لعنة الكوابيس

لعنة الكوابيس

18 0

استيقظتُ فجأةً على وقعِ كابوسٍ مفزعٍ استنزفَ آخرَ ذرّاتِ طاقتي. جُلتُ ببصري في أرجاء غرفتي المتواضعة، ورحتُ أمسحُ حبّاتِ العرقِ المتصبّبِ على وجهي، ثم اتجهتُ نحو الحمّامِ في محاولةٍ يائسةٍ لاستعادةِ وعيي. زفرتُ بضيقٍ وأنا أتأملُ انعكاسي في المرآة؛ كم أمقتُ رؤيةَ وجهي عقبَ كلِّ كابوسٍ مرعب! لا أدري لِمَ يحدُثُ لي كلُّ هذا؟

فجأةً، قطعَ حبلَ أفكاري صوتُ صديقتي أستر وهي تنادي: «موردن، استفيقي! لقد تأخرنا كثيراً». تأففتُ بانزعاجٍ جليّ، ثم استحممتُ على عجلٍ وارتديتُ ملابسي الفضفاضة، ورفعتُ شعري بتلقائيةٍ على شكلِ كعكة، ثم قبضتُ على حقيبتي وهاتفي وهرعتُ خارجاً.

وجدتُها قد غادرت قبلي.. يا للهول! ما بالُها دائماً هكذا؟ توقظني ثم تمضي في حالِ سبيلها! لم أكترث للأمر كثيراً، فلطالما كانت علاقتنا يغلفُها الصمتُ وقلةُ الكلام. تناولتُ شطيرتي التي أعددتُها، ومضيتُ مسرعةً نحو محطةِ المترو. خرجتُ كعادتي، أجرُّ خطاي خلف روتينٍ قاتل لا يتغير. ركبتُ المترو متوجهةً إلى العمل، غارقةً في تلك اللجّة من الأسئلة اليائسة التي تنهش روحي كل يوم: لماذا لا أزال على قيد الحياة؟ وما جدوى هذا التكرار؟

ودائماً ما كان يأتيني الجواب الساخر من أعماقي: لأنني متميزة!.. متميزة بلعنةٍ لا يملكها غيري، قدرةٌ تجعلني أرى خيوط المستقبل قبل أن تُنسج. ضحكتُ بمرارة، وغصّة الحزن تخنقني.. لماذا أنا؟ لماذا لستُ طبيعية مثل والديّ؟ هل أنا مسكونة؟ أم أنني لستُ بشريةً تماماً؟

وبينما كان رأسي يضجّ بضجيج الأفكار، حدث الأمر فجأة..

سكن كل شيء. تلاشت أصوات الركاب، واختفت جلبة القطار، وحلّ صمتٌ جنائزيٌّ ثقيل يشبه صمت القبور. نظرتُ إلى يديّ، فلم أجد جلدي الشاحب، بل رأيتُ جسدي يتوهج بضوءٍ غريبٍ غامض. رفعتُ بصري ببطء، ولم يكن سقف المترو هناك.. بدلاً منه، انفتح المدى على جيشٍ من الظلال السوداء، كائناتٌ لا ملامح لها تركض نحوي بجنون، وكأنني طريدتها الوحيدة في هذا الكون.

وفي تلك اللحظة، اخترق مسمعي صوتٌ هامس، بوضوحٍ مرعبٍ جمد الدماء في عروقي: «بعد ساعة من الآن.. سيقع الحادث.. الجميع سيهلك.»

انتفضتُ من الرعب، وتلفتُّ حولي بجنون أبحث عن مخرج، لكن في لمح البصر، انقشع كل شيء وكأنه لم يكن. وجدتُ نفسي فجأة جالسةً في مكاني، والمترو يتوقف بهدوء في المحطة التالية.هرعتُ خارجةً، وأنا ألهثُ بجنون، والعرق يتصبب من جبهتي بغزارة، وشعورٌ بالإنهاك يكتسح جسدي وكأنني ركضتُ لمسافة عشرين ميلاً في عالمٍ آخر ، خرجتُ من المحطة أهرولُ والذعر ينهش قلبي، أتلفتُ حولي بخوفٍ، أنتظرُ وقوع الكارثة في أيّ لحظة. لقد كرهتُ كل شيء، وأصبحت الأحداثُ فوق كاهلي جبالاً من الرصاص منذ ذلك اليوم المشؤوم.. يوم ميلادي الثامن عشر. في ذلك اليوم، انشقّت حجبُ الواقع أمامي، وأصبحتُ أسمع وأرى ما لا يمكن لعقلٍ بشريّ أن يتخيله، وبسبب تلك 'الهلاوس' كما سمّوها، رماني والداي خارج المنزل، ونبذاني كأنني وباءٌ حلّ بساحتهم.

أخرجتُ هاتفي من الجيب بيدين ترتجفان، وبعثتُ برسالةٍ مقتضبة لصديقتي في العمل: «لن آتي اليوم.. أخبري المدير أنني مريضة». أعدتُ الهاتف إلى معطفي وزفرتُ بضيق.. أخخ كم أكره هذه الحياة!

أكره تلك النظرات التي تلاحقني، فجسدي الذي يتمتع بمفاتن تجذب الأنظار لم يكن يوماً نعمة، بل نقمةٌ أخرى جعلت المدير يطمع بي، ظانّاً أنني مجرد 'فتاة ليل' يمكنه شراؤها، ولم يدرك أن خلف هذا الجمال روحاً محطمةً تصارع للبقاء عاقلة.

وضعتُ يدي على رأسي، أدلكُ صدغيّ بقوة لعلّي أخففُ من حدة ذلك الصداع الفظيع الذي يفتك بي بعد كل 'رؤيا'. تنفستُ بعمقٍ، محاولةً طرد صور الظلال من مخيلتي، وتابعتُ المشي بسرعة، لا أدري إلى أين، فقط أريد الهروب من نفسي ومن هذا العالم الذي يضيق بي

تابعتُ المشي بلا وجهة، شاردةً في تيه أفكاري، حتى اصطدمتُ بجسدٍ صلبٍ كالجدار، لأجد نفسي فجأة منبطحةً على الأرض. رفعتُ نظري إليه والغضب يغلي في عروقي، وصرختُ: «اللعنة عليك! هل أنت أعمى أم ماذا؟!»

لكنه لم يعتذر، بل رشقني بنظرة غضبٍ عارمة وقال بنبرة غريبة: «تباً لكِ أيتها الفضائية! لقد اتسخت بدلتي بسببكِ!» ثم بدأ يصرخ في وجهي بجنون.

تسمّرتُ في مكاني من الصدمة.. أنا من سقطتُ، وأنا من يجب أن يثور، وهو من يرفع صوته؟! زفرتُ بضيقٍ وقمتُ أنفض الغبار عن ثيابي بعنف، وقلتُ له بلهجةٍ حادة: «ما بك تصرخ هكذا؟ أخبرني لماذا تعول؟! أنا من سقطتُ وتوسخت ثيابي لا أنت! ثم أين هو هذا الاتساخ الذي تتحدث عنه؟ أنا لا أرى شيئاً على ثيابك.. وزد على ذلك، إن تجرأتَ وقلتَ عني "فضائية" مرة أخرى، أقسم أنني سأجعلك تزورهم في المقبرة أيها النذل!»

زفرتُ بغضبٍ مكتوم، وضربتُ كتفه بكتفي وأنا أمضي في طريقي بخطواتٍ غاضبة صاخبة. أووف! لماذا يحدث كل هذا لي؟.. هل هو بسبب شعري الأبيض الناصع وحواجبي التي تشبه ندف الثلج؟ أم بسبب عيناي الرماديتين اللتين تشبهان غمام الشتاء؟

كل ما في الأمر أنني فتاة تعاني من انعدام الصبغة (Melanin)، لستُ كائنًا فضائيًا! ليس هو أول من ينعتني بهذا، فقد اقتات التنمر على سنوات طفولتي، وبسببه وجدتُ نفسي وحيدةً تماماً بلا أصدقاء. الجميع هنا يعتبرونني 'نذراً منحوساً' أو كائناً لا ينتمي لهذا العالم. كبرتُ وأنا أتجرع هذه النظرات حتى تبلدت مشاعري وتأقلمتُ مع القسوة.

حثثتُ الخطى نحو المنزل الذي استأجرته أنا  و آستر بثمنٍ زهيد في زاويةٍ منسية، المكان الوحيد الذي لا يطالبني فيه أحد بأن أكون طبيعية؛ رفعتُ يدي بآليةٍ لأوقف سيارة أجرة، ركبتُ وأعطيتُ السائق عنوان منزلي باختصار. أسندتُ رأسي إلى نافذة السيارة الباردة، وشردتُ في شوارع نابولي التي كانت تمر من أمامي كشريط سينمائي باهت. كانت المدينة تضجّ بالحياة، لكنني كنتُ أشعر بوقوف الغمام في عينيّ، وكأنني أنظر إلى العالم من خلف زجاجٍ ضبابي.

بعد نصف ساعة من الصمت الذي لم يقطعه إلا صوت المحرك، أيقظني صوت السائق وهو يقول بهدوء: «لقد وصلنا يا آنستي». أخرجتُ من حقيبتي ما يستحقه من مال، وأعطيته إياه ثم ترجلتُ من السيارة.

وقفتُ أمام باب البناية، أنظر إلى شقتي المتواضعة في هذا الحي الهادئ. كنتُ أحتاج فقط إلى إغلاق الباب خلفي، والارتماء في سريري لأهرب من هذا الصداع، ومن صور الظلال، ومن نبوءة الحادث التي ما زالت تتردد في أذني كطنين النحل.

دخلتُ البناية وأخذتُ أصعد الدرج بهدوءٍ كئيب كالعادة. وعند وصولي إلى باب الشقة، فتحتُ حقيبتي أبحثُ بلهفة عن المفتاح؛ استغرق الأمر ثوانٍ بدت كالأبد حتى وجدته. فتحتُ الباب، دخلتُ، وأوصدته خلفي وكأنني أغلق الباب على العالم أجمع. علقتُ معطفي ووشاحي، ونزعتُ حذائي، ثم اتجهتُ مباشرةً إلى المطبخ. ملأتُ كأساً بالماء وأخذتُ أتجرعه بدفعة واحدة، وكأنني كنتُ في سباق ماراثونٍ طويل ضد الزمن.

وضعتُ الكأس على الطاولة، وبدأتُ أتنفس بصعوبة بينما خانتني عيناي لتنهمر منهما الدموع. في تلك اللحظة، سيطر عليّ ذعرٌ مجنون؛ أخذتُ أبحث عن هاتفي بيدين ترتجفان، وعندما وجدته، بحثتُ عن رقم أختي 'إلسا'. اتصلتُ وانتظرت.. لكن لا رد. أعدتُ الكرة مراراً دون جدوى. اتصلتُ بأمي، وكان الصمتُ هو الجواب الوحيد أيضاً. لم يبقَ أمامي سوى خيارٍ واحد: أختي 'آيسلا'.

الحمد لله، لقد أجابت! قالت بنبرة جافة: «نعم.. ماذا تريدين؟ أنا مشغولة».

أردفتُ وصوتي يتهدج بالبكاء: «أختي.. أرجوكِ، لقد عادت لي الكوابيس..».

فجأة، انفجر صوتها صارخاً في وجهي بمرارة: «وأنا ما دخلي بكِ أيتها المجنونة؟! هل عدنا لنفس الموضوع؟ لم أعد أحتملكِ ولا أحتمل هذيانكِ هذا! هذه آخر مرة تتصلين بي، أحذركِ! كيف لوالدتي ووالدي أن يتحملا هلاوسكِ غير العقلانية لثلاث سنوات؟!».. ثم أغلقت الخط في وجهي.تصلبتُ في مكاني، وشعرتُ وكأن طعنةً أصابت قلبي. لم أتوقع أبداً أن تنعتني بالمجنونة، هي التي كانت الوحيدة التي تستمع إليّ. تساقطت دموعي بغزارة، أنزلتُ الهاتف عن أذني ببطء، وارتميتُ على الأرض أنظر إلى الفراغ، بينما أخذت الدموع تشقُّ طريقها على وجنتيّ دون توقف.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

THE ECHO KINGDOM

المؤلف 🫧Nova Skya🫧
2026/02/19 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة