بدَأ كل شيء بسرعة
بسرعة غير منطقية بسرعة تشبه انقلاب السوق فجأة، انهيار بلا إنذار بلا وقت لاتخاذ قرار.
كنت أسمع دقات قلبي قبل أن أسمع صوت الجبل وهو ينهار وكأن جسمي كان يعرف ما سيحدث قبل أن أعرفه أنا.
أرض الجليد تحت قدمي ارتجفت أول مرة أشعر الأرض تتنفس او ترتجف وتصدر صوتًا يشبه أنين شخص يحتضر.
وبلمح البصر... انفجرت كل الذكريات في وجهي ضحك اصدقائي، أصوات السلاسل النحاسية لزلاجاتنه، البخار اللي كان يطلع من أفواهنا.
ثم
صرخة
صرخة ليست أنا التي اطلقتها، ربما من احد ورائنا أو يمكن من الجبل نفسه!
الصوت كان قوي يخترق الأذن وكأنه يمسك رأسي من الجانبين ويهزّه بعنف.
الهواء صار أثقل
والبرد... يا إلهي البرد
برد ليس لَه علاقة بالشتاء، برد يشبه إغلاق كل أنظمة التدفئة في الكون، برد يدخل مباشرة إلى العظم يعضّ الأصابع ويخنق الرئتين ويدع كل شهيق حرب للبقاء.
الثّلج هجم
اندفع عليّ مثل موجة مياه قوية وقاسية، صوتها كان صاخب كأنه سقوط بناية كاملة فوق صدري كنت أحاول أركض، لكن الأرض اسفلي تتكسر وتنهار أسرع من خطواتي والجبل ينهار بشكل هستيري كأنه قرر ينتقم من كل البشر مرة وحدة.
حاولت أصرخ لكن لم يخرج مني صوت
حاولت أتنفّس... الهواء كان يتبخر قبل ما يصل لصدري
حاولت أفتح عيوني لكن البياض كان يصفع وجهي بقسوة جعلت الدموع تتجمّد على رموشي.
ووسط كل هالفوضى
وسط الصراخ والعياط وانفجار الثلج
وسط الارتطام اللي يحولك من إنسانة إلى مجرد نقطة تتحرك داخل إعصار
دوّرتني الأرض لفّتني مثل لعبة مكسورة
كنت أشعر ظهري يضرب صخور، كتفي يخبط جدار جليد، ودماغي يصرخ: حاولي ان تبقي حية.
وثانية قبل أن أختفي تحت العاصفة كقطرة صغيرة انزرع في رأسي إحساس خانق.
كنا سعداء للحظة
لحظة قصيرة جدًا... قصيرة لدرجة إنها لا تكفي لتسخّن أصابعي الجافة
ولحظة غير عادلة أبدًا مقارنة بما ينتظرني تحت هذا البياض الهائج
العالم الآخر... العالم الذي لا يعرف رحمة... العالم الذي اختارنا قبل ان نعرف إنّا مختارين.
نهضت فجأة تشهق ويدها على صدرها تتحسس قلبها الذي يدق بعنف كما لو حاول الهروب من صدرها.
العرق يلمع على جبينها والأنفاس تأتي متقطعة لا تزال تتردد صدى صرخة حلمها في أذنيها.
فُتح باب غرفتها قليلاً و وقفت والدتها الحامل عند العتبة عيناها مليئتان بالفضول والقلق:
- الام: عزيزتي هل أنتِ بخير؟
رفعت الفتاة يدها عن قلبها تحاول تهدئة أنفاسها وابتسمت ابتسامة ضعيفة:
- الفتاة: رأيت حلم... لا أتذكر كل التفاصيل لكنه كان سيئًا. وكنت أصرخ فيه.
جلست على السرير عيناها شاردة تحاول أن تسترجع الصورة المتلاشية للحلم، بينما الأضواء الخافتة للغرفة ترسم ظلالاً على الجدران.
ضحكت والدتها بخفة، محاولة تغيير الجو:
- الام: أكيد بسبب السهر على فيلم الرعب الليلة الماضية، هيا صغيرتي عودي للنوم لا يزال الوقت مبكر للمدرسة.
ابتسمت الطفلة رغم قلبها الذي لا يزال يتسارع قليلاً، وشعرت ببعض الراحة من بساطة كلمات أمها ودفء حضورها.
وقبل أن تغلق عينيها تمامًا نظرت إلى الساعة على الحائط كانت الثالثة صباحاً.
لكن الغريب عقرب الثواني كان يتحرك إلى الوراء للحظة قصيرة ثم عاد إلى الأمام
تجمدت الصغيرة للحظة حدقت في الساعة شعور غريب يزحف داخلها وكأن الوقت نفسه يرسل لها رسالة لا تفهمها بعد، حركت رأسها بنعاس تعود لاغلاق عينها مستسلمة للنوم مجدداً.
مجرد مشهد تشويقي انتظرو الفصل الاول