الفصل الأول: رماد النيون وقيد الفئة E
في مدينة "لوكس"، لم تكن الشمس تغيب، بل كانت تُطفأ. الأبراج الشاهقة للقطاع الأعلى، المكسوة بزجاج الزمرد والنيون الساطع، كانت تحجب الضوء عن "القاع"؛ ذلك المستنقع المعدني حيث يعيش أستير. هنا، الهواء ليس أوكسجيناً، بل هو خليط من بخار الزيت المشحون وجزيئات المانا الصناعية التي تنهش الرئتين.
كان أستير، الشاب ذو العشرين عاماً، يسير بظهره المنحني تحت وطأة "صندوق التبريد" الثقيل. لم يكن مجرد عامل، كان "حمالاً" من الفئة E؛ الفئة التي لا تملك حق الاعتراض، بل تملك فقط حق الاحتراق لتشغيل آلات النخبة.
"أستير! أسرع! المنظمة لا تدفع لنا لنقف ونتأمل الصدأ!" صرخ المشرف وهو يلوح بسوطه الكهربائي.
لم يرد أستير. كان قد تعلم منذ زمن طويل أن الكلمات في القاع هي ترف لا يملكه. كانت عيناه الرماديتان مثبتتين على الأرض الملطخة بالبقع الزيتية، لكن عقله كان في مكان آخر.. في تلك الغرفة المظلمة حيث تنتظره ليليان.
عندما عاد إلى منزله – وهو مجرد حاوية شحن قديمة تم تحويلها لمسكن – استقبله صوت سعال متقطع وجاف.
"ليليان؟" همس أستير وهو يضع الصندوق جانباً ويسرع نحو السرير.
كانت الفتاة الصغيرة، ذات الثماني سنوات، تبدو وكأنها تتلاشى. ساقاها، اللتان كانت يوماً ما تركضان خلفه في أزقة القاع، أصبحت الآن مغطاة بطبقة من البلورات الرمادية الباردة. كان "مرض التبلور" يزحف ببطء نحو قلبها. في لوكس، هذا المرض هو حكم بالإعدام للفقراء، وعينة بحثية للأغنياء.
"أستير.. هل أحضرت الترياق؟" سألت بصوت خافت، وعيناها تلمعان ببريق غير طبيعي ناتج عن تشبع جسدها بالمانا الملوثة.
أخرج أستير حقنة صغيرة تحتوي على سائل أزرق باهت. "هذا سيهدئ الألم لليلة أخرى يا صغيرتي. أعدكِ، قريباً سنخرج من هنا."
كانت كذبة. كلاهما يعرف ذلك. الترياق الحقيقي يكلف ثمن قارة كاملة، والمنظمة – التي تدعي حماية البشرية – هي من تبيع الموت وتبيع العلاج في آن واحد.
في تلك الليلة، زاره صديقه الوحيد سيباستيان. كان وجه سيباستيان شاحباً، وعيناه تلمعان بتوتر غريب. "أستير، لقد أعلنوا عن مهمة جديدة. 'عملية سبر الأغوار'. أوزوالد بنفسه سيقودها. يقولون إنهم اكتشفوا بوابة قديمة في الكهوف المهجورة، ويبحثون عن حمالين.. الثمن هو علاج كامل لأي مرض تبلور."
أمسك أستير بياقة سيباستيان. "علاج كامل؟ هل جننت؟ أوزوالد لا يعطي شيئاً مجاناً. هؤلاء الحمالون لن يعودوا أبداً."
"وما هو خيارنا؟" صرخ سيباستيان بيأس. "ليليان ستموت خلال شهر! سأذهب أنا، وإذا لم تعد أنت أيضاً، فلن يبقى لها أحد."
صمت أستير. كانت كلمات سيباستيان مثل النصل الذي يغرس في جرح قديم. نظر إلى أخته النائمة، إلى البلورات التي بدأت تلمع تحت جلدها، وإلى يده الخشنة التي حطمتها الأحجار.
"سأذهب معكم،" قال أستير بصوت ميت. "لكن ليس لأجل المنظمة.. بل لأجلها."
في صباح اليوم التالي، كان أستير يقف أمام "البوابة". لم تكن بوابة سحرية كما في الأساطير، بل كانت شقاً أسوداً في الواقع، محاطاً بآلات ضخمة تضخ المانا لاستقرارها. وقف أوزوالد، القائد ذو الشعر الأشقر والدرع الذهبي الذي لا تشوبه شائبة، أمام الحمالين المذعورين.
"أنتم اليوم تمثلون الوقود الذي سيبني مجد لوكس القادم،" قال أوزوالد بابتسامة كانت تبدو لأستير كابتسامة مفترس. "ادخلوا، اجمعوا الأحجار السوداء، وستعودون ملوكاً."
دفع الحراس أستير ورفاقه نحو السواد المطلق. وبمجرد دخوله، لم يجد أحجاراً. وجد فراغاً يلتهم كل شيء. شعر بجسده يتمزق، وبأصوات تهمس في أذنه بلغة لا تفهمها العقول البشرية.
وفجأة، رأى أوزوالد يقف عند مخرج البوابة، يمسك بجهاز تحكم. "لقد انتهت صلاحيتكم يا فئة E. شكراً لكونكم 'الموصلات' البشرية التي نحتاجها لفتح هذا البعد."
أطلق أوزوالد نبضة طاقة أغلقت البوابة على أستير وسيباستيان. في تلك اللحظة، وسط الظلام الدامس، شعر أستير بخنجر أوزوالد يخترق صدره قبل أن يُقذف به في العدم.
"ليليان.." صرخ أستير، لكن صوته تلا تلاشى في الفراغ.
لم يمت أستير. بدلاً من ذلك، بدأت "الهاوية" تتسرب إلى جرح صدره. بدأت تمحو إنسانيته المكسورة وتبني مكانه شيئاً جديداً. شيئاً لا يشعر بالألم، بل يشعر فقط بالجوع.. الجوع للانتقام من عالم "لوكس" الذي باعه، ومن أي عالم يجرؤ على الوقوف في طريقه.
سقط أستير من السماء، مخترقاً سحب عالم "أرستوريا"، حاملاً معه غضب القاع وسواد الهاوية. كانت البداية لنهاية كل شيء.