المكان: الصالة. الأم ترتب الصحون بسرعة، وليان جالسة على الهاتف)
الأم (بحماس): ليان، حبيبتي، قومي غيّري ملابسك بسرعة. جيراننا الجدد، عائلة أم أحمد، اتصلوا وقالوا إنهم في الطريق إلينا ليتعرفوا علينا.
ليان (بفزع): الآن؟ يا أمي أخبرتيني أننا سنقضي السهرة هادئة! لا أريد مقابلة أحد، أنا متعبة من الدراسة.
الأم (ترتب الوسائد): عيب يا ابنتي، هؤلاء جيران ويجب أن نرحب بهم. فقط اجلسي معهم لنصف ساعة، سلمي عليهم بابتسامة ثم يمكنك الانصراف.
ليان (تتنهد): حسناً، سأغير ملابسي وأسلم عليهم.. لكن لن أطيل الجلوس
المكان: الصالة مليئة بالضحك وأصوات الفناجين. ليان تجلس متوترة)
الجارة (تبتسم لليان): ما شاء الله، ابنتك كبرت يا أم ليان! في أي سنة دراسية أنتِ الآن يا ليان؟
ليان (بابتسامة باهتة): شكراً خالة.. أنا في السنة الثانية من الجامعة.
الأم (تحاول تلطيف الجو): ليان مجتهدة جداً، دائماً ما تقضي وقتها في غرفتها مع كتبها.
ليان (تستغل الفرصة وتنهض ببطء): فعلاً.. بمناسبة الكتب، تذكرت أن لدي بحثاً يجب أن أسلمه غداً صباحاً. استأذنكم، تشرفت بمعرفتكم.
المكان: غرفة ليان. تدخل وتغلق الباب خلفها وتلقي بنفسها على السرير)
ليان (تحدث نفسها بصوت منخفض): أخيراً! الحرية. لا أستطيع تحمل تلك الأسئلة التقليدية: "كيف الدراسة؟" و "لماذا أنتِ نحيفة؟".
ليان (تسمع ضحكاتهم من الصالة): يبدو أنهم سيطيلون الجلوس.. سأقرء كتاب بينما يرحلون
ليان (تتنهد براحة): "يا إلهي، متى تنتهي هذه الزيارة؟ أشعر بملل قاتل..."
(فجأة، تشعر ليان ببرودة غريبة تجتاح الغرفة، وتلمح ظلاً يتحرك عند باب غرفتها المغلق. تنظر بذهول لتجد شاباً طويلاً، ذا هيبة ولامح حادة، يقف هناك.. لكنه لا يلمس الأرض)
ليان (تتجمد مكانها، بصوت مخنوق): "مـ.. من أنت؟
الشاب (ينظر إليها بعينين واسعتين من الدهشة، وكأنه لم يتوقع أن تراه): "أنتِ.. هل تستطيعين رؤيتي فعلاً؟"
(ليان لا ترد، فهي مشغولة بالتدقيق في جسده؛ كان يطفو على ارتفاع شبر من الأرض، وجسده ليس صلباً تماماً، بل كان شفافاً كالدخان الأبيض، تنعكس من خلفه أضواء غرفتها)
ليان (بهمس وذهول): "أنت.. أنت شفاف.. وتطير! هل أنا أحلم؟"
الشاب (يقترب منها ببطء، ملامحه الهادئة تدل على وقار قديم): ". أنا لست من ضيوف في الصالة.. أنا هنا منذ وقت طويل، لكن لم يسبق لأحد أن نظر إليّ لا اصدق انك ترينني ."
الأم (من خلف الباب): "ليان؟ مع من تتحدثين؟ ."
ليان (تلتفت للباب برعب ثم تعود بجسدها للشاب): اه اه لقد كنت احادث صديقتي على الهاتف "
(عندما تعيد ليان نظرها إلى مكان وقوف الشاب، تجده قد اختفى تماماً، لكن البرودة لا تزال تملأ المكان)
ليان (تحدث نفسها بصدمة): "لقد كان هنا.. كان يطفو.. كلا كلا بماذا اتكلم ليس الى وهم ...
المكان: المطبخ. ليان تقف أمام جبل من الأطباق بعد رحيل الجيران، وهي تفرك عينيها وتحدث نفسها)
ليان (بإصرار): "كان وهماً.. بالتأكيد كان وهماً نتيجة نقص السكر أو الملل من الضيوف. لا يوجد شباب يطفون في الهواء، ليان استيقظي!"
صوت هادئ (يأتي من خلفها مباشرة): "على فكرة.. هناك بقعة دهون على هذا الصحن، تحتاجين لفركها أكثر."
(تقفز ليان من مكانها، ويسقط الصحن من يدها في الحوض المليء بالصابون، ليرتش الماء على وجهها)
ليان (تصرخ بهمس): "يا إلهي ... من انت حقا ..
هل اصرخ....
الشاب (يجلس بوقار في الهواء، وساقاه متقاطعتان وكأنه يجلس على أريكة غير مرئية): " لا ينفعك الصراخ اخبرتك لا احد يراني ، أنا أسكن هنا منذ عام 1920.. أنتِ من دخلتِ غرفتي قبل قليل. وبالمناسبة، اسمي (الياس ).. وقفتكِ هذه تذكرني بجدتي وهي تغسل الأواني."
ليان (تمسح وجهها بغيظ): "الياس؟ وتسكن هنا منذ قرن؟ اسمع يا سيد شبح، أنا لا أؤمن بهذه الخرافات. أنت مجرد هلوسة.. سأغسل وجهي وسوف تختفي."
ليان في قلبها ... اعوذ بالله من الشيطان الرجيم الهي ارجوك لا اريد النضر الى اجناس غير اجناسنا
ثم تنضر خلفها ... اختفى ... علمت انه من الجن
المكان: غرفتها. ليان تجلس على سجادة الصلاة بعد أن أنهت صلاتها، الياس يطفو بهدوء وقور في الزاوية البعيدة، محترماً خصوصيتها وسجادة صلاتها)
ليان (بهدوء وهي تطوي السجادة): " بسم الله لما ما زلت اراه لكن انا اصلي يفترض ان كان شيطان سيختفي كنت أظن أن رؤيتك ابتلاء أو ربما لعنة.. لكن صلاتي منحتني هدوءاً. أنت لست شيطاناً، أليس كذلك؟ فالشياطين لا تقف بوقار حين يُذكر الله."
بدر (بصوت منخفض ومليء بالسكينة): " ما بك أعوذ بالله أن أكون كذلك. نحن عوالم موازية يا ليان، خلقنا الله كما خلقكم، ولنا حدود لا نتعداها. أنا لست لعنة، انا انسان كما انت
ليان (تجلس على كرسيها وتنظر إليه بتمعن): "بدأت أقتنع.. وجودك حقيقي كالهواء الذي لا نراه ولكن نشعر به. أخبرني يا الياس ، من أنت؟ وكيف كانت حياتك؟" انا حقا اتصرف بهدوء معك انا في حلم لا غير ربما سئستيقض يوما ...
إلياس ينظر إلى الفراغ وكأنه يسترجع صوراً قديمة)
إلياس: "عشت هنا حين كانت الأرض بساتين ونخيلاً. كانت والدتي شهزنان امرأة ذات شأن، اسمها وحده كان يوحي بالجمال والعظمة. كانت تقضي ليلها في تسبيح الله، وتوصيني دائماً أن 'الرجل الحقيقي هو من يخشى الله في خلوته'."
ليان (بفضول): "شهزنان.. اسم ملكي وقديم. كيف كانت علاقتكما؟"
إلياس (بابتسامة حزينة): "كانت تملأ البيت برائحة البخور والمسك. رحلتُ وأنا في أوج شبابي، وتركُها وحيدة كان الغصة التي لم تبارح روحي. بقيتُ عالقاً في هذا المكان، أشاهد البشر يمرون كالفصول
(فجأة، يدخل صوت الأم من الصالة وهي تنادي)
الأم (بصوت عالٍ): "ليان! تعالي ساعديني في ترتيب "النيش" (خزانة الأطباق الزجاجية)، سأخرج كل الأطباق القديمة!"
ليان : "يا إلهي.. النيش؟ سأكسر نصفه بالتأكيد!"
بدر (يضحك بخفة وهو يطفو نحو الباب): "لا تقلقي، سأقف خلفكِ. إذا كاد طبق أن يسقط، سأحاول توجيهه بالهواء.. لكن حاولي ألا تبدي كأنكِ تمارسين السحر أمام والدتكِ."
ليان (تخرج للممر : ، لا تتدخل ، فقط ابقَ بعيداً فقط ...
إلياس (بمرح): "في زماننا، كانت الأواني من الفخار والنحاس، لا تنكسر بسهولة مثل هذه القوارير الزجاجية التي تمسكينها بخوف."
ليان (تهمس بغيظ): "يا سيد إلياس، بدلاً من التعليق، تنحَّ جانباً. لو رأتني أمي أتحدث مع الهواء ستظن أنني أصبت بمس!"
الأم (تدخل المطبخ فجأة): "ليان! لما انتي بطئه اغسلي الاواني بسرعه
ليان (بسرعة وهي ترتبك): "اه نعم امي "
(إلياس يضحك بهدوء، ويقوم بحركة خفيفة بيده، فيتحرك غطاء القدر على الموقد ليصدر صوتاً يلفت انتباه الأم)
الأم (بذعر خفيف): "بسم الله الرحمن الرحيم! ما بال هذا القدر يتحرك؟"
إلياس (يهمس لليان): "أردتُ فقط مساعدتكِ في تشتيت انتباهها."
ليان (بين أسنانها): "مساعدتك هذه ستجعلنا ننتقل من البيت!"
(المكان: غرفة ليان. الضوء خافت، وإلياس يجلس في الهواء وكأنه يسند ظهره إلى جدار غير مرئي، ملامحه هادئة لكنها تحمل حزناً نبيلاً)
ليان (بفضول وهدوء): "إلياس.. أخبرتني عن والدتك شهزنان، لكن ماذا عن بقية عائلتك؟ هل كنت وحيداً؟"
إلياس (يصمت قليلاً وكأنه يسترجع شريط ذكريات طويل): "لا.. لم أكن وحيداً. كان لي أخ أكبر، يُدعى (ايليا ). كان هو السد المنيع لنا، وكان والدي يعتمد عليه في كل شيء. كنا من أغنى العائلات في هذه المنطقة، كانت بيوتنا واسعة وخيولنا أصيلة، والخدم يملأون الممرات."
ليان (بدهشة): "كنتم من الأثرياء؟ إذن كنت تعيش حياة القصور؟"
إلياس (يبتسم ابتسامة باهتة): "نعم، كنتُ أنا 'الابن المدلل'. لم يكن يُرفض لي طلب. منصور كان يتحمل المسؤولية، وأنا كنت أقضي وقتي في العلم تارة وفي المرح تارة أخرى. كنت أظن أن هذا النعيم لن ينتهي، حتى ذلك اليوم المشؤوم."
إلياس: "خرج والدي ومنصور في رحلة تجارية كبيرة. وفي طريق العودة، هبت عاصفة لم يشهد لها الزمان مثيلاً. انزلقت العربة من مرتفع صخري.. وفقدتُ السندين في لحظة واحدة. مات والدي وأخي الأكبر معاً."
ليان (بحزن): "يا إلهي.. وكيف تحملت شهزنان كل هذا؟"
إلياس: "هنا تبدلت الأحوال. تحولتُ من الشاب المدلل الذي لا يعرف من الدنيا إلا رغدها، إلى رجل يجب أن يحمي ما تبقى من كرامة أمه. شهزنان كانت جبلًا من الصبر، لكن الحزن سكن تجاعيد وجهها. لم يعد للمال قيمة في أعيننا بعد أن فقدن
فجأة، تلمح ليان شيئاً غريباً.. إلياس يحاول "تعديل" الستارة التي كانت مائلة قليلاً، لكن يده تمر من خلالها دون أن يحركها فعلياً، فيبدو كأنه يرقص بالهواء)
ليان (تضحك بخفة): "إلياس.. هل تحاول ممارسة مهام 'الابن المدلل' وتعديل الديكور؟"
إلياس (يتوقف بحرج وقور): "في الحقيقة.. كنت أحاول إبعاد هذه الستارة لأنها تحجب ضوء القمر الذي يذكرني بليالينا القديمة. لكن يبدو أن جسدي 'الشفاف' لا يسعفني دائماً."
ليان (بمزاح): "لا بأس، سأقوم أنا بذلك نيابة عنك يا سيد 'عظمة'. يبدو أنني أصبحتُ الخادمة الخاصة بالابن المدلل لعائلة شهزنان!"
إلياس (يضحك بهدوء): "على الأقل أنتِ خادمة مثقفة وتدرسين في الجامعة. في زماننا كان الخدم لا يتحدثون إلا بالسمع والطاعة."