامع نفسكم."

كتمت لونا انفاسها.

من تحت السرير، كانا يريا قدميه فقط.

حذاؤه متّسخ ومبلل.

قالت الأم بثبات مصطنع:

- "هما مش هنا."

ضحك ضحكة متقطعة.

- "إنتي لسه فاكرة إني بصدقك؟"

انحنى قليلًا... كأنه يشم الهواء.

- "ريحة الخوف ماليّة المكان."

تقلّص جسد لونا.

ووضعت يدها على فمها حتى لا يخرج صوت بكائها.

أمسك فهد يدها بقوة... أقوى من المعتاد.

لم يكن يمسكها ليطمئنها فقط بل لأنه كان يرتجف.

اقترب الرجل من السرير بخطوات بطيئه متعمدة، وهو مستمتع.

تحركت الأم ووقفت أمامه.

- "قلتلك هما مش هنا."

نظر إليها طويلًا.

طويلًا جدًا.

حتى بدأت تشعر أن نظراته تخترق جلدها، وتسارعت انفاسها.

فجأة أمسك معصمها و قرّبه من وجهه.

وهمس:

- "امممم امال قلبك بيدق بسرعة... ليه؟"

حاولت أن تسحب يدها.

- "سيبني."

شدّها بقوة هذه المرة، حتى سمعت فرقعة خفيفة في مفصلها.

ثم رفع الزجاجة وتجرع اخر ما فيها وتركها تسقط على الارض فتدحرجت تحت السرير، واصطدمت بخشبه.

تركها و ركع على ركبتيه.

أصبح وجهه مقابلًا للظلام تحت السرير.

ثم قال بهدوء مخيف:

- "لو خرجتوا دلوقتي... ممكن أكون رحيم معاكوا."

سقطت دموع لونا على الأرض.

همس فهد لها:

- "ما تخافيش."

أدخل يده فجأة تحت السرير، فصرخت لونا واندفعت للخلف، فاصطدم رأسها بالسرير.

ضحك بصوت عالٍ.

ثم سحب فهد من قدمه بعنف.

انزلق جسده على الأرض، لكنه حاول التشبث بخشب السرير، لكن ذلك الرجل كان اقوى منه وسحبه بعنف حتى ارغمه على الخروج.

صرخت الأم:

- "سيبه في حاله! حرام عليك!"

وقف فهد أمام أمه فور أن أفلت قدمه.

كان يتنفس بسرعة.

الدم بدأ يسيل من خدشٍ صغير أصابه أثناء سحبه... لكنه لم يهتم.

اخرج الرجل خنجر من سترته وتأمله بابتسامة خبيثة.

مرر إصبعه على نصله ببطء...

ثم نظر إلى فهد.

- "إنت فاكر نفسك راجل؟ متنساش نفسك يا كلب السكك انت"

فهد بصوت مهزوز وهو يحاول تمالك دموعه :

- "ابعد عننا."

وهذا ما أغضب الرجل أكثر وجعله يرفع عليهما الخنجر.

أغمضت الأم عينيها وهي تصرخ وتضم فهد...

ثم يعم الصمت للحظات فتفتح عينيها.

لتجد فهد ممسك بيد الرجل بعنف لكنه قد اثار جرح عميق تحت عينية اليسرى والدم يغرق وجهه وملابسه، وهو ينظر إلى الرجل بحقد ويكز على اسنانه.

قال بصوت منخفض جدًا:

- "مش هخاف منك تاني ابدا وابعد عننا بقى."

ارتبك الرجل للحظة، لحظة واحدة فقط.

ثم دفعه بقوة ناحية الحائط.

ارتطم فهد وسقط على ركبة واحدة، الدنيا تدور حوله، وصوت نبضه يعلو داخل رأسه كطبول حرب.

ركضت الأم نحوه واحتضنته وهي تبكي بهيستيريا.

- "اهرب يا فهد... عشان خاطري اهرب."

قال بصوت متحشرج:

- "أنا وعدتك إني هحميكي وانا بوفي بوعدي ليكي اهو متخافيش انا معاكي."

في تلك اللحظة خرجت منها شهقة قوية.

نظرت للأسفل بارتباك...

رأت بحر من الدم يلطخ الأرض.

رفعت عينيها إلى صدر فهد...

ثم إلى وجهه.

برودة قاتلة تسللت إلى ظهرها، شعرت بها كأنها ثلج يذوب ببطء في عروقها.

الخنجر مغروث في ظهرها.

حركت عينيها ببطء، محاولةً تسجيل كل تفاصيل وجه فهد، كأنها تريد حفظ وجهه للمرة الاخيرة.

انهارت على الأرض فوقه، بلا حول ولا قوة، فاستقر جسد فهد تحتها بين أحضانها، ممتزجًا بدمائها المتناثرة.

اشتدت العاصفة في الخارج ... لكن داخل الغرفة كان هناك شيء أكثر رعبًا من كل تلك الأصوات:

الصمت الذي خيم على المكان بشكل بشع.

وفهد لم يصرخ ولم يتحرك، فقط عيونه متسعه من هول الصدمة ودموعه تسقط كالشالال دون وعي منه

وهو يحدق في الرجل.

لكن نظرة عينيه هذه المرة لم تكن نظرة عيون طفل فقد أمه...

بل كانت عيون شيء وُلد للتو، شيء لم يعد يعرف الرحمة، شيء مظلم.

/يتبع/

تفاعلوا يا حلوين واعطوني كومنتات ايجابية لحتى اكمل بقيه الرواية

وشكرا [احبكم] 😘💕🧜🏻‍♀️ (✷‿✷)

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فُــآيَ مًيَــلَآغُـوٌرسِ

المؤلف Luna
2026/03/17 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة