__________________________________________-----------------------------------------
"بُنيَّ الحبيب"
"أكتبُ إليك بمدادِ الشوقِ الذي لا يَنْضب معتذرةً عن صمتٍ طالَ لسانُ قلمي فيه وما كان ذلك جفاءً، بل هي الأيامُ التي تَسرقنا من بعضنا البعض فاعذر لي هذا الإبطاء، فواللهِ ما غبتَ عن خاطري طرفة عين.
يا قُرّةَ عيني ها قد استكملتَ عقدكَ الثاني، وخطوتَ نحو عامكَ العشرين بثباتِ وعزمِ . وإني إذ أباركُ لكَ فجرَ شبابك، أباركُ لكَ تلك الخطواتِ الوثّابة والإنجازاتِ التي بلغتَها بجهدك؛ تلك التي جعلتني أفخرُ بكَ وأرى فيك الرجل الذي تمنيت. ولأجلِ هذا الفرح، أنفذتُ إليك هذا الصندوق وبداخله هديةٌ مقتطعةٌ من محبّتي، سأتركُ لعينيك بهجةَ اكتشافها، فخيرُ العطايا ما أدهشَ البصيرة♡.
أدعو الربَّ في مخدعي أن يحرسك بنور وجهه، وأن يفيضَ عليك من بركاتهِ ونعمهِ ما يملأ قلبك طمأنينة، ويجعل عامك هذا فيضاً من الرحمة والسلام. فلتصحبك عنايةُ السماء في كل درب تسلكه"
"والدتك المحبة.♡"
______________________________________
-------------------------------------------------------------
أمسكتُ بالرسالةِ بين يديَّ وكأنني أقبضُ على طيفِ أمي؛ أحدقُ في سطورها وأرسمُ على ثغري ابتسامةً باهتةً يغالبها الشوق. كم هو طويلٌ ذلك الأمد الذي فصل بيني وبين نبضِ مدادها، وكم هو لاهبٌ ذلك البُعد الذي لا يزالُ يقضمُ من جرفِ روحي ويحرقُ في فؤادي مرافئ الاستقرار.
حملتُ الصندوقَ بين كفيَّ بحذرِ من يحملُ كنزاً، واتجهتُ نحو طاولةِ مكتبي الرابضةِ في ركنِ المنزل، حيثُ تعتكفُ ذكرياتي. هناك، قطعَ سكونَ التأملِ صوتُ وقعِ كعبٍ رشيق، كان يقرعُ الأرضَ كأنه يقرعُ طبولَ الفضول. اقتربت "ليديا"، وضحكتها تسبقُ خُطاها، وقالت بلهجةٍ لا تخلو من مَداعبة: «أهيَ هديّةُ الوالدة؟ أراهنُ بكلِّ ما أملكُ أنها ليست سوى أدواتٍ مكتبية، أو نثائرَ من ذاك القبيل الذي أدمنتْ إرساله».
رمقتُ أختي بابتسامةٍ هادئة، بينما كانت أناملي تمارسُ طقوسَ التمهّل، أفكُّ وثاقَ ورقِ التغليفِ ببطءٍ شديد، خشيةَ أن أجرحَ هيبةَ المفاجأة أو أُفسدَ جمالَ اللفافة. قلتُ لها ونبرةُ الواثقِ تملأُ صوتي: «رهانُكِ خاسرٌ يا أختاه.. أحسبُه كتاباً ينضمُّ لرفوفِ مكتبتي، أو مذكراتٍ أُودعها لكتابة افكاري، أو لعلّهُ قلمٌ حُفر عليه اسمي». اقول اخيرة بسخريةلكن، ما إن انزاحَ الغطاء، حتى لجمتْ الدهشةُ لساني. لم يكن كتاباً، بل كانت بذلةً سوداءَ حالكة، تنسجُ خيوطها الفخامةُ والوقار، وإلى جانبها تتربعُ ساعةُ جيبٍ فضيةٍ تأسرُ الألباب. قلبتُ الساعةَ فإذا بشعارِ عائلتنا منقوشٌ عليها ببراعة، يتوسطهُ حرفُ اسمي (𝕬) كأنهُ نجمٌ في سماءِ الفضة. فتحتها، فكانت نبضاتُ عقاربها تسيرُ بدقةٍ متناهية، كأنها تضبطُ إيقاعَ عمري من جديد.
رفعتُ البذلةَ التي بدتْ ثقيلةً بقيمتها، ومعها ربطةُ عنقٍ رماديةٍ كغيمِ الشتاء، تزدانُ بدبابيسَ ذهبيةٍ تحملُ كبرياءَ العائلة. وفي قاعِ الصندوق، وجدتُ ضالتي؛ دفتر مذكراتٍ وقلم يحملانِ اسمي وشعارنا أيضاً.
رفعتُ الدفترَ والقلمَ في وجه "ليديا" بزهوِ المنتصر وقلتُ لها: "أرأيتِ؟ لقد فزتُ بالرهانينِ معاً.. فزتُ بذكراها، وبما تخيلت!".حملتُ البذلةَ بين ذراعيّ كأني أحملُ إرثاً ثقيلاً، وصعدتُ درجات السلم نحو غرفتي بخطىً وئيدة. هناك، بدأتُ بارتدائها بتمهُّلٍ، متجنباً النظر إلى المرآةِ في بادئ الأمر؛ كنتُ أريد أن أشعر بملامس القماش على جسدي قبل أن تراه عيني. وضعتُ قبعة والدي القديمة فوق رأسي، وأحكمتُ قبضتي على مقبض العكاز، ثم استدرتُ ببطء لأواجه انعكاسي.
في تلك اللحظة، لم أرَ نفسي.. بل رأيتُ "هو". كان خيالهُ يلبسني، وهيبتهُ تملأُ المكان. وعلى الرغم من أن البذلة لم تكن ذات مقاسٍ مثالي، بل كانت فضفاضةً تزيدُ عن حجم جسدي بقليل، إلا أن ذاك الاتساع منحني شعوراً بالاحتواء، وكأنني أتوسعُ لأسكن في عباءةِ رجولته.
خلعتها برفق، وأعدتها إلى مخدعها داخل الصندوق، متمتماً لنفسي: "سيكون لكِ شأنٌ حين تنتهي أيام الجامعة؛ في أمسيات العشاء الرسمية، أو حين أقفُ بوقارٍ في ردهات المحاكم". خبأتُ الصندوق بجانب سريري، كأنه سرٌّ مقدس، ثم أخرجتُ ساعة الجيب الفضية، حدقتُ في عقاربها التي لا تملُّ الدوران، وقبلتُ بريقها قبل أن أدسّها في جيبي لتستقر بجوار قلبي.
هبطتُ إلى الطابق السفلي، بخطواتٍ لم تعد كما كانت قبل قليل؛ لقد نزعتُ البذلة، لكنني لم أنزع ذلك الشعور بالانتماء الذي استقر في أعماقي.سرتُ بخطىً متئدةٍ نحو مكتبي، وما إن استقرَّ بي المقامُ حتى أومأتُ بيدي إلى الخادمةِ إيماءةً وجيزة؛ كانت كفيلةً بأن تفهمَ مرادي دون نبسِ كلمة، فمضت تُعدُّ لي قدحاً من الشاي ترافقهُ قطعُ الكعكِ الشهية.
لمحتُ "ليديا" بطرفِ عيني وهي تنهمكُ في وضعِ لمساتها الأخيرةِ تأهباً للخروج، فقلتُ لها بنبرةٍ يملؤها الوقار: "إلى أين وِجهتُكِ أيتها الآنسة؟".
التفتت إليَّ بابتسامةٍ عذبة وهي تُحكمُ وضعَ قبعتها، ثم قالت وهي تسيرُ نحوي: "لديَّ موعدٌ مع الصديقات، نعتزمُ التجولَ قليلاً في ردهاتِ الأسواق؛ فأنا أخططُ لابتياعِ فستانٍ يليقُ بأمسيةِ اليوم".أجبتُها وأنا أتفقدُ من حولي: "لا بأس، ولكن استصحبي معكِ 'لارا' في مَسيركِ، وإياكِ والإبطاء".
وفي تلك اللحظة، لم أقاوم رغبتي في استحضارِ هديتي الجديدة؛ أخرجتُ ساعة الجيبِ الفضية من مكمنها، وبحركةٍ تملؤها الأناقةُ ضغطتُ على زرها لتكشفَ لي عن وجهها الوضيء. حدقتُ في عقاربها التي كانت تعلنُ الوقتَ بدقةٍ متناهية، ثم قلتُ والحزمُ يرتسمُ على وجهي: "عليكِ أن تعودي لمرفئِ الدارِ عند حلول الساعة الثالثة تماماً".
دنتْ مني ليديا، وطبعتْ قبلةً رقيقةً على خدي تودعني بها، ثم غادرتْ والبهجةُ تسبقُ خُطاها، لتستقلَّ العربةَ التي كانت بانتظارها رفقةَ صديقاتها من نبيلاتِ القوم.