الظلام يحيط بتلك الأم و ابنها، يختبئان داخل فجوة في أحد أشجار الغابة، كانت هي تراقب انعكاس القمر على ملامح الطفل الصغير التي أرهقها التعب و الضغط، يضم نفسه من البرد، بينما هي تحتويه بحضنها.
رفعت رأسها تدعو الإله بتضرع، لينجيهما من بطش جنود سكاتلاروس الذين يبحثون عنهما في كل مكان.
" أمي، سنكون بخير، أليس كذلك؟ " سأل طفلها فجأة لتنظر له،..، حاولت كبح مشاعر الخوف و القلق و دستها في قلبها، بينما اظهرت ثقة مزيفة لتومئ برأسها و تقول محاولة السيطرة على ارتجافها: " أ.. أجل، سنكون بخير، لذا يا بني، عد الأرقام، و عندما تشرق الشمس، سيكون كل شيء على ما يرام. "
أومئ برأسه و أغلق عينيه يعد الأرقام، اقشعر جسدها حزنا، ارهقها الكمد و زاد الضيق من حالها بؤسا،..، مزق منظر ابنها فؤادها، هو لا يستحق ذلك، هو الآن يتقاسم عقاب خطيئة هي ارتكبتها.
هي من أخطأت،..، هي من تزوجت برجل فايسانوري و ابنها من لعن!
" ها هما! لقد وجدتهما! " صراخ جندي دوى داخل مسامعها،..، وهن جسدها وهلة لتجعلها الصدمة ثابتة بلا حراك.
" أمي،..، أمسكوا بنا. " قالها و هو يشد بيده الصغيرة على ثوب والدته، بنبرة يائسة، مستسلمة، منهزمة، متعبة، كأنها نغمة هادئة لخلفية نهاية حزينة،..، عُزِفت مقاطعها على أنامل الرياح التي تتراقص، مضيفة لمسة كئيبة لتفاصيل الشتاء الذي أطلق برده ليستقر في عظامه، عظام الضحية الملعونة، التي تنتظر جوابا من والدتها التي لم تفعل شيئا سوى أنها أسقطت دمعة يتيمة..
تحولت تلك الدمعة لمطر غزير، ينهمر بأسى على تلك النهاية المأساوية لتلك القصة التي أتعبت أبطالها.
ضمت ابنها لصدرها تمسح ظهره برفق، فكت العناق لتلمح عيناه اللامعتان، قبلت جبينه، قبلة وداع،..، ليدفن رأسه مجددا في أحضانها يستنشق رائحتها، يحاول حفرها في ذاكرته..
" سأقاتلهم وحدي، و أهرب أنتَ من هنا، سألحق بك بعد قليل. " تلفظت ببرود لينظر لها هو، ربتت على رأسه مردفة: " ثق بي، سأهزمهم و سألحق بك،..، فقط أهرب، أهرب ولا تلتفت ورائك. " صمتت تبعده عنها محاولة الخروج،..، أما هو، فلم يودعها، لم يعترض، هو فقط تركها تفعل ما تشاء،..، فقط لأنه لسبب ما وثق بها، وثق بأن الصباح سيأتي و سيكمل حياته مع أمه، و سيخرجان من سكاتلاروس،..، ليعيشا بعيدا كل البعد عن هذه الحياة.
أما هي، فقد خرجت و أخيرا تظهر نفسها لهم ليخرجوا هم سيوفهم،..، الشرار يتطاير من كل جانب، هالة سوداء كظلمة قدرتها تحيط بها،..، صرخت بكل ما تملكه من قوة: " الآاااان! أهرب! "
-----------
كانت تلك الإشارة التي جعلته ينطلق بدون وجهة،..، ضوء القمر يرشده للمجهول، أصوات مخيفة ترعبه، اغصان الأشجار تمزق ثوبه تارة و تجرحه تارة أخرى، تعثر ساقطا لينهض..
نباتات تحيط به، توجه لأحد الأشجار ليجلس كالقرفصاء تحتها،..، أغلق عينيه و عد الأرقام من جديد،...
-------
نسمات الصباح الباردة تلامس بشرته الشاحبة برفق، استيقظ على أصوات تفاصيل الطبيعة و قد انقطعت ذكريات ليلة أمس لوهلة..
ثم توالت تلك الذكريات تمر في عقله كشريط لا ينقطع، ما دفعه لينهض مفزوعا يتفحص المكان يبحث عن والدته،..، لكنه لم يجدها بجانبه كما وعدته.
ركض دون وجهة في الأرجاء، قلبه يكاد يخرج من قفص صدره من شدة الفزع و الرعب الذي يسكنه، تجمعت تلك الدموع في عينيه بينما آلاف الاحتمالات تدور في ذهنه.
و كان منظرها و هي مستلقية وسط بركة دماء،..، الأمر الذي نزل كالصاعقة التي أسكتت كل شيء في رأسه.
تقدم نحو جثتها التي كانت بين جثث الجنود، خنجر طعن صدرها و حرمه منها، جثا على ركبتيه و أخذ ينهش ببكاءٍ مكتومٍ متعبٍ.
أمسك يديها الباردتين و هو ينظر لها بنظرة رجاء منقطع، قائلا بصوت مرتجف، يعبر عن الخذلان الذي اعترى روحه:
" أمي.... حبا في الله، بربك إستيقظي... "
دفن رأسه بين عنقها و رأسها، مسح على شعرها التي جفت فيه دمائها، ليصرخ مختنقا بمزيج من مشاعر... مشاعر لا يحتملها ذاك القلب الصغير، النقي،..، الذي كانت مشاعر الكراهية تلطخ نقائه بظلمتها.
" أمي!.. لا تتركيني!.. لا أطيق الدنيا بدونك! أرجوك أمي لا تموتي! ألم تقطعي وعدا بأنكِ سأتين إلي؟ ألم تقولي أنك ستأتين ثم نهرب معا و نعيش حياة سعيدة؟ لما لحقتِ بوالدي و تركتني هنا؟!.. هم يقولون عني أنني ملعون! أنا لا أحبهم! لا أريد البقاء معهم! أمي... "
صمت بعدما قال عباراته كلها مرة واحدة، لينهض مصدوما،..، سار ذهابا و إيابا حتى ارتكز أمام جثتها، التفت و قرفص ليعد الأرقام.
إن عقله الصغير ، لم يحتمل منظرا كهذا فراح يوهم نفسه بتخيلات، بأن يلتفت ثم يشعر بها تطبطب على ظهره فيلتفت لها، ثم تعانقه و هكذا ينتهي هذا المشهد بنهاية سعيدة، رسمها بفرشاة الوهم و الأحلام السعيدة التي تنافي قساوة الواقع.
و لأنه لا يعرف سوى العد من الرقم واحد للعشرين، بقي يفعل ذلك لساعات، ثم انطفئ بريق نهايته السعيدة، ثم التفت، ثم تنهد، ثم حاول أن يتقبل، ثم أكمل بكاءه الذي كان عزائه الوحيد.
ثم مات قلبه فنهض يحفر قبر والدته بيديه، ليدفن شخصا كان الوحيد الذي يراه إنسانا،..، لا لعنة..
احتل الحقد قلبه النقي و استوطنه،..، ليلف سلاسله حوله مرتكبا مجزرة بحق طفولة ذلك الصبي، اظلمت حدقتاه و انعكس الغل فيهما،..، نظر للسماء التي رصعت بالنجوم ثم مسح على تراب قبر والدته ليقول بصوت منخفض، هادئ،..، يحمل من التهديد و الوعيد ما يختلف تماما مع ملامحه الطفولية البريئة: " أقسم لك،..، بالرَّب خالق السماء،..، أماه،..، أني سأروي قبركِ من دمائهم!.. من دماء أولئك المسوخ جميعا!.. لأقتلنَّهم جميعا! لأجعلنهم يعيشون الجحيم جميعا! أقسم لكِ... أقسم لكِ!"
---------
جلس على عرشه المهيب يضع قدما فوق قدم، يصوب عيناه الميتتان نحو اللاشيء، سمع صوت خطوات أقدام، فعلم أنه قادم..
" هل كل شيء جاهز؟ "
" أجل.. سيدي. "
يتبع....