في شقتها الصغيرة بأحد أحياء القاهرة الشعبية، حيث تتزاحم الذكريات على جدران غرفتها الضيقة الباهتة، جلست ليلى على طرف سريرها الصغير. دموعها تنساب بصمت على وجنتيها، بينما عيناها معلقتان على السقف المتشقق، تلك الشقوق التي حفظتها عن ظهر قلب من كثرة ما حدقت فيها.
سبع سنوات... سبع سنوات كاملة وهي مع خطيبها "شريف". سبع سنوات من الوعود المؤجلة، والابتسامات المزيفة، ونظراته التي تُشعرها دائماً بأنها أقل.
"محاسبة في شركة محترمة" - هكذا كان يقدمها لأصدقائه، بنبرة تحمل فخراً مزيفاً يخفي خلفه سخرية واستصغاراً واضحاً.
- ليلى... ليلى يا بنتي.
صوت أمها الهادئ اخترق حبل أفكارها. لم تكن قد لاحظت دخولها. متى دخلت؟
التفتت ليلى، ومسحت دموعها بسرعة محاولةً إخفاء ضعفها المعتاد.
- أيوة يا ماما.
وقفت والدتها عند الباب تنظر إليها تلك النظرة التي تعرفها جيداً - نظرة الأم التي ترى كل شيء لكنها لا تقول شيئاً. تجاعيد وجهها الناعمة تحكي قصة سنوات من التضحية الصامتة، ويداها المتعبتان متشابكتان أمامها.
قالت بهدوء:
- خطيبك مستنيكي تحت.
- تمام، جاية دلوقتي.
أومأت والدتها برأسها ببطء، لكنها لم تتحرك من مكانها. ظلت تنظر لابنتها بذلك الحزن الخفي الذي لطالما حملته في عينيها - حزنٌ لم تفهمه ليلى أبداً.
ارتدت ليلى بلوزتها البيج وبنطالها الأسود. نزلت السلالم بخطوات ثقيلة، كل خطوة تخطوها كانت تبدو وكأنها تقودها إلى حياة ليست حياتها.
كان يقف أمام سيارته السوداء الفخمة، يفحص هاتفه بلا هدف. رفع رأسه حين سمع خطواتها، فظهرت على وجهه تلك الابتسامة السمجة التي تعودتها.
- أخيراً! - قالها بنبرة تحمل استنكاراً مغلفاً بالمزاح - افتكرتك ناسية ميعادنا.
حاولت أن ترسم ابتسامة على شفتيها، فخرجت باهتة مكسورة.
- آسفة، كنت نايمة.
- ماشي.
فتح لها باب السيارة بحركة مبالغ فيها.
- المهم النهارده عازمك على غدا... غدا عمرك ما تتخيليه.
شيء ما في نبرته جعلها تتوتر - ذلك التلميح الخفي لـ"مستواها" الذي يختلف عن مستواه. ذلك التفاخر المُقنّع بأنه "بيطلّعها على عالم" لا تستحقه.
جلست في السيارة بصمت، بينما راح يتحدث عن المطعم الجديد الذي سيأخذها إليه - ذلك المطعم الشهير الذي "كل الناس الراقية بتروحه".
نظرت من النافذة إلى شوارع القاهرة المزدحمة، حيّها المتواضع يبتعد شيئاً فشيئاً... وتساءلت للمرة الألف: هل هذه فعلاً الحياة التي تريدها؟
------------------------------
الإسكندرية
بعيداً عن صخب القاهرة، في فيلا فاخرة تطل على البحر بالإسكندرية، كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر الستائر الحريرية البيضاء لتداعب وجه فتاة نائمة على سرير ضخم.
فتحت "ليا" عينيها ببطء، مدت يدها لهاتفها على المنضدة الرخامية بجانبها. عيناها الواسعتان - عيون تحمل جمالاً آسراً وبروداً في آنٍ واحد.
7:32 صباحاً
رسالة واحدة من كريم: "صباح الخير يا جميلة"
حدقت لثوانٍ في الرسالة، ثم ألقت الهاتف بجانبها بإهمال دون رد. كانت تعرف أنها ستراه على أي حال.
نهضت من سريرها بخفة، وقفت أمام المرآة الكبيرة المطلة على البحر. فيلتهم - أو بالأحرى فيلا أبيها - كانت واحدة من أفخم الفلل في الإسكندرية.
نظرت لانعكاسها: شعرها الأسود المفرود بعناية، ملامحها الحادة، وتلك النظرة الواثقة التي تعودت أن تضعها كل صباح كما ترتدي ملابسها.
"ليا الجميلة، ليا القوية، ليا اللي محدش يقدر يكسرها."
همست بهذا الكلام لنفسها بسخرية خفيفة، ثم اتجهت للحمام.
-----
بعد ساعة، نزلت السلالم الرخامية الواسعة مرتديةً فستاناً أبيض أنيق يُبرز ذوقها الراقي. شعرها مرفوع بإتقان، ونظارتها الشمسية تستقر على رأسها كتاج.
وجدت عمتها "سوزان" جالسة في حديقة الفيلا تحتسي قهوتها الصباحية. امرأة في الخمسينات من عمرها، أنيقة ودافئة، تحمل ما يكفي من الحنان لملء فراغ أم غائبة.
- صباح الخير يا حبيبتي - قالتها عمتها بابتسامة جميلة.
جلست ليا بجانبها وقبّلت خدها بحنان.
- صباح النور يا عمتو.
- فطرتي؟
- لا لسه، بس هشرب قهوة الأول.
صبّت لها عمتها فنجاناً من القهوة التركية، وراقبتها بعينين تعرفان كل شيء.
- نمتي كويس؟
- آه.
- كذبة - ضحكت عمتها بهدوء - عيونك فاضحاكِ يا بنتي.
ابتسمت لها ابتسامة خفيفة، النوع الوحيد من الابتسامات الحقيقية التي تسمح لنفسها بإظهاره أمام عمتها فقط.
- إنتِ عارفاني قوي كده ليه؟
- لأني أنا اللي ربيتك - مدت يدها وأمسكت يد ليا بحنان - وعارفة إنك بتخبي حاجات كتير ورا الثقة دي.
سحبت ليا يدها بهدوء وأخذت رشفة من قهوتها.
- مافيش حاجة مخبية يا عمتو، أنا كويسة.
- وكريم؟
توقفت ليا للحظة، ثم أكملت ببرود:
- كريم كويس... زي ما هو.
أرادت عمتها أن تقول شيئاً، لكنها صمتت. كانت تعرف أن ليا لن تفتح قلبها لأحد - على الأقل ليس الآن.
------------------------------
في المساء، كانت ليا جالسة في تراس مطعم فاخر يطل على البحر، تنتظر كريم.
وصل متأخراً كعادته، بابتسامته الساحرة وثقته المفرطة.
كريم... شاب في التاسعة والعشرين، وسيم بشكل يعرفه جيداً ويستغله أكثر. رجل أعمال شاب ورث ثروة والده، يعيش حياته كما يريد دون قيود أو حسابات.
- آسف على التأخير يا حبيبتي.
نظرت إليه بهدوء:
- عادي، اتعودت.
جلس أمامها وطلب مشروبه المعتاد.
- كنت في meeting مهم.
"أو مع واحدة من صحباتك" - فكرت بها ليا، لكنها لم تقلها.
- مهم قوي لدرجة إنك تتأخر ساعة؟
ضحك بخفة:
- يا حبيبتي، إنتِ عارفة الشغل عامل إزاي.
أخرج هاتفه ووضعه على الطاولة - الشاشة مضاءة برسائل لا تتوقف. لمحت اسم فتاة على إحدى الرسائل، لكنها أدارت نظرها بهدوء وأخذت رشفة من عصيرها.
كبرياؤها أكبر من أن تسأل.
أقوى من أن تُظهر ضعفها.
أقوى من أن تعترف أنها تتألم.
- بالمناسبة، عندي حفلة بكرة ولازم تبقي موجودة معايا - قالها كريم وهو يمسك يدها.
- هشوف ظروفي.
- يعني إيه هتشوفي ظروفك؟ - ابتسم بثقة، ثم أكمل - أنا محتاجك جنبي.
نظرت إليه بعينين هادئتين:
- قولتلك هشوف.
انزعج قليلاً من ردها الجاف، لكنه أخفى ذلك بسرعة.
كانت ليا هي الفتاة الوحيدة التي لا يستطيع السيطرة عليها بسهولة - وهذا ما يجعلها مختلفة. وهذا ما يجعله يبقى.
لكنه لا يعرف أن وراء هذا الهدوء، وراء هذه القوة الظاهرية... فتاة تتحطم كل ليلة في صمت.