كانت سماء المدينة باهتة، بلون الثياب التي غُسلت ألف مرة حتى فقدت روحها. في ذلك الزقاق الضيق الذي لا تصله الشمس إلا دقائق معدودة، وقفت "سَدى" أمام عتبة بيت جدتها التي اختفت منذ سنوات . لم يكن الحزن هو ما يثقل صدرها فحسب، بل كان ذلك المفتاح النحاسي الثقيل الذي تقبض عليه في كفها، وكأنه قطعة من الجمر.
دفعَت الباب، فصدر عنه أنينٌ طال كبتُه. رائحة الغرف المغلقة استقبلتها بجفاء؛ مزيج من بخور "الجاوي" القديم ورائحة القماش المركون منذ سنوات. كل شيء في البيت كان صامتاً، لكنه صمتٌ "مراقب"، كأن الجدران تنتظر منها خطوة معينة.
خطت سَدى لداخل الصالة الصغيرة، كانت عيناها تتجنبان الزاوية المظلمة في نهاية الممر، الغرفة التي كانت الجدة تقضي فيها لياليها، الغرفة التي كانت تسمع منها صوت طقطقة غريبة لا تشبه صوت الماكينات العادية.
تذكرت كلمات جدتها التي تركتها لها في إحدى الورقات قبل أن تختفي:
"يا سَدى.. نحن لا نخيط القماش لنستر الأجساد، نحن نخيط لنستر الثقوب التي في وجه القدر. الماكينة في الغرفة الموصدة هي إرثكِ.. وهي لعنتكِ إن لم تدركي متى تتوقفين عن الغرزة الأولى."
وقفت سَدى أمام باب الغرفة. وضعت يدها على المقبض، وشعرت ببرودة تسري في عروقها. لم تكن خائفة من الظلام، بل كانت خائفة من تلك "النداهة" التي تسكن الآلات القديمة.
أخذت نفساً عميقاً، وأدارت المفتاح.. تكة.. اثنتان.. ثم انفتح الباب.
في منتصف الغرفة، وتحت غطاء من الكتان الأبيض الذي تراكم عليه الغبار، كانت تقبع "مكينة الخياطه" في انتظارها. لم تكن مجرد آلة خياطة، بل كانت تبدو في الظلام وكأنها وحشٌ معدني نائم، ينتظر فقط خيطاً واحداً ليعود إلى الحياة.
تقدمت سَدى خطوات قليلة داخل الغرفة، كان صوت أنفاسها هو الشيء الوحيد المسموع. الغرفة كانت ضيقة، جدرانها مغطاة برفوف خشبية متهالكة تحمل لفافات من قماش "الكتان" الباهت، وبكرات خيوط بألوان لم تعد موجودة في الأسواق الآن؛ ألوان تبدو وكأنها سُحبت من غروب شمس قديم أو من قاع محيط عميق.
توقفت أمام الكتلة المغطاة بالكتان الأبيض. مدت يدها، ترددت لثانية، ثم قبضت على طرف القماش وجذبته بقوة.
تصاعد غبار كثيف جعلها تسعل، ومع انقشاع الغبار، ظهرت "الجميلة السوداء".
كانت ماكينة خياطة من حديد صلب، مطلية باللون الأسود اللامع الذي لم ينطفئ رغم السنين. لم تكن تشبه ماكينات الحيّ؛ كانت أضخم قليلاً، ومنقوشة بماء الذهب برسومات غريبة.. لم تكن وروداً، بل كانت تشبه خرائط فلكية، أو مسارات لنجوم لا تظهر إلا في أحلام المتعبين.
الإبرة.. كانت الإبرة هي أغرب ما فيها. لم تكن من الفولاذ العادي، بل كانت شفافة كأنها منحوتة من قطعة "ماس" خام، تلمع بوميض خافت حتى في هذا الظلام.
مررت سَدى أصابعها على العجلة الجانبية، كانت ثقيلة ومطيعة في آن واحد. وفجأة، لاحظت شيئاً جعل قلبها يسقط في قدميها. تحت الإبرة مباشرة، كان هناك قطعة قماش صغيرة متبقية، قطعة من "الحرير" بلون أحمر قاني، وكأن الجدة كانت تخيط شيئاً ما قبل أن ترحل بلحظات.. لكن القماش لم يكن به ثقوب، كان يبدو وكأن الإبرة تخيط فوقه لا داخله.
همست سَدى بصوت مبحوح:
"ما الذي كنتِ تفعلينه يا جدتي؟ ولمن هذا الثوب؟"
في تلك اللحظة، تحركت العجلة حركة واحدة بسيطة من تلقاء نفسها، وصدر عنها صوت "صرير" معدني حاد، كأنها ترد على سؤالها.
تجمدت أصابع سَدى فوق العجلة. ذلك الصرير لم يكن مجرد احتكاك معدن، بل كان أشبه بتنهيدة مكتومة خرجت من جوف الآلة. استجمعت شجاعتها، وقررت ألا تهرب؛ فالفضول الذي ورثته عن جدتها كان دائماً أقوى من خوفها.
سحبت كرسي الخشب القديم وجلست. كان الكرسي منخفضاً، مما جعلها في مواجهة مباشرة مع تلك الإبرة الماسية التي بدأت تعكس ضوء عينيها المرتجفتين. وضعت قدمها على الدواسة الحديدية في الأسفل، كانت الدواسة باردة، وبرودتها تتسرب عبر حذائها الرقيق.
"مجرد غرزة واحدة.. لأرى إن كانت لا تزال تعمل،" حدثت نفسها بصوت مسموع لتبدد وحشة الصمت.
أمسكت بطرف الحرير الأحمر القاني المتروك تحت الإبرة. كان ملمسه غريباً، ليس كالحرير الذي تعرفه، بل كان دافئاً، وكأن حرارة جسدٍ ما لا تزال عالقة بين أليافه. وببطء شديد، ضغطت بقدمها على الدواسة، وأدارت العجلة بيمينها.
تيك.. تيك.. تيك.
بدأت الماكينة بالعمل. لكن الصدمة كانت في "الخيط". لم يكن هناك بكرة خيط فوق الماكينة، ومع ذلك، كان هناك خيط يخرج من ثقب الإبرة! خيط شفاف، يكاد لا يُرى، يتوهج بوميض أزرق خافت جداً.
ومع كل غرزة تغرسها الإبرة في الحرير الأحمر، كانت
سَدى تشعر بوخزة خفيفة في صدرها، وكأن الإبرة لا تخيط القماش، بل تسحب شيئاً من أنفاسها هي.
فجأة، بدأت قطعة الحرير تتغير. لم تعد مجرد قطعة مربعة، بل بدأت تتقلص وتتمدد تحت الإبرة، وتتشكل ببراعة يدوية لم تلمسها سَدى قط، لتتحول إلى شيء يشبه "ياقة قميص" ملكية صغيرة، مطرزة بنقوش لم ترسمها
سَدى، بل رسمتها الماكينة وحدها.
انقبض قلب سَدى، وحاولت رفع قدمها عن الدواسة لتتوقف، لكن الدواسة كانت قد علقت! الماكينة الآن تعمل بسرعة جنونية، والإبرة الماسية تتحرك كالمجنونة صعوداً وهبوطاً، والخيط المشع يزداد توهجاً حتى ملأ ضوؤه أركان الغرفة المظلمة.
وفي وسط هذا الضجيج المعدني، سمعت صوتاً هامساً يأتِ من خلفها مباشرة، صوت يعرفه قلبها جيداً:
"لا ترفعي يدكِ الآن يا سَدى.. الغرزة التي تبدأ، يجب أن تنتهي، وإلا انقطع خيط العمر."
التفتت سَدى برعب، لكنها لم تجد أحداً.. الغرفة كانت خالية، إلا من رائحة بخور الجدة التي فاحت فجأة وبقوة.
يُتبع
شهد فؤاد