الجريمة

الجريمة

13 0

استيقظ إلياس صباحًا وهو لا يعرف كيف نام أو ماذا حدث الليلة الماضية. رأسه ثقيل، عيونه حائرة، وكل شيء حوله يبدو عاديًا، كما لو أن الليلة لم تحمل أي شيء غريب. لكنه سرعان ما لاحظ شيئًا لم ينتبه له من قبل.

زاوية من الأرضية قرب الجدار كانت أبرد بشكل غريب، كأنها تمتص حرارة الغرفة ولا تسمح لأي دفء بالبقاء. اقترب منها ببطء، يراقب البلاط بعينين متسعتين. هناك فرق طفيف في اللون، كأنه استُبدل بعجلة أو قطعة مختلفة عن باقي الأرضية، شيء لم يره من قبل رغم أنه مشى فوقها مرات عديدة منذ انتقاله للشقة.

مد إصبعه بحذر، وطرق على البلاط. صدر صوت أجوف، عميق ومخيف، كأن الأرضية تخفي شيئًا تحتها. تراجع خطوة إلى الوراء، قلبه يرفرف بشدة في صدره، وعيناه تتفحصان الزوايا والظلال حوله.

ظل واقفًا للحظة، مستمعًا لكل حركة صوت الرياح من الخارج، صرير الباب، همسات المدينة البعيدة… ثم عاد الصوت الغامض في ذهنه، تلك الهمسة الليلية باسمه. لم يكن مجرد حلم بعد الآن، شعوره بأن هناك شيء حي خلف البلاط بدأ يزداد.

اقترب مرة أخرى، لكنه لم يجرؤ على لمس البلاط ثانية. شيئًا داخله، شعور قديم بالتحذير، قال له

تراجع… لا تقترب أكثر.

جلس على حافة سريره، يتنفس بصعوبة، يراقب الأرضية الباردة كأنها تنتمي لعالم آخر، عالم غامض لا يمكن التنبؤ بما يحمله.

قرر إلياس هذه المرة ألا يذهب إلى العمل. القلب يرفرف في صدره منذ الليلة الأولى، والفضول والخوف اجتمعا ليجعلاه مستعدًا لمواجهة ما يحدث. بقي مستيقظًا طوال الليل، عيناه تحدقان في السقف كما لو كان السقف نفسه يخفي أسرارًا عن العالم.

الليلة الثالثة، ولم ينتظر حتى بعد منتصف الليل… لم يكن عليه الانتظار. كانت الخطوات هناك بالفعل، تأتي من العدم وتختفي في الظلال.

صوت ركض سريع يملأ الشقة، يتنقل بين الجدران وكأنه يبحث عنه. ضحكة قصيرة مكتومة تتخلل صمت الغرفة، خالية من أي معنى، لكنها مليئة بالتحدي.

ثم شيء يُسحب على الأرض، صوت جرّ ثقيل، متقطع… يتوقف فجأة، ثم يعود مرة أخرى، يردد صدى الرعب في أذن إلياس. لم يجرؤ على التحرك، جلس على طرف السرير، يلتصق بجدار الغرفة كطفل يحتمي من عالم لا يفهمه.

عيناه معلقتان بالسقف، كل شيء حوله يتحرك بطريقة غير مفهومة. الهواء البارد من الزاوية المظلمة للشقة يلتف حول قدميه، وكل الأصوات تكاد تخنق الصمت الغريب.

مع كل دقيقة تمر، كان قلبه يرفرف أسرع، يرقب الظلال كما لو كانت تتحرك بمقصد، وكأن شيئًا ما يراقبه عن كثب، يختبر رد فعله، يختبر حدوده.

الفجر اقترب أخيرًا، والمدينة بدأت تصدر أصواتها المعتادة من بعيد، لكن إلياس لم يشعر بالراحة بعد. ظل واقفًا على السرير، جسده متجمد، ووعيه حاد، مدركًا أن هذه الليلة ليست مثل أي ليلة أخرى… وأن شيئًا غريبًا أصبح يرافقه في حياته اليومية.

ارتدى إلياس ملابسه بهدوء، يحاول أن يسيطر على توتره الداخلي. خرج من الشقة، والهواء البارد للفجر يلامس وجهه، يحاول أن يبدد شعور الليل الطويل والثقيل. قرر الذهاب للمسجد لأداء صلاة الفجر في جماعة، كنوع من محاولة الهروب من أفكاره المخيفة، أو ربما للتمسك بشيء مألوف وآمن.

بينما كان ينزل الدرج، صادف جارًا مسنًا يجلس على الدرج قليلاً، يحمل عصاه بيد ويبتسم ابتسامة متعبة، كأنه يحمل بين خطوط وجهه آلاف القصص التي لا يعرفها أحد.

صباح الخير يا ولدي، كيف حالك اليوم؟

سأل المسن، صوته خافت لكنه دافئ، وكأن الزمن نفسه ينحني لكلماته.

ابتسم إلياس بصعوبة، يحاول أن يخفي ارتجافه الداخلي

صباح الخير… بخير، الحمد لله.

ثم تذكر أنه بحاجة لمعرفة شيء، وكأن فضوله دفعه لتجاوز رهبة الصمت

منذ متى تسكن هنا؟

ابتسم المسن ببطء، كأنه يعيد ذكريات قديمة مليئة بالألوان الباهتة والظلال الطويلة

منذ زمن طويل… أيام لم تعد هناك الكثير من الناس هنا. كل واحد يأتي ويذهب، لكن هذا المبنى… يحفظ أسراره.

تردد إلياس قليلاً، ثم سأل بحذر، متجنبًا الإفصاح عن خوفه مباشرة

أسمع أحيانًا أصواتًا… من الأعلى… رغم أنه لا توجد شقة هناك.

سكت الرجل طويلاً، يحدق في خطواته على الدرج قبل أن يرفع رأسه ويجيب بهدوء، كل كلمة منه كأنها وزنها يثقل الجو حولهما

كان سبعة طوابق.

تجمد إلياس في مكانه، قلبه يتسارع. كل تفاصيل الليالي الماضية، كل الصوت الغامض، كل خطوة، بدأت تتضح في ذهنه فجأة، وكأن صورة ضبابية تتحول إلى لوحة مرعبة.

واصل المسن حديثه، صوته منخفض وبارد

الطابق السابع أُزيل قبل سنوات… بعد اختفاء عائلة كاملة. أب… أم… وطفلان. سمعنا شجارًا ليلة كاملة، صرخات متقطعة… وفي الصباح… لم يكن هناك أحد. لا حقائب… لا شيء.

صمت للحظة، ثم أضاف، وكأن الكلمات تخرج بصعوبة من الحلق المليء بالذكريات

أُغلق الملف رسميًا. ثم أزالوا الطابق بحجة مشاكل إنشائية. لكن من يعيش هنا… يعلم أن الغرفة رقم سبعة لم تُنسى.

حدّق في إلياس بعينين ثاقبتين، كأنها ترى كل خبايا قلبه

أنت تسكن تحت الشقة التي كان بها الحادث… كل خطوة تخطوها هنا تحمل صدى الليلة الأخيرة.

شعر إلياس بالدم يتجمد في عروقه، والهواء البارد للفجر أصبح ثقيلًا على صدره. كل أصوات الليالي الماضية، كل خطوات، كل الهمسات… فجأة اكتسبت معنى مرعبًا لا يمكن تجاهله.

ثم، وكأن المسن أراد أن يترك له المزيد من الرعب بصمت أعمق من أي كلمة أدار وجهه ببطء، حدّق إلى الأعلى، وأومأ بعصاه نحو السقف المظلم، وكأن المكان نفسه يراقبه. إلياس شعر بوخزة باردة في عنقه، وكأن كل الجدران الصامتة تخبئ شيئًا يراقبه… شيئًا يعرف كل شيء.

عاد إلياس إلى الشقة بعد صلاة الفجر وهو يسير كمن يمشي داخل حلم ثقيل. نظراته معلّقة بالفراغ أمامه، لكنه لم يكن يرى الشارع ولا السيارات ولا المارة. كان يرى طابقًا غير موجود… عائلة اختفت… وسقفًا يسمع منه ركضًا كل ليلة.

صعد الدرج ببطء هذه المرة، كأنه يخشى أن يلمس الدرجة الخطأ. حين دخل شقته، وقف في منتصف الغرفة وحدّق طويلًا في السقف. لم يكن مجرد إسمنت أبيض بعد الآن؛ كان حدًّا فاصلًا بينه وبين شيء لا يفهمه.

سبعة طوابق…

تمتم لنفسه الكلمات لم تفارقه..

حين حان وقت العمل، ارتدى بدلته بحركات آلية. لم ينظر في المرآة إلا سريعًا، وكأن عينيه تخشيان أن تريا شيئًا مختلفًا. أغلق الباب خلفه وغادر مسرعًا.

في المكتب، جلس أمام شاشة الكمبيوتر، لكن الأرقام لم تعد أرقامًا. كانت تتحول في ذهنه إلى درجات سلالم، إلى طوابق مفقودة، إلى خطوات ثقيلة… خفيفة… ثقيلة… خفيفة.

إلياس؟

لم يرفع رأسه.

إلياس!

جاء الصوت أقرب هذه المرة.

انتبه أخيرًا، فوجد زميله ينظر إليه باستغراب.

آسف… كنت أفكر في شيء.

مرّ المدير خلفه، توقف لحظة، ثم قال بنبرة مراقِبة

أنت شارد منذ الصباح. تأكد أن هذا لن يؤثر على عملك.

أومأ إلياس دون أن يرد. لم يكن يسمع الكلمات بقدر ما كان يسمع في رأسه صدى حديث الرجل المسن

أب… أم… طفلان… شجار ليلة كاملة… لا أحد.

انتهى الدوام أخيرًا، وكأن اليوم استمر أسبوعًا كاملًا. لم يعد إلى المنزل مباشرة. قدماه قادته إلى محل أدوات في شارع جانبي.

دخل، ورائحة الحديد والزيوت تعبئ المكان. خلف الطاولة وقف البائع، رجل ممتلئ يرفع نظارته إلى أعلى أنفه.

أحتاج مطرقة.

قال إلياس بصوت منخفض.

كبيرة أم عادية؟

تردد لحظة، ثم أجاب

متوسطة… قوية.

نظر إليه البائع بشيء من الفضول.

عمل صيانة؟

ابتسم إلياس ابتسامة قصيرة، لم تصل إلى عينيه.

شيء كهذا.

خرج وهو يمسك بالكيس بإحكام، كأنه يحمل قرارًا لا رجعة فيه.

عند مدخل المبنى، توقف لحظة. نظر إلى الأعلى، إلى حيث كان الطابق السابع ذات يوم. السماء بدت عادية… بريئة أكثر مما ينبغي.

صعد الدرج بخطوات سريعة هذه المرة. دخل الشقة وأغلق الباب بالمفتاح، ثم أدار القفل مرتين.

وضع الكيس على الأرض.

أخرج المطرقة.

اتجه ببطء نحو الزاوية الباردة قرب الجدار. البلاط المختلف في اللون بدا وكأنه ينتظره.

ركع على ركبتيه.

مد يده ولمس السطح البارد.

إن كان هناك شيء…

همس لنفسه، وصوته بالكاد مسموع،

فسأعرفه الليلة.

لم يجلس إلياس على السرير ينتظر.

وقف في منتصف الغرفة، وقد أطفأ الأنوار كلها إلا مصباحًا صغيرًا قرب الجدار. الظلال تمددت على السقف كأنها أطراف شيء حي.

منتصف الليل.

لم يكد عقرب الساعة يستقر حتى بدأت الخطوات.

لكنها لم تأتِ من فوقه.

تجمّد.

الصوت هذه المرة كان أقرب… أعمق يخرج من تحت قدميه مباشرة خطوة احتكاك جرّ ثقيل… يتوقف… يعود..

تراجع ببطء، وحرّك قدمه بحذر فوق الزاوية الباردة. كان الإحساس واضحًا الآن؛ الأرضية لا تبدو صلبة كما ظنّ.

طرق الأرض بإصبعه أولًا الصوت الأجوف كان أوضح من أي وقت مضى. لم يعد شكًا..

ابتلع ريقه.

من هناك؟

قالها بصوت مرتفع هذه المرة، كأنه يتحدّى الفراغ.

الرد لم يكن كلمة، بل طرق خافت من الأسفل، ثم سحب بطيء. انحنى بسرعة، فتح الدرج، وأخرج المطرقة التي اشتراها بحجة تعليق لوحة لم يعلقها قط. وقف فوق البلاط المختلف اللون، رفع يده، وضرب ضربة واحدة. الصوت دوّى في الشقة كلها، لا شيء. ضربة أخرى، أقوى، فتشقّق البلاط. خط رفيع امتد مثل شق في جلد قديم. ثم جاءت الضربة الثالثة، فانكسر البلاط. تراجع إلياس خطوة، أنفاسه متقطعة، وقلبه يكاد يخرج من صدره. تحت البلاط لم يكن إسمنتًا، كان فراغًا.

فتحة مستطيلة ضيقة، بالكاد تكفي لشخص نحيل، تنبعث منها رائحة تراب قديم وهواء بارد كأنه لم يُحرَّك منذ سنوات طويلة، هواء ميت شعر به يلامس وجهه. ثم… سمع حركة خفيفة من الداخل، كأن أحدهم يغيّر وضعيته في الظلام. انحنى ببطء، وأخرج هاتفه، أشعل الكشاف، وسلّط الضوء إلى الداخل. ظهر سلم حديدي صدئ ينزل إلى الأسفل، إلى عمق لا يظهر له نهاية. ابتعد فجأة حين سمع همسة واضحة من داخل الفتحة

تأخرت….

ارتعش جسده كله. الصوت لم يكن بعيدًا، كان كأنه يصعد السلم نحوه ببطء. ثم… ضحكة قصيرة مكتومة، نفس الضحكة. خطوة من الأسفل، هذه المرة لم تكن في خياله. نزل بحذر، وقدماه لامستا أول درجة من السلم الحديدي، فصدر صوت صرير طويل كأنه احتجاج قديم. أنزل جسده ببطء، ممسكًا بالهاتف بأسنان متيبّسة، ضوءه الأبيض يهتز مع ارتعاش يده.

كلما نزل، ازداد الهواء برودة وأثقل. وحين وطأت قدماه الأرض أخيرًا، انكشف أمامه فراغ واسع، ليس قبوًا عاديًا، بل بقايا هيكل طابق مدفون أعمدة إسمنتية مقطوعة، أسلاك متدلية، وأرضية غير مكتملة كأن المكان أُغلق على عجل.

سلّط الضوء حوله، ودقات قلبه تضرب أذنيه بقوة. هناك جدار واحد ما زال قائمًا، كأنه نجا وحده من عملية الهدم. اقترب، وخلف الجدار ظهر إسمنت أحدث لونًا من بقية السطح، أملس وأنظف، متعمّد. الرائحة هناك كانت ثقيلة، ليست عفنًا فقط، بل شيء أقدم وأعمق، عالق في الهواء كما لو أنه لا يريد المغادرة. تردد، ثم رفع المطرقة وضرب ضربة. تفتت جزء صغير من الإسمنت، لا شيء. ضربة ثانية، تشقّق السطح.

تراجع خطوة وهو يسمع ارتطام شيء بالأرض. سلّط الضوء، فرأى قطعة لعبة بلاستيكية صغيرة، حمراء اللون، عجلة سيارة طفل. تجمّد، وأصبحت أنفاسه أقصر. ضرب مرة أخرى، فانكسر جزء أكبر، وسقط شيء آخر، ليس بلاستيكًا هذه المرة، بل عظمة صغيرة رفيعة، ثم قطعة قماش متحللة تلتصق بها بقايا خيوط زهرية باهتة. ثم… المزيد. أشياء لا يخطئها أحد.سقطت قطعة أخرى، ثم أخرى، ومع كل ضربة كان الجدار يتخلى عن سره ببطء ركع إلياس على ركبتيه، يحدّق في الأرض أمامه، ويداه ترتجفان

يا الله…

خرجت همسة مشروخة من حلقه. لم يكن هناك شك الآن، العائلة لم تختفِ، لم تغادر… لقد دُفنت. فجأة، صدر صوت احتكاك خلفه، فتوقفت أنفاسه. الهواء البارد لم يعد ساكنًا، كان يتحرك ببطء، كأن شيئًا ما قد تحرّر. ثم… خطوة، ليست من فوق، ولا من السلم، بل من خلفه مباشرة، داخل الفراغ نفسه. شعر بنفَس بارد يلامس عنقه، وسمع همسة أقرب من أي وقت مضى

أخيرًا…

الهواء لم يعد مجرد هواء صار صوتًا، صار كلمات. إلياس لم يتحرك، لم يجرؤ. الضوء في يده يرتجف فوق العظام المكشوفة، فوق بقايا القماش، وفوق اللعبة الصغيرة. ثم بدأت الهمسات تتكاثر حوله، ليست همسة واحدة بعد الآن، بل عدة أصوات متداخلة ومتقطعة، كأنها تأتي من الجدار نفسه

لم نختفِ…

لم نغادر…

لم يبحثوا….

أغلق عينيه لحظة، لكن الأصوات لم تتوقف، بل أصبحت أوضح. صوت رجل متعب مشروخ

كان مريضًا…

وصوت آخر أنثوي مرتجف

طلبت المساعدة…

ثم كلمات متفرقة تتجمع كقصة تُروى قسرًا داخل رأسه الأب كان يعاني اضطرابًا نفسيًا حادًا، شكاوى متكررة من الصراخ، بلاغات لم تُتابع، وطرق على الأبواب لم يُفتح لها.

تسارعت أنفاس إلياس. الصور لم تكن مجرد رؤى يراها بعينه، بل إحساس يقتحم وعيه ليلة كاملة من الشجار، أصوات ارتطام، بكاء طفلين، ثم صمت

لم نختفِ…

عاد الصوت النسائي، أقرب وأكثر وضوحًا

دُفنّا.

فتح إلياس عينيه فجأة، والجدار أمامه بدا وكأنه يتنفس، الرطوبة تتحرك عليه بخطوط داكنة كأنها آثار أصابع

والمقاول…

جاء صوت ثالث، أجش وبارد

لم يُرد فضيحة، لم يُرد إغلاق المبنى، لم يُرد خسارة المال.

تسارعت الهمسات، متشابكة

اختار الحل الأسهل…

طمس كل شيء…

جدار… فوق جدار…

وسقف… فوق أجسادنا…

شعر إلياس بأن الأرض تحت قدميه لم تعد ثابتة. هو لم يكتشف المكان فقط، بل المكان كشفه. فجأة، تبدلت النبرة، لم تعد مجرد رواية مأساة، بل أصبحت شيئًا آخر، أبطأ وأثقل

أنت تسمعنا…

أنت فتحت الباب…

أنت نزلت…

صعدت البرودة من قدميه حتى صدره، ثم جاءت الهمسة الأقرب خلف أذنه مباشرة

الآن… لن تبقى وحدك.

خفت المصباح في هاتفه فجأة، ثم انطفأ، والظلام لم يكن فارغًا. ظلّ الظلام يطبق عليه لثوانٍ طويلة، قبل أن يعود ضوء هاتفه فجأة إلى العمل، كأن المكان سمح له بالانسحاب. لم يركض، ولم يصرخ.

صعد السلم الحديدي ببطء، وكل درجة تصدر صريرًا يشبه أنينًا خافتًا. خرج من الفتحة، وسحب أنفاسًا عميقة كأنه يصعد من قاع بحر مظلم. لم يغلق المدخل، ولم يحاول إصلاح البلاط. جلس على الأرض ويداه ترتجفان، ثم التقط هاتفه واتصل بالشرطة. صوته كان متماسكًا على نحو غريب، كأنه يروي قصة لا تخصه

هناك… بقايا بشرية تحت شقتي. أعتقد أن الأمر مرتبط بحادثة قديمة.

سأله الضابط عن العنوان، عن التفاصيل، وعن سبب حفره في الأرض، فأجاب بإيجاز ولم يذكر الهمسات. خلال ساعة، كان المبنى محاطًا بأضواء سيارات الشرطة، والجيران يتجمّعون في الأسفل، همساتهم تعلو أكثر من أي وقت مضى. الجار المسن وقف عند المدخل، وعيناه التقتا بعيني إلياس للحظة طويلة

وجدتها… أليس كذلك؟

قالها بهدوء

أومأ إلياس فقط. نزلت الفرق الفنية إلى الفراغ المدفون، صور، قياسات، أكياس أدلة، وجوه جادة لا تعرف الخرافة، بل تعرف الوقائع. أُعيد فتح الملف. الاختفاء الذي سُجّل قبل سنوات كـغموض غير محسوم عاد إلى الواجهة، وتم توثيق بقايا الجثامين، التي تطابقت مع بيانات العائلة.

توسّع التحقيق، واستُدعي المقاول المسؤول عن إزالة الطابق، وكُشفت مستندات قديمة تشير إلى تعديلات إنشائية طارئة. شهادات سكان سابقين عن شجارات متكررة وبلاغات لم تُتابع أظهرت الحقيقة أخيرًا القصة التي طُمست خلف جدار خرجت إلى الضوء.

وُثقت الجريمة رسميًا، وحوسب المسؤولون عن الإهمال والتستر. لم يعد الأمر همسات في الظلام، بل صار أوراقًا مختومة، تقارير، ومحاضر رسمية. لكن في الليلة التي تلت إغلاق الشقة بالشمع الأحمر، عاد إلياس ليأخذ بعض أغراضه. الغرفة بدت أصغر، أكثر فراغًا.

وقف للحظة في المنتصف، حيث كان يقف كل ليلة، ورفع عينيه إلى السقف. لم تكن هناك خطوات، ولا ركض، ولا ضحكة مكتومة، فقط صمت هادئ، وللمرة الأولى منذ انتقاله إلى هنا، لم يكن الصمت مخيفًا، بل كان… مطمئنًا.

آخر ليلة له في الشقة. الحقيبة كانت جاهزة قرب الباب، الرفوف خالية، والجدران عارية إلا من آثار مسامير صغيرة حيث كان ينوي تعليق لوحة لم يعلّقها قط. الغرفة بدت أوسع وأبرد قليلًا. جلس إلياس على طرف السرير كما اعتاد في الليالي السابقة، لكن هذه المرة لم يكن ينتظر رعبًا، كان ينتظر نهاية.

منتصف الليل، نظر إلى الساعة، واستمع. لا خطوات، لا ركض، لا جرّ ثقيل عبر السقف أو الأرض، لا ضحكة مكتومة، فقط صمت، صمت عميق ونظيف، كأنه مغسول من كل ما علق به لسنوات. تنفّس ببطء، شعر بأن الهواء لم يعد ثقيلاً، لم يعد يحمل ذلك الثقل العالق، تلك الرطوبة التي تشبه الأسرار المدفونة. كان المكان أخيرًا… فارغًا بحق. أغمض عينيه لحظة

انتهى.

همس لنفسه مد يده نحو المفتاح الصغير بجانب السرير

أطفأ المصباح، وبينما كان الظلام يكتمل تدريجيًا في الغرفة وقبل أن يستقر تمامًا، سمعها خطوة واحدة، خفيفة جدًا، ليست فوقه، ليست تحته، بعيدة، كأنها تتحرك مبتعدة في ممر طويل. ثم همسة، ليست خلف أذنه هذه المرة، ليست ملتصقة بأنفاسه، بعيدة، رقيقة، مطمئنة

شكرًا.

فتح عينيه في الظلام ولم يشعر بالخوف، لم تكن هناك برودة مفاجئة، ولم تكن هناك حركة في الهواء، فقط سكون، سكون كامل. استلقى على السرير دون أن يشعل الضوء مجددًا، ولأول مرة منذ انتقاله إلى تلك الشقة في جدة، نام نومًا عميقًا بلا أصوات. وفي الصباح غادر، وأُغلق الباب خلفه، وعاد كل شيء ساكنًا، إلى الأبد..

*****************************************

تمت

Basmalla Mohamed Fouad

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

في الطابق السابع

المؤلف Basmalla Mohamed
2026/02/25 مكتملة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة