الفصل الأول

الفصل الأول

17 0

محاسن الصدف _الفصل الأول

______________________________________

الإهداء:

إلى كلِّ ساعٍ لطرقِ التعافي، ولهفواتِنا الكثيرةِ جدًا في إصلاحِ أنفسنا.

ولصديقاتي اللاتي هدَّدنني مرارًا بالقتل إن لم أُتمَّ هذا العمل،

والزمنِ الذي خضتُ فيه كتابةَ هذا المحتوى، وكلِّ الأحداثِ التي مررتُ بها أثناء تلك الفترة.

_شام الصياد ( خديچة حمدان )

_______________________________________

لكل انسان ثلاث حيوات : حياة عامة ، حياة خاصة ، وحياة سرية

-غابرييل غارسيا ماركيز

_______________________________________

الأربعاء ، قبل صلاة العيد ،

يستعد أفراد الأسرة صباح يوم العيد للخروج، بينما تجلس هي في ملل على سريرها بعدما نجحت بصعوبة أن تظل في المنزل وحدها، تنتظر في لهفة تتمنى لو يسارعون في الرحيل وأن يدعوها وشأنها ولو لبعض الوقت.

لم تكن فكرة الجلوس وحدها تغريها، بل وتخاف منها، من تلك الوساوس وهذه الأفكار التي لا تهدأ سوى بالتنفيذ أو بخبط رأسها بعرض الحائط، لكن الجلوس وحدها هو بالطبع أرحم من تذمر والدتها وشكوتها وتجريحها طول الوقت، أرحم بالطبع من صراخ أختها وبكائها العالي طوال الوقت، أهون من عبارات والدها القاسية التي تخرج إليها كمادة تحرق جلدها بلا رحمة حين يتلفظ بإحدى عباراته، جلوسها وحدها رغم مساوئه ورعبه يضمن لها بعض الراحة، ولو كانت راحة غير كاملة، لكنها راضية ولو بالقليل.

---

طلع النهار، يبدو أنهم سيتأخرون، تشعر بالوحدة.. تفكر في النوم، لكنها تقلب في هاتفها بلا مغزى، مجهول قد أرسل لها رسالة طالبًا للتعارف، يا للـحماس! شيء مسلٍ أخيرًا للقيام به.. بالإضافة لكونها وحيدة في المنزل! لكنها تتردد قليلًا لشعورها بالتعب وغلوب النعس..

المتعة إذا أم الراحة؟

---

الأربعاء، الثانية عشرة ظهرًا

عاد الأهل وانتهت المكالمة، أجل.. كلمته، وانتهت معها قدرتها على الصمود، النوم يغلب قدرة جفونيها على مواصلة الشروع..

محادثة عابرة مع غريب من أحد مواقع التواصل الاجتماعي بلا أي هدف تحولت إلى مئة وخمسين مرة "أحبك" منذ الساعتين الأوليين من الكلام...

ساعة فراغ من عمر الإنسان قد تهلك شعوبًا كما تعلم، الفراغ يقتلنا، يستعبدنا... لذا، بدلًا من أخذ قيلولة قررت أن أحدث غريبًا ثم أحذفه. تحمست... اندفعت... وأي شيء قد يعجب شابًا يحمل من الجفاء العاطفي أكثر من فتاة عابرة لا يدرك من أين خرجت، شديدة الاندفاع، كثيرة الضحك؟ هكذا... أخبرني أمجد أن شخصيتي "تجنن"... وهكذا أرسل صورته، هكذا كان شكله يُهلك الحجر!

أما كان يكفيه أن يكون حسنًا؟ أكان عليه أن يكون قاتلًا أيضًا؟ أعجبني... هو، وضحكته، وطبيعته، ولهجته، وشكله، وبالطبع إعجابه بي من أول نصف ساعة - كان ذلك يرضي غروري للغاية.

كان أمجد مدخنًا شرها، كان يسعل بعد كل كلمة، حتى إنه اشترى علبة تبغ جديدة فورا حين انتهت تلك التي كانت معه بينما يحدثني، من شدة سعاله أسمع زمجرة مرعبة تخرج منه، كأنها خوار مرعب، تتعبه وتخيفني، كأنه على وشك السقوط ميتًا الآن!

كان وجوده مسليًا، خفيف الظل، مهزار، يكثر من القصص وكانت تلك "المسرحية" التي أمثلها تعجبني لذلك أجلت حذفه وقطع صلتي به لوقت لاحق، إن المبادئ حين نستمر بكسرها تكون أضعف من قدرتها على إيقاف سخافاتنا التي لا حدود لها فيما بعد.

---

يخرج أمجد قصير القامة، رشيق البنيان، من دوامه المهلك، يشعل آخر سيجارة بعلبة تبغه، يتأفف بشدة؛ كم مرة عليه أن يشتري علبة تبغ في اليوم الواحد؟ يكاد يذهب مال عمله كله على السجائر وحدها، تعب من فشله، تعب من نظرات أهله والناس من حوله له، تارة نظرات شفقة وتارة أخرى نظرات تقليل أو شماتة.

يجر أذيال الخيبة ذاهبًا لمطعم الدجاج المقلي الذي اعتاده، حتى إنه صادق موظف التحضير وصاحب المطعم، زبون مخلص، يذهب بالطعام لمسكن العزاب الذي يسكنه برفقة بعض الشباب منذ نقل لمحافظة أخرى للعمل، وبالطبع لم ينسَ شراء من علب التبغ ما يكفيه لغده وزيادة، إن لم يشرب سيجارته قد يموت أو يَقتل.

يفتح هاتفه بينما يضع الشطيرة في فمه بنهم، يرسل لـ"مفاتن"، يدخل أصدقاؤه إليه يشدونه حتى يصلي المغرب معهم، حمله محمود وعلي من كتفيه بينما تكفل يوسف برفع رجليه، إن من في حجمه لا يشقى حامله، ضجيجهم يزعجه، وبين شد وجذب والحاح، يماطل ويتحجج ويسوف، حتى ملوا منه فتركوه وذهبوا هم للصلاة، يشغل سيجارته في ضيق وراحة في آن واحد، بينما ينتظر رد الفتاة.

---

رجعتِ للتدخين؟

تلف رأسها في هدوء، إنها فاطم، أختها، شهيدة مصائبها، تبتسم في هدوء، قالت: لا.. احتجت فقط لسيجارة بينما أرسم، احتاج إلى الإبداع.

تنظر لها في يأس: أكلتِ؟

= لا، نسيت.

العشاء جاهز إذا.

= هلّا أحضرتِ لي حصتي هنا؟

أمي ستغضب.

= لست جائعة إذا.

---

تخرج فاطم في ضيق، تحمل من الطعام اختلاسا لأختها. تفتح الباب في هدوء، تضع بعض المال في يد أختها، تزامنًا مع وضعها للطعام والماء بجانبها في هدوء وبعض الضجر، تبتسم لها الفتاة بينما ترسل "قبلة عبر الهواء" لفاطم، التي تخفي تبسمها حتى توضح أنها "منزعجة". تخرج، وتخرج معها الأواني والأطباق الفارغة التي دفنوا في إهمال في غرفة لا تعرف عن الترتيب شيئًا. تعرف يقينًا أنها إن لم تطعم أختها قد تتعرض لسوء تغذية أو الموت جوعًا، تبتسم حيث أضحكتها أفكارها الداخلية، محملة هي بالشفقة لأختها، تخاف عليها، حزينة من أجلها.. غاضبة منها، لكنها تعذرها، الأبطال فقط هم من يصرون على الطيبة رغم سيادة الشر، وعلى الصمود رغم ما ناله الضرر منهم، وأختها ببساطة، ليست ببطلة.

---

تسرح فيما تملكها من الأفكار، بينما يوقظها صراخ والدها: "إنها المرة الخامسة التي أناديك! ما خطبك؟ أطلقك زوجك أم خانك حبيبك؟! صبي لي الماء تصحبك اللعنة، أصابني من الغضب وأنتِ في عالم موازي!"

تصب له من الماء في عجل، تعتذر له، الشرود هنا غير مسموح، تبتسم، أختها تعرضت للكثير بالفعل، تجلس على مائدة الطعام لتأكل بلا اشتهاء، كيف للمرء أن يعيش دون الحاجة للأكل؟ وأين متعته الطعام، شهوة الطعام، تلك التي أوجعوا لنا رؤوسنا بذكرها؟

---

في زاوية أخرى تنهي الفتاة رسمتها، تجسيد فني عن مشاعر الغضب المكبوتة، يا للعبث، لماذا قد يشتري الناس رسم الآخرين؟

تعرض اللوحة على الإنترنت واضعة تحتها الرقم الكبير، هي تحسب كم من التبغ شربت، كم ساعة قضت، مع سعر اللوحة والألوان، ما حجم اللوحة، مع مستوى فني رفيع وأفكار مبتكرة بالفعل، قد يضعها صاحب شركة في غرفة الاجتماعات حتى يتفاخر بها في بلاهة أمام موظفيه مدعيًا حساسيته وحبه للفن وانتمائه له.

لا تهتم كثيرًا بالتطوير، لا تشغل رأسها كثيرًا في تطوير عملها، هي في وضع البقاء الآن، تفرج عن شعرها، كأمواج سوداء، يداها ملطختان بألوان زيتية، تفتح هاتفها، التقت عشرات الصور، التي تمتاز بالعشوائية، حتى ترسلها فيما بعد لصديقاتها.

تضع السماعات، تنتبه لرسالة أمجد، ذلك السخيف، تسأل نفسها: "هل أحضره؟ أم أنتظر لتلقي بعض المتعة؟"

لا تهتم، تضع السماعات، ترفع الصوت، حياتها تدعو للسخرية، تليق بأغنية تحفيزية يسمعها الفشلة ثم يخلدون إلى النوم مباشرة دون عمل أو إنجاز يذكر، تليق بوعود لن توفى أبدًا.

هي تُجسِّد حالتها الحاليّة بشدّة؛ الإنجاز مع الشعور بالفشل والضياع. ترغب الأذن في سماع أغنية تمزج بين الحبّ والخوف في آنٍ واحد، ما هو مطمئن وثابت، وما هو مضطرب حدّ الجنون في آنٍ واحد، أن يكون فيها من المزامير والطبل ما تتمايل عليه برقصة سكير، أو ما هو أشبه.

---

أستاذ حميد خلف مكتبه في ضيق، يسأل عن "محاسن" التي لم تحضر للعمل منذ يومين. كلّ ما تقدّمه هو رسائل الاعتذار عبر البريد. سيضطرّ إلى فصلها هذه المرّة، لكنّه لا يودّ أن يتخلّى عنها.

يرسل لرؤى وبعض الزميلات اللاتي على تواصل معها ليُبلِغنها، رغم تأكيدهنّ له أنّهنّ أخبرنها بالفعل وحذّرنها العديد من المرّات. يا إلهي، بماذا تمرّ؟ فتاة في ذكائها، ما الذي قد يجعلها مهملة إلى هذا الحدّ؟ يشعر أنّها تحتاج إلى المساعدة، لكن "العين تُبصر واليد لا تَقدِر". يتنهّد في أسى، ثم يُكمل عمله.

---

تخرج الفتاة لتقابل المشتري الذي تواصل معها بشأن اللوحة. الجوّ شديد الحرّ، ضَجِرة للغاية، تودّ وبشدّة لو تُخرج سيجارة لتُدخّنها، لكنّها تخاف بشدّة أن يراها شخص ما. وليست بالغباء الكافي لتقنع نفسها بأن تُدخّن في أحد الأزقّة حتّى يأتي ذلك اللعين ليأخذ تلك الخردة ويُعطيها المال دون أن يراها أحد. إن رغبتِ في ألّا يراكِ شخص ما وأنتِ تفعلين شيئًا معيّنًا، فقط لا تفعليه، لا تفعليه فحسب، لأنّ أمركِ مكشوف مهما تأخّرت لحظة الفضح.

وصل المشتري، رجل خمسينيّ لكن لديه بنية عضليّة، صابغٌ شعره بلون أشقر، عينان بنيّتان تغطّيهما نظّارة شمسيّة عصريّة، يرتدي سترة كتفيّة، وقميصًا يكشف عن عضلات أكتافه. لديه لحية مخفّفة، أسنانه مرتّبة للغاية وبياضها مربك، لديه من التجاعيد حول عينيه وفمه. توتّرت الفتاة للغاية. يا إلهي، كم يشبه الدجاج! تفرّ منها ضحكة داخليّة في توتّر، بينما تراه يقترب منها، بيده سيجارة – لا، كمال الحلوين ! –

يُشير للفتاة، يمدّ يده ليصافحها، لكنّها تعطيه اللوحة مباشرة في توتّر. ضحك الرجل؛ أثارت ظرافة الفتاة وطريقتها، توتّرها، شكلها، ذكرياته عن ماضيه. أعطاها من المال زيادة. شعرت بالإحراج، يخبط بأنفها الصغير. طلب منها كرت عملها. تفتح حقيبتها في توتّر، حتّى إنّها من رجفة يديها أبت الحقيبة أن تفتح. قال: لماذا العجلة؟ فتأخذي وقتكِ، عزيزتي. لم تنظر له حتّى، لكنّها شعرت ببعض الطمأنينة. تردّ عليه بتمتمة: "أنا بخير". فتحت حقيبتها، أخرجت كرت عملها من الحقيبة، وبينما تُحدّثه تقع عيناه على علبة التبغ في حقيبتها.

– تُدخّنين؟ هذا نفس النوع الذي أُدخّنه.

تبتسم في حرج، تقول: لا، أنا… أنا اشتريته لأبي، هو مُدخّن.

يبتسم كاتمًا رغبته في الضحك: لِمَ التوتّر يا فتاة؟

أخبرها أنّها فتاة مجتهدة، ونصحها ألّا يجعلها تدخين والدها ترغب في تقليده، وأنّه سعيد أنّه نال الحظّ الوافر بأن يشتري لوحة منها ويقابلها بنفسه. ثم تركها وانصرف لحال سبيله.

---

تجلس الآن في مقهى، وحيدة في المقهى تقريبًا، تراقب الشارع بهدوء. يؤلمها قلبها؛ ألمها لطف ذلك الرجل، طمأنته، نصيحته، دعمه، المال الزائد فوق سعر اللوحة رغم أنّ ثمنها بالفعل كان مكلفًا. إنّه رأى فيها ولو شيئًا واحدًا من الحُسن.

تفرّ دموعها واحدة تلو الأخرى: "يا لَلدراما"، تسخر من نفسها. لماذا أبكي؟

لطفه جرحني. أشعر أحيانًا أنّ لكمة على وجهي أرحم من أن يُعاملني أحدهم برحمة. لماذا توضّح لي أنّ شيئًا ما ينقصني بفعلك هذا؟ في هذه اللحظة السخيفة أشعر فجأة أنّه لا بدّ من أن أتغيّر، أن أكون النسخة التي أودّ أن أكون عليها، ألّا أكون مجرّد ردّة فعل لظروفي. هذا غير منطقي.

تحوّل العويل الخفيّ بعد محاكمة الذات تدريجيًّا إلى إجهاش بالبكاء. تكره البكاء، هي بالفعل تبكي كثيرًا، حتّى باتت تشعر أنّ عينيها تكاد تبيضّ، وأنّ حواسّها تكاد تزول. وفاطم، أختها الأصغر، تخاف عليها أن تصبح يومًا مثلها. تشعر ببعض الألم لكونها تثير شفقة شقيقتها الأصغر بدلًا من أن تكون قدوة لها. هي بالفعل غارقة في الشعور بالعار، تتمنّى ألّا تعيش.

تمسح دموعها، يغلبها الكدر، تحتسي من قهوتها، ترسل لأمجد: "اشتقت لك".

----

أمجد وسط أصدقائه الذين يُقيمون حفل سخرية عليه، يتساءلون عن هذه الفتاة التي يبيت ويصبح على صوتها. لا تنتهي المراسلات بينهم، فلا دخل عليه أحدهم إلّا ووجده يُكلّمها، حتّى أنّ معدّلات تدخينه زادت. يعجبه حماسها واندفاعها، فنّها… لا يعرف الكثير عنها، "مفاتن". لم يرها إلى الآن، لكنّه بالفعل يعرفها من يومين بلياليهنّ، لذا لا شيء مريب. مغرم بصوتها، ومن المضحك أنّها سألته في أوّل بضع دقائق إن كان يجيد الغناء. يعجبه عاطفتها.

يستيقظ من أفكاره بصوت إنذار داخليّ: لست مستعدًّا للوقوع في الحبّ، ليس بعد. إلّا إن عرفتُ هذا الأمر، حينها فقط قد أسمح لقلبي أن يدقّ من جديد.

قال: "أريد أن أخبركِ بشيء… لكنّي خائف من ردّ فعلك… يعني… هو له علاقة بي، ليس بكِ… و… أنا منذ يومين عرفتُكِ، لذا… اليوم دعيني أخبركِ بذلك الأمر… لتتّخذي قراركِ بالانفصال الآن إن أردتِ، فترككِ لي الآن أحسن من الانفصال بعد شهر… أو سنة…"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

يا محاسن الصدف

المؤلف Khadija hemdan
2025/08/25 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة