أنا عمري ما كنت البنت اللي تلفت نظر حد.
مش لأني مش جميلة… لكن لأني مش بحب أكون في النور.
كنت دايمًا بحب الهدوء.
السكينة اللي بتيجي مع صلاة الفجر.
الإحساس بالأمان وأنا بقرا وردي من القرآن قبل ما أبدأ يومي.
حياتي كانت بسيطة، واضحة، ليها حدود أنا راضية بيها.
اسمي ليلى.
طالبة في كلية الإعلام.
ملتزمة… مش بس في لبسي، لكن في قلبي كمان.
اليوم ده بدأ عادي جدًا.
صوت المنبه قبل الفجر، وضوء خفيف داخل من شباك أوضتي، وهواء بارد يخلي الواحد يقوم غصب عنه.
اتوضيت، وصليت، وقعدت شوية أراجع محاضرة النهارده.
كان عندنا دكتور جديد.
أول مرة يدرس لينا مادة "التحرير الصحفي".
البنات في الجروب كانوا بيتكلموا عنه من يومين.
"شكله صغير."
"واضح إنه شديد."
"بيقولوا كان بيدرس بره مصر."
أنا كنت بسمع وبس.
مش فارق معايا شكله ولا شخصيته.
أنا رايحة أتعلم… مش أكتر.
دخلت الجامعة بدري.
الجو في الحرم كان هادي، شجر الكلية بيرقص مع الهوا، وريحة القهوة طالعة من الكافيتريا.
دخلت المدرج، واخترت مكاني المعتاد في الصف التالت.
مش أول صف عشان مش بحب أبقى تحت الضوء،
ومش آخر صف عشان بحب أركز.
الساعة جت عشرة بالظبط
والباب اتفتح.
دخل.
مش عارفة ليه المدرج سكت فجأة.
كان لابس بدلة رمادي بسيطة، قميص أبيض، ونظارة خفيفة مدياله شكل وقور.
مش كبير قوي في السن… يمكن أوائل التلاتينات.
بس فيه هيبة غريبة.
مشيت عينه على الطلبة بسرعة، وبعدين قال بهدوء:
"صباح الخير."
صوته كان عميق… ثابت… مفيهوش توتر.
بدأ يعرف نفسه:
"أنا دكتور أدهم فؤاد. وهكون معاكم الترم ده."
أدهم.
بدأ يشرح من غير مقدمات طويلة.
مفيش هزار زيادة، ومفيش تكلف.
كان بيتكلم بثقة، وكل كلمة محسوبة.
وأنا… غصب عني كنت مركزة أكتر من المعتاد.
مش عشان شكله.
لكن عشان طريقته.
كان بيسأل فجأة، ويختار حد يجاوب.
ولما حد يغلط، ميسخرش… يصحح بهدوء.
في نص المحاضرة، سأل سؤال عن أخلاقيات المهنة.
إيدي اتحركت قبل ما أفكر.
بصلي مباشرة.
لأول مرة عينه تيجي في عيني.
"اتفضلي."
جاوبت بهدوء، وحاولت أكون واثقة.
كنت حاسة بنبض قلبي في وداني.
سكت لحظة بعد ما خلصت، وبعدين قال:
"إجابة دقيقة جدًا… شكراً."
الكلمة بسيطة.
بس نبرته خلتني أحس إني اتشافِت.
مش كطالبة وبس…
لكن كشخص.
رجعت بصيت في دفتري بسرعة.
مش عايزة أبالغ في إحساسي.
خلصت المحاضرة، والطلبة خرجوا بسرعة.
كنت بجمع حاجتي، ولما رفعت عيني لقيته واقف قدام الصف.
"اسمك إيه؟"
سؤال مباشر خلاني أتوتر.
"ليلى."
كرر الاسم بهدوء:
"ليلى… واضح إنك قارية كويس."
قلت بسرعة:
"بحاول."
ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا.
مش ابتسامة إعجاب… لكن تقدير.
"كملي المحاولة."
ومشي.
الموقف كان بسيط جدًا.
مفيهوش حاجة تتفسر غلط.
بس طول اليوم كنت فاكرة نبرة صوته وهو بينادي اسمي.
رجعت البيت، دخلت أوضتي، وقعدت أراجع محاضرة النهارده.
بس كل شوية سرحاني يرجع للحظة دي.
وبعدين استغفرت.
"ده دكتورك. ركزي في حدودك."
أنا متربية على إن العلاقة بين الطالب ودكتوره لازم تبقى محترمة، واضحة، مفيهاش أي تجاوز.
عدى أسبوع.
محاضراته دايمًا منظمة.
دايمًا بيختارني أجاوب أحيانًا…
وأحيانًا يختلف معايا في الرأي، بس باحترام.
بدأت ألاحظ حاجة.
هو مش بيعاملني زي باقي الطلبة…
مش تفضيل،
لكن اهتمام.
مرة بعد المحاضرة قال:
"انتي عندك أسلوب كويس في الكتابة. فكرتي تنشري قبل كده؟"
قلت باستغراب:
"لا."
قال:
"جربي عندك موهبة تستاهل"
حد شايف موهبتي أنا نفسي بخاف أصدقها.
في يوم، كنت قاعدة في مكتبة الكلية، بقرا كتاب عن الصحافة الاستقصائية.
سمعت صوته فجأة.
"الكتاب ده صعب شوية لمرحلة أولى."
رفعت عيني.
كان واقف قريب، ماسك فنجان قهوة.
قلت:
"بحب أثقف نفسي"
ابتسم
"واضح"
قعد على الترابيزة اللي قدامي، بمسافة محترمة
واتكلمنا عن الكتاب.
عن الطموح.
عن معنى إن الواحد يبقى عنده رسالة.
الكلام كان أكاديمي جدًا.
محترم جدًا.
بس في حاجة غير مفهومة بدأت تكبر جوايا.
إحساس إن وجوده بيفرق.
كنت كل مرة أرجع البيت ألوم نفسي.
"إنتِ معجبة بدكتورك؟"
الكلمة نفسها كانت تكسفني.
أنا عمري ما كنت كده.
بس الحقيقة؟
أنا مكنتش معجبة بشكله
ولا بهيبته
أنا كنت معجبة بعقله
بهدوءه.
بالطريقة اللي بيسمع بيها.
في يوم، بعد ما خلصت محاضرة، لقيته بيقول:
"ليلى، لو فاضية دقيقة."
قلبي اتوتر فورًا.
وقفت قدامه، محافظة على مسافة محترمة.
قال:
"في مسابقة كتابة بتنظمها الجامعة. شايف إنك لازم تشاركي."
قلت بخجل:
"مش واثقة في نفسي كفاية."
بصلي بنظرة ثابتة
"بس أنا واثق فيكِ أنتي قدها"
الكلمتين دول كانوا أخطر من أي اعتراف مباشر.
لأنهم دخلوا قلبي من باب التقدير.
مفيش كلمة خرجت عن حدود الأدب.
مفيش نظرة فيها تجاوز
بس في دفء واضح
وأنا…
بدأت أستنى يوم المحاضرة مش عشان المادة
لكن عشانه !.
كنت بصلي وأدعي ربنا يثبت قلبي
لو الإحساس ده غلط، يشيله من جوايا.
ولو فيه خير… يقربه بالحلال.
مكنتش أعرف ساعتها إن في تفاصيل كتير لسه مش واضحة.
إن الاسم اللي اطمّنيت له…
مخبي وراه اختلاف أكبر مما أتصور.
أنا كنت شايفة دكتور ناجح، محترم، اسمه أدهم.
بس مكنتش أعرف…
إن في يوم قريب جدًا
هكتشف حاجة هتقلب كل حساباتي.
ويمكن…
تختبر إيماني قبل قلبي
من يوم ما قال لي:
"أنا واثق فيكِ."
والكلمتين دول مش بيفارقوا وداني
كنت بحاول أقنع نفسي إنه مجرد دعم أكاديمي
دكتور بيشجع طالبة شاطرة
مفيش أكتر من كده !.
بس قلبي
كان بيحس بحاجة أعمق من مجرد تشجيع،
وده اللي خوفني
أنا متربية على إن القلب لازم يبقى تحت سيطرة العقل،
وإن المشاعر لو خرجت عن حدودها ... بتجر وراها وجع كبير !
من تاني يوم، أخدت قرار.
لازم أبعد.
مش هسيب الكلية طبعًا
لكن أبعد عنه هو !
دخلت المدرج بدري جدًا، واخترت أول صف
أول صف خالص.
المكان اللي بيخليني مركزة
كنت متعودة أقعد في الصف التالت، في زاوية قريبة من الشباك.
لكن المرة دي لأ
مش عايزة أبقى في مدى بصره بسهولة.
ولا عايزة عينى تيجي في عينه !
دخل بعد دقائق
خطواته ثابتة كعادته
حاولت أركز في دفتري قبل ما يرفع عينه
لكن حسيت بنظرته بتمر على الصفوف
زي كل مرة
ولما وصلت للصف الأول
وقفت لحظة.
مشوفتش بعيني
بس حسيت.
بدأ يشرح
وصوته كان واضح أكتر عشان أنا قريبة.
والمشكلة إن القرب مش دايمًا مريح.
كل مرة كان يسأل سؤال، كنت بخفض عيني بسرعة
،مش عايزة يختارني !.
،مش عايزة أتكلم.
،مش عايزة يحصل أي احتكاك مباشر
في نص المحاضرة قال فجأة
"ليلى… رأيك إيه؟"
اتجمدت مكاني.
كنت بحاول أختفي،
وهو ناداني باسمي قدام الكل.
رفعت عيني ثواني بس ،ثواني صغيرة
وبعدين بصيت في الدفتر تاني وأنا بجاوب.
كنت حاسة إن عيني بتخونني!
إنها عايزة تبصله أطول
بس أنا كنت بشدها بالعافية
بعد المحاضرة، خرجت بسرعة
مشيت في الممر كأني بهرب من حاجة بتطاردني .
صوت خطوات ورايا خلاني أتوتر.
"ليلى."
وقفت غصب عني.
لفيت ببطء.
كان واقف على مسافة مناسبة، مفيهاش أي تجاوز.
قال بهدوء
"في حاجة مضايقاكي؟"
سؤال بسيط
بس مباشر زيادِة
قلت بسرعة
"لا يا دكتور، مفيش."
بصلي لحظة أطول من المعتاد.
مش نظرة شك
لكن نظرة ملاحظة.
"مكانك اتغير النهاردة يعني."
قلبي خبط جامد.
حاولت أضحك بخفة
"حبيت أغير."
هز راسه ببطء.
"التغيير حلو بردوا "
قلت بسرعة
" بعد اذنك "
ومشيت.
طول الطريق للبيت كنت بلوم نفسي.
ليه توترت بالشكل ده؟
ليه حسيت إني متهمة بحاجة؟
دخلت أوضتي، قفلت الباب، وقعدت على السرير.
رفعت إيدي ودعيت:
"يا رب… لو الإحساس ده غلط، شيله من قلبي.
أنا مش عايزة أمشي في سكة مش بتاعتك."
كنت عارفة إن الإعجاب لو اتساب يكبر…
ممكن يتحول لحاجة أكبر.
وأنا مش عايزة أكبر إحساس مش مضمونة نهايته.
اليوم اللي بعده قررت خطوة أقوى.
مش هروح المكتب لو هو هناك.
مش هقعد في المكتبة لو شوفته.
وفي المحاضرة، كل ما أحس إنه بيبص ناحية الصف الأول…
كنت بغض بصري فورًا.
مش تمثيل.
مش تكلف.
خوف حقيقي.
كنت بخاف من نظرة تطول،
من ابتسامة صغيرة تضعفني.
في مرة، وأنا خارجة من بوابة الجامعة، لقيته واقف بيتكلم مع دكتور تاني
عينه جات في عيني صدفة.
ثانية واحدة بس،
لكنها كانت كفاية تخلي قلبي يرتبك.
نزلت عيني فورًا.
ومشيت أسرع.
سمعته بينادي اسمي…
بس يمكن كان وهم.
وصلت البيت، وحسيت بتعب غريب.
تعب مش جسدي
تعب مقاومة.
هو معملش حاجة غلط.
ولا قال كلمة تتفهم غلط.
لكن قلبي هو اللي فهم غلط .
بدأت أقلل مشاركتي في المحاضرة.
حتى لو عارفة الإجابة، بسكت.
وفي مرة قال قدام الكل:
"في حد اختفى صوته الفترة الأخيرة."
الطلبة ضحكوا.
بس أنا عرفت إنه يقصدني.
بعد المحاضرة، لقيته مستنيني عند الباب.
"ممكن دقيقة؟"
وقفت على مسافة.
حافظة الحدود كويس.
قال بهدوء:
"أنتي مبقتيش مركزة ولا بتشاركي في المحاضرات"
بلعت ريقي.
" متهيألك يادكتور."
ابتسم ابتسامة خفيفة،
"أتمني كده بجد"
سكت شوية، وبعدين قال:
"لو في حاجة ضايقتك مني… لازم أعرف."
قلبي رق للحظة.
واضح إنه مش بيحاول يقرب…
هو بس قلقان.
قلت بسرعة
"لا، حضرتك معملتش حاجة."
بصلي بثبات:
"طب ليه بتعملي كده في المحاضرة بتاعتي،اشمعني يعني"
السؤال ده خلاني أحس إني مكشوفة.
قلت بصوت أوطى
"عشان ده الصح."
ملامحه اتغيرت.
مش استهزاء…
استغراب.
"الصح؟"
هزيت راسي.
"أنا بحب ألتزم بحدودي."
سكت لحظة.
وبعدين قال بهدوء شديد
"وأنا عمري ما حاولت أخرجك عنها."
الكلمة دي خلتني أرفع عيني ثواني.
كان صادق.
وده اللي صعّب كل حاجة.
رجعت البيت وفضلت أفكر في كلامه.
هو فعلًا محترم.
بيحافظ على المسافة.
مفيش كلمة غلط.
طب ليه بحاول أهرب؟
يمكن عشان قلبي مش مضمون.
عدى أسبوع وأنا على نفس الحال.
تجاهل محسوب.
غض بصر متعمد.
دعاء كتير.
وفي يوم، حصل موقف صغير…
بس هزني من جوا.
كان في عرض تقديمي، وأنا كنت واقفة قدام المدرج بشرح مشروعي.
توترت فجأة، والكلام اتلخبط.
بصيت تحت عشان أهدى نفسي.
سمعت صوته بهدوء:
"خدي نفس… انتي قادرة."
رفعت عيني من غير قصد.
كان بيبصلي بنظرة دعم خالص…
نظرة مفيهاش أي حاجة غير الثقة.
واللحظة دي…
حسيت إن قلبي بيضعف.
خلصت العرض بنجاح.
والتصفيق كان عالي.
لكن وأنا خارجة، كنت متضايقة من نفسي.
ليه كل مرة بيقرب فيها إنسانيًا…
قلبي يتحرك خطوة ناحيته؟
قعدت في المصلى الصغير في الجامعة.
المكان الهادئ اللي دايمًا بلجأله.
صليت ركعتين.
وقعدت أدعي تاني.
"يا رب… أنا عايزة أمشي صح.
مش عايزة أمشي ورا قلبي لو فيه شبهة غلط."
الدموع نزلت بهدوء.
مش دموع حب…
دموع خوف.
أنا مش عايزة أتعلق بحد مينفعش أتعلق بيه.
مش عايزة أعيش قصة نهايتها معروفة من الأول.
خرجت من المصلى، وقررت أكون أقسى.
في المحاضرة اللي بعدها، رجعت أقعد في آخر صف.
آخر صف خالص.
لو اختارني أجاوب، أعتذر.
لو سألني رأيي، أقول "مش متأكدة".
كنت بهدم صورة الطالبة المميزة اللي كان شايفها.
وفي نص المحاضرة، سكت فجأة.
وبص ناحيتي.
"ليلى، تقدري تقوليلي تعريف الموضوع ده؟"
قلت بهدوء:
"مش جاهزة يا دكتور."
المدرج سكت.
الطلبة عارفين إني دايمًا جاهزة.
ملامحه اتغيرت لحظة…
خيبة أمل خفيفة.
"تمام."
وكمل الشرح.
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
أنا مش بس بهرب منه…
أنا بهرب من نفسي.
بس أنا كنت مصممة علي الهروب.
لازم أفضّل بعيدة.
لازم أفضّل حاطة حدود.
مش عشان هو غلط.
لكن عشان قلبي !
ممكن يغلط.
وكنت لسه فاكرة إن أكبر اختبار في حياتي هو مقاومة إحساس صغير بدأ يتسلل بهدوء.
مكنتش أعرف…
إن اللي جاي هيكون أصعب بكتير.
وإن الحقيقة أصعب من كده
هتخليني أتمنى لو كان الموضوع وقف عند مجرد نظرة بحاول أغض بصري عنها.