في تلك الأثناء، داخل مكتب الدوق.
كان الصمت أثقل من المعتاد بعد خروج ليور، وقد احتفظت الغرفة بآثار غضبه.
لم يتحرك الدوق من مكانه، إنما ظل جالسًا بوضعه المعتاد، ظهره مستقيم، ويداه متشابكتان أمامه، لكن نظرته كانت شاردة للحظة قصيرة قبل أن يستعيد رباطة جأشه.
«ألا بأس بذلك يا سيدي؟»
تردد صوت روبرت، منخفضًا أكثر من المعتاد.
«ألن يكون من الأفضل إخباره الحقيقة؟»
«روبرت.»
رد الدوق بنبرة هادئة، تخلو من التوبيخ لكنها كانت كافية لإيصال إجابته.
«أجل سيدي.»
رفع الدوق نظره نحوه، عيناه ثابتتان، لكن التعب الكامن فيهما لم يعد خافيًا على خادمه القديم.
«برأيك، ما الذي سيحصل لو أخبرت ذلك الطفل بالأمر؟»
تردد روبرت قبل أن يجيب، كأنه يحاول اختيار الكلمات بعناية.
«ألن يحل هذا سوء—»
توقف.
توقف حين رأى الابتسامة التي ارتسمت على شفتي الدوق.
لم تكن ابتسامة سخرية، ولا رضا، بل ابتسامة مريرة، حينها فقط فهم.
«سيختار تحمل المسؤولية حينها.»
شعر روبرت بثقل الكلمات أكثر مما شعر به الدوق نفسه.
أسى على سيده، الذي يعرف جيدًا أنه يحمل أعباء أكثر مما ينبغي، وأسًى آخر على ذلك الطفل الذي لم يُمنح خيارًا حقيقيًا منذ ولادته.
كان ليور جادًا ومسؤولًا منذ صغره.
لم يكن طفلًا كثير الكلام، ولا كثير الطلب، تعلم الصمت باكرًا، وأن يراقب أكثر مما يشارك.
ربما لأن والده كان عبثيًا، حاضرًا جسدًا وغائبًا قرارًا، أو لربما لأن فقدان والدته ترك فراغًا لم يملأه أحد.
كبر ليور وهو يشعر أن عليه أن يكون البديل.
البديل عن الأم الغائبة، وعن المسؤول الذي لم يكن والده راغبًا في أن يكونه دائمًا.
تحمل أشياء لم تُطلب منه صراحة، لكنه فهمها دون أن تُقال.
وهذا بالضبط ما لم يُرد الدوق أن يتكرر.
لم يُرد لطفله أن ينمو وهو يحمل ثقلًا لا يناسب عمره.
لم يُرد له أن يُحبس داخل إرث لم يختره.
أراده حرًا، بعيدًا عن هذا الجحيم الذي صنعه بنفسه.
وكان هذا هو السبب الذي دفعه لإحضار ذلك الطفل إلى هنا.
«لقد أتيت.»
جاء الصوت خافتًا عند باب المكتب.
رفع الدوق نظره، وارتسمت على وجهه ابتسامة رسمية وهو يرى الطفل يقف متوترًا، كتفاه مشدودتان، ويداه متشابكتان أمامه بإحكام. أشار له بالجلوس دون أن ينهض من مكانه.
لم يكن اللقاء حميميًا.
الطفل لم يرفع بصره عن الأرض ولو مرة واحدة، كأنه يخشى أن يُخطئ بالنظر.
والدوق، رغم كونه من أحضره، لم يوجه له نظرة دافئة، ولا كلمة تطمين.
كان لقاءً باردًا، محسوبًا، يخلو من العاطفة.
ربما لو امتلك ليور شيئًا من الخبث، قدرًا يدفعه للتنصت خلف الأبواب، لأدرك الحقيقة في وقت أبكر.
لكنه لم يكن كذلك.
كان صادقًا أكثر من اللازم، مستقيمًا أكثر مما ينبغي، ولهذا، لم يكن أمام الدوق خيار آخر.
كان عليه أن يحمي طريق ولده.
حتى لو عنى ذلك… التضحية بالآخرين.
.............
وفي النهاية مساء تلك الليلة، أمضى الدوق وقته في صومعته العالية حيث لا يصل صوت إلا حفيف الشجر البعيد. كان القمر بدرًا كاملاً، يغمر الغرفة بضوء فضي بارد، فيغسل الأثاث دون أن يدفئه.
جلس في كرسيه الوثير، والكتاب الثقيل مفتوح على حضنه.
يقرأ بعبوس مع نصيبه من الألم المطبوع على صفحات الرواية.
لكن وعلى خلاف خيالات ليور التي صاغها وعيه المتعب على شكل أحلام مضطربة في غرفته الباردة، كان الدوق غارقًا في أوهام أخرى، نسجها بنفسه بين سطور الكتاب التي قرأها مرارًا.
وبعد أن تأثرت ملامحه، واحمرت عيناه بدمعة واحدة تلمع ولم تسقط، أغلق الكتاب بين يديه وهو راضٍ عن هذه النهاية أيما رضى، وتنهيدة طويلة هادئة خرجت من صدره.
الفتاة التي تخلت عن عائلتها الحقيقية السيئة واختارت والدها بالتبني، ثم اللحظة التي يسلم الأب يداها إلى الذئب الذي يسرقها بعيدًا… كانت تثير في نفس الدوق مشاعر مختلطة، أشبه بشراب حلو مر ينساب في حلق جاف.
وضع الكتاب جانبًا، وراح ينقر بأصابعه على سطح المكتب الخشبي. نقرات غير منتظمة. أفكار تأتي به وأخرى تذهب، لا تستقر.
في النهاية، غير قادر على الهدوء الذي يلي عادة القراءة، نهض من كرسيه بضجر واضح واتجه نحو الخارج.
سار عبر الممر الهادئ في سكون الليل الحالك. قنديل واحد بعيد يلقي بظل طويل له. قاطع مسافة ليست بالطويلة، إذ أنه وعلى بعد خطوات من نهاية الممر، كان باب غرفة روبرت المغلق.
كان روبرت نائمًا في فراشه الضيق، محتضنًا وسادته بذراعين قويتين، مع شخير منتظم وخافت.
اقتحم الدوق الغرفة بقوة، الباب انفتح ليصطدم بالحائط بصوت مكتوم.
اقترب من سرير روبرت، نظر إليه للحظات وهو يغط في نوم عميق، فهز رأسه ونقر لسانه بتعبير لا يخلو من استياء.
ثم مد يده وسحب الغطاء من عليه في حركة واحدة خشنَة، موقظًا إياه بالصدمة والبرودة.
روبرت الذي لم يع بعد شيئًا مما حوله، قفز جالسًا في السرير، قلبه يخفق بسرعة. راح يبحث بيدين مرتعشتين بالنعاس عن نظاراته على المنضدة الجانبية. وضع العدسات السميكة على عينيه، والعالم المشوش الذي حوله بدأ يستقر رويدًا رويدًا.
كان المشهد الأول الذي رآه بوضوح هو الدوق الواقف أمامه في ثياب النوم، مع ابتسامة واثقة ومدروسة على وجهه، كما لو كان الوقت ظهيرة وليس وقت السحر.
تأرجح بصر روبرت عدة مرات بين الظلام الأسود خارج النافذة، والساعة الخشبية القديمة جانب سريره التي تشير بإبرتيها إلى الساعة الرابعة بعد منتصف الليل، ثم عاد إلى وجه الدوق المبتسم الغافل عن الجرم.
وبعد لحظات من استيعاب الوضع أخيرًا، استطاع أن يُذهب عنه نومه مرغمًا.
نهض روبرت من على الأرض حيث سقط، وألقى بالوسادة التي كان لا يزال يحتضنها حتى برهة قصيرة بعيدًا على السرير بتعبير يشي بالاستسلام.
ثم اتجه إلى مكتبه الصغير في زاوية الغرفة، وبدأ يبحث ضمن درجه العلوي عن شيء ما. والدوق ينتظره واقفًا في منتصف الغرفة، بصبر وفضول طفولي.
«ما الذي تفعله؟» سأل الدوق، رأسه مائل.
«انتظر لحظة رجاءً.» رد روبرت بصوت أجش مليء بالنعاس المكبوت.
أخيرًا ارتخت تعابير روبرت وقد عثر على ضالته. رفع الورقة القديمة المتجعدة لزاوية يسلط عليها ضوء القمر الآتي من النافذة بوضوح، ثم راح يدقق بمحتوياتها، إصبعه يتبع الكلمات الباهتة.
وما إن انتهى حتى وضعها جانبًا على المكتب، وهز رأسه ببطء، نظارته تلمع في الظلام.
«سموك.»
«ماذا؟» قال الدوق، خطى خطوة أقرب.
«لقد تأكدت أنني لم أوقع عقد عبودية.» قال روبرت بنبرة جافة مسطحة.
بدا أن الدوق لم يفهم شيئًا من تهكم روبرت، أو ربما اختار ألا يفهم. نظره كان مشتتًا يبحث عن شيء أكثر إثارة في الغرفة.
«ما الذي تتحدث عنه؟»
تنهد روبرت تنهيدة طويلة تعب فيها من عمره كله. ثم قدم الورقة العتيقة بينهما إلى الدوق.
وضع إصبعه بشكل خاص ومؤكد باتجاه جملة واحدة مكتوبة بخط صغير: "ساعات العمل: من السابعة حتى الغسق، مع استراحة مناسبة."
«سموك،»
قال روبرت، وصوته يحمل كل حلم الأرض، «ألا تعتقد أن الوقت تأخر جدًا، بل قد فات، لنتكلم؟»
«أجل،» رد الدوق بسهولة، كأنه يعترف بحقيقة طبيعية كشروق الشمس.
«ولكنني سأنسى في الصباح على أي حال. لذا اغسل وجهك واتبعني. إنه الفجر تقريبًا. لا جدوى من نومك بضع ساعات أخرى.»
قال الدوق ما عنده بكل بساطة، ثم التفت وتوجه بخطوات خفيفة نحو الباب متوقعًا الطاعة.
غير آبه بما يشعر به مساعده المسكين، ومتجاهلًا ببراعة تعبير روبرت الصامت الذي كان يصرخ بالاستعباد والظلم.
إنها لموهبة حقًا، أن تكون قادرًا على إخراج أسوأ ما في البشر، أن تحفر حتى تصل إلى ذلك الجزء المتعَب المكبوت الذي يريد أن يصرخ ويشتم ويهرب. موهبة نادرة.
وكان الدوق، للأسف أو للفخر، مُنعمًا بهذه الهبة أيضًا، ويستخدمها بمهارة فائقة على أقرب الناس إليه.
..........
بعد لحظات كان روبرت واقفًا في منتصف مكتب الدوق، برداء نومه المخطّط باللون الأزرق الباهت، محتضنًا وسادته البيضاء تحت إبطه كدرع.
تثاؤبه كان عميقًا ومتكررًا، يملأ الصمت بين كلماته. عيناه المتعبتان خلف النظارات كانتا تشيران إلى أن عقله لم يصل بعد من عالم الأحلام.
«إذًا سموك... لم أيقظتني في هذا الوقت من الليل؟»
لم يجب الدوق بسرعة. ظل صامتًا برهة من الوقت، جالسًا في كرسيه وهو يدير وجهه نحو النافذة المظلمة، كأنه يستجمع أفكاره من الظلام الخارجي.
ثم التفت أخيرًا.
خرجت الكلمات ببساطة. ومع كل كلمة تالية كان فم روبرت يفتح أكثر فأكثر، حتى كاد فكه السفلي يعانق صدره.
كان هناك فكرة واحدة فقط تجول في باله، تدور كالدوامة وتنمو مع كل جملة يسمعها.
«سموك...» بدأ روبرت، صوته خليط من النعاس والذهول، «هل... هل جننت؟»
تسربت أفكاره تلك نحو الخارج بصوت مسموع، لينظر له الدوق في لحظة صمت أخرى. ثم بدأ الضحك.
ضحكة خفيفة، مكتومة، تحمل شيئًا من الاعتراف والاستمتاع.
«الحياة بلا أكشن ليست ممتعة، ألا تدرك هذه الحقيقة البسيطة حتى؟ »
نظرة روبرت نحوه كانت فارغة من الفهم، مليئة بالتعب.
«أنا أبلغ من العمر ما يكفي لأقدّر متعة النوم العميق، سموك.»
«آمل فقط،» قال روبرت وهو يرفع يده ليدلك جفنيه،
«ألا يتحول هذا الأكشن لفلم رعب قصير... عن ولد قتل أباه.»
ضحك الدوق على ردة فعل روبرت المبالغة، ضحكة أصدق هذه المرة.
«هههه! ما الذي تتحدث عنه؟ ليور؟ لن يفعل ليور ذلك، هو طيب القلب. هل... هل سيفعل؟»
توقف للحظات. ابتسامته تلاشت قليلاً. عدل جلسته في الكرسي، وكأن الإدراك أتاه متأخرًا بعض الشيء.
عيناه اتسعتا قليلاً وهو يتخيل السيناريو.
«... أعتقد ذلك،»
همس أخيرًا، أكثر لنفسه منه لروبرت.
نظر روبرت إليه، وقد زال النعاس من عينيه وحل محله اليأس والشفقة من حال سيده.
«هل أزيد الحراسة؟»
«تقبل مصيرك فقط..ياسيدي»
قطع روبرت كلامه بنبرة استسلام، تحمل قناعة تامة.
ورغم كل شيء، رغم النظرة القلقة لمساعده الذي يريد فقط العودة إلى سريره... عزم الدوق على المضي قدمًا في قراره.
لا، في الحقيقة، لم يكن هناك عزم. كانت الفكرة قد استقرت. بالأساس، لم يكن لديه خيار آخر.
كانت تلك هي الطريقة الوحيدة. الطريقة الوحيدة لتصحيح خطأ قديم. الطريقة الوحيدة لإنقاذ شيء ما، أو ربما شخصين، من السقوط في هاوية لم يعد يستطيع هو نفسه الخروج منها.
............
hind