الفصل الاول:
الجزء الاول:
•
" إن لم تشك في قول بشري فأنت لا شيئ. "
•
قراءة ممتعة 🖤
•
•
•
الجزائر:
إيليزي.
طالما كنت الفتاة التي تشاهد فيديوهات حول تطوير الذات، وعن كيفية تفجير الطاقة الانثوية، و كنت من الفتيات اللواتي يتخيلن انفسهن البطلة الجميلة الفاتنة في كل رواية يقرأنها. كنت تلك الفتاة التي تميل الى كل شيئ عاطفي خيالي ولم اكن سوى الفتاة الشفافة التي لا تتم رؤيتها فقط عندما يتم سؤالها!
تنهدت بضجر وأنا اقابل سطح غرفتي التي لم تكن لي أساسا، وإنما كانت لنا: انا وأمي، غريب أليس كذلك؟ في الواقع منزلنا به غرفتان، وغرفة الضيوف، مطبخ، وبيت الراحة فقط. حمام لا يوجد، نحن نستحم في المطبخ.
ها أنا لثالث يوم منسدحة لا اقف على رجلاي وذلك نتيجة حرق قد حدث لما كنت اسخن الماء للاستحمام بإذا بفستاني يلتصق بالقدر، وما يحتويه احتوى رجلاي بكل حب. الماء قبَّل رجلاي بحرارة لدرجة ان الحرارة والحرق لا زلت احس بها.
الماء اعنف من صفعة الحياة لي!
لفترة توقفت عن العد فيها، انظر الى شقوق الأرضية تحت البساط الذي أنام فوقه، وأحاول تجاهل صوت قطرة الماء التي تصرّ أن تغني لحنها فوق رأسنا من صنبور مغتصب منذ سنين.
لم أفهم يومًا كيف تتحول البيوت إلى قبور ونحن أحياء، كيف تتدلى الملابس القديمة من الحبال كأرواح ماتت شنقا!
أمي تنام الآن، أو على الأقل تحاول. صوت تنفسها ثقيل، يشبه تنهيدة طويلة لا تنتهي. لم تسألني اليوم إن كنت جائعة ولا تفعل اساسا ، ربما لأنها لم تكن كذلك أيضًا.
ثم عاد عقلي مجددا للتفكير في الخيالات السابحة تحت بحر الاموال من الدولارات، والدينار، والاسترليني حتى! وعن أني بجسم رياضي وجمال خلاب لوهلة تذكرت جيدًا حين كنا نشاهد ذلك البرنامج عن "المرأة المتصالحة مع ذاتها" كيف قالت المذيعة بصوتها الباذخ: "أحبّي جسدك، دلّلي نفسك، كوني أنثى ناعمة تنثر عطرها في الوجود."
ضحكت حينها. أنا؟ دلّلي نفسك؟ بأي صابون؟ بأي مرآة؟ بأي خزانة أضع فيها قمصاني المحروقة؟ هل تراني أنثى حين أستحم في المطبخ وتُغلق أمي الستار القماشي حتى لا يراني أخي بالخطأ؟ هل يراني القدر كائنًا ناعمًا وأنا ألعن الماء، وأخيط الفستان المحروق بخيط خشن ويدي ترتجف من الألم؟
في بعض الليالي، كنت أحلم أنني أمشي فوق منصة عرض، ألبس فستانًا أبيض طويلًا يشبه الغيم، يصفق الجميع ويرمقني فارس من الصف الأول بنظرة خجولة... أما اليوم، ففستاني الأبيض معلق خلف الباب، تفوح منه رائحة "صابون الطرف" ( الصابون القديم الذي لا رائحة له أساسا).
هل تعلمين ماذا يعني أن تحترق دون أن يلاحظ أحد؟ أن تتحول إلى بخار دون أن يتبخر لك حزن؟ أعتقد أن هذا ما يسمونه: "أن تكوني شفافة لدرجة أنك تنطفئين حتى بالنظر."
خرجت من تفكيري اثر اشعار وصلني ولم تكن سوى رسالة من طبيبتي النفسية مفادها (هل يمكنك مقابلتي غدا نفس التوقيت) كنت سأرفض لولا انني لا املك رصيدا لارسال رسالة حتى!. تنهدت بخفة ثم استقمت علني استطيع المشي.
بئسا!
لم أكن أبرع بشيئ غير الدراسة و...
الاختراق، بسبب الملل اكيد لا أملك شيئا في يدي سوى أن اتعلم مهارات لا يعلمها غيري، كتعلمي للغات عديدة، الاختراق، فك الشيفرات وغيرهم من الاشياء. هذا يبدو للوهلة. الاولى أنني ابالغ ولكن تخيل أنك تقطن بقرية أكبر إنجاز تتفاخرن به النساء هو الزواج.
الزواج، الإنجاز الأعظم، النصر المقدس، الخاتمة الذهبية لحياة أنثى مثلي، أنثى لم تُرَبَّ لتعيش بل لتُزف.
كنت أسمع جاراتنا يتحدثن كل مساء عن "فلانة التي تزوجت مهندساً"و"علانة التي طلقها زوجها لعدم طاعتها"، وأنا أرتب كعب حذائي الخفيف المنزوع الكعب أصلًا، وأبتسم داخليًا بسخرية. كيف يمكنني أن أطمع حتى بشيء كالزواج؟ أأنا فتاة أحلام أحدهم، وأنا أحترق من ماء سخان مكسور، وأجمع مصروفي من الحلوى لأشتري باقة إنترنت تكفيني تحميل كتاب إلكتروني واحد؟!
أعود للاختراق - نعم، الكلمة تبدو كبيرة ومخيفة، لكنها كانت ملجئي، وهربي، وعالمي الموازي. في الليالي التي يهدأ فيها كل شيء، بعد أن ينام الجميع، كنت أفتح حاسوبي المتصدّع الذي التقطته من سوق الخردة، وأبدأ رحلتي بين الأكواد. كأنني أطير في فضاء لا يحدّه السقف المنخفض، ولا تهديدات انقطاع الكهرباء، ولا صوت أمي وهي تسعل أمامي.
كنت أُجيد كسر الحواجز... لا حواجز الحياة الواقعية، بل تلك الافتراضية، الشبكات المؤمنة، المواقع المحظورة. كنت أعبرها أحرك أصابعي بخفة شبح... لا أحد يراني، لكنني هناك، أراقب، أتعلم، وأسرق قليلاً من المعرفة التي لن يمنحني إياها أحد.
قرأت كل شيء، من سطور كتب نُسيت في أرشيفات الإنترنت، إلى يوميات قديمة لنساء من قرون مضت. هكذا تعلمت السحر - لا أقصد السحر بالمعنى الخرافي الذي تقصه علينا العجائز عند انقطاع الكهرباء، بل السحر الذي تصنعه الكلمات، والتاريخ، والرموز القديمة. انتهيتُ من دراستي الجامعية كمن ينتهي من ماراثون ركضة بأرجل حافية. بمرتبة الشرف؟ لا، بمرتبة "كفيتِ و وفيتِ"، كما قالت أمي وهي تغلق المصحف بعد دعاء طويل.
البيت كان يملؤه صدى صوانٍ غير مرئي. الخطّاب بدأوا يتوافدون على استحياء أولاً، ثم بإصرار لاحقًا. كنت أرفض بلطف... أرفض بخوف... ثم أرفض بدمعة. لكن لا أحد يهتم بكلمة فتاة تعدّت الثالثة والعشرين دون زواج.
_ نصف الدين يا فتاة.
قالها أبي وهو يضع يده الثقيلة فوق رأسي، كأنني نعجة ستُساق لسوق لا تعرفه. وحين ظهر هو، قالوا إن الله قد استجاب.
كان "مثاليًا" على الورق: يصلي، يصوم، لحية خفيفة، يعمل، ميسور، صوته خافت، وعيناه لا ترتفعان عن الأرض.
صمتُّ.
هم فرحوا بصمتي، وفسّروه قبولاً. وأنا فسّرته... خيبة إضافية.
مرت أسابيع الخطوبة كظلٍ لا جسد له. كنا نتحدث عبر تطبيقات الرسائل... صوته خافت، وأسلوبه... عادي. عادي لدرجة أنه لا يُبقي في القلب أثرًا، ولا في العقل علامة.
لكنه لم يكن عاديًا. لم يكن كذلك أبدًا.
كنت ألاحظ شيئًا... غريبًا. صباحًا، يسألني عن صلاتي ويُرسل لي أدعية، مساءً، يراسلني بكلمات حادة، ثم يختفي لساعات.
في البداية قلت: لعلها ضغوط العمل. ثم لاحظت أمرًا أدق...
طريقة الكتابة و أسلوب الحديث، لم تكن هي نفسها دائمًا. وكأنني أتحدث إلى ثلاثة رجال لا واحد! ثلاثة نبرات... ثلاثة عوالم... وكل واحد منهم لا يشبه الآخر بشيء.
وفي ليلة ما، بينما كنت أراجع محادثاتنا، شككت. (الشك خيط راشي يجيب الصحيح.) أعرف كيف أفتش وأعرف كيف أفتح أبوابًا لا تُفتح فعلت ما لا يجب فعله... واخترقت حسابه.
لم أجد شيئًا. لا رسائل غريبة، لا ملفات مشبوهة.
لكن حسابًا آخر كان مفتوحًا في الخلفية، باسم المستعار.
ضغطت عليه.
ودُمرت.
الرسائل، الفيديوهات، الصور، المحادثات... كلها مع رجال. ليس مجرد "شذوذ"... بل انحراف، سقوط، لقطات لا يجرؤ عقلي على استيعابها.
كنت أرتجف.
تحدثتُ إليه واجهته، قلت له إنني أعرف.
ابتسم.
أجل... ابتسم.
ثم قال:
_ما رأيك أن أقتل أمك أولاً؟.
تجمد الدم في عروقي.
تابع:
_لو نطقتِ بكلمة أو حاولتِ أن تفتحي فمك لأحد لن تُصلي على أحد من أهلك.
ظن أنه كسرني.
لكنه لم يعرف أنني وُلدت من رماد محترق، لا من حضن ناعم، انتظرت ليلة. لم أنم.
صباحا جمعت حقيبتي القديمة، وخرجت إلى الطريق .ركبت الحافلة إلى المدينة.لم أخبر أحدًا، فقط اخبرت امي انني ذاهبة لطبيبتي النفسية، لكن وجهتي كانت الشرطة مقرها وسط المدينة التي تبعد عنا مسافة ساعة، ومن الجيد ذهابي اليهم كانوا قد اخبروني انهم سيحققون في الامر بعد ان اعطيتهم ما يحتاجونه من معلومات.
خرجت منهم وأنا أسمع صدى قلبي الصاخب، شيئ ما حدث!
حدسي لا يكذب!
عدتُ إلى قريتي بعد ساعتين، لكني لم استطع رؤية بيتنا من شدة اكتظاظ الناس به، رأيت الجيران يفسحون الطريق لي بينما اسمع عبارات التعازي والشفقة.
تعازي؟؟
دخلتُ البيت.والذي كان الدرك يحاوطه. رائحة ثقيلة، اقتربت دون شعور إلى أن منعتني يد ما. ابعدتها، إلا كانت عنيدة عناد الهرة لحليبها.
ناديت بصوت عال:
_أمي؟
_أبي؟
_أخي؟
لا صوت، فقط صمت ثقيل.
نظرت أسفلا لأجد بركة دماء وثلاثة أجساد مغطاة بلحاف ابيض.
رباه ما أثقل هذا الشعور!
فعلها؟؟؟
هدد وفعل. خانتني العبرات، وخانني صوتي هو الاخر بعد أن خرجت كلمة واحدة صارخة باكية داعية مناجية
_رباااه.....
بعدها لم استيقظ. ولم ارد ذلك ابدا. استيقظتُ بعد أسبوع كامل في المشفى. لا، لم أستيقظ ببطء كما يحدث في الأفلام. لم أفتح عيني وأرى ضوء الشمس يتسلل من نافذة بيضاء. استيقظتُ على صفعة برد... برد أجهزة المستشفى، و وخزة الإبرة المغروسة في ذراعي.
رأيت امرأة باردة الملامح تقف بجانبي، ترتدي معطفًا أبيض، تمسك بلوحٍ خشبي عليه ملف. قالت ببساطة:
_أنتِ بخير الآن.
ولم تكن تقصدها.
كنت حطامًا...
فتاةلا أم. ابنة بلا أب. أخت بلا أخ. كنت... لا شيء.
محققٌ دخل الغرفة بعدها بدقائق سألني أسئلة لا أعرف إن كانت عن حياتي أو موتي. كيف عرف العنوان؟ هل هددك من قبل؟ هل لديك ما يثبت تهديده؟ أجبت. بصوت مبحوح، بذاكرة مشوشة، وملف ثقيل حملته معي اسمه "أدلّة".
قال لي في نهاية التحقيق:
_لقد قمنا بواجبنا... وستأخذ العدالة مجراها.
ضحكت... العدالة؟ أي عدالة تعيد لي أمي حين كانت تغني لي قبل النوم؟ أي عدالة تمسح عن الأرض آثار دمهم؟ أي عدالة ترمم القلب؟ أو تجعلني أنام دون كوابيس؟
عدتُ إلى بيت خالي. غرفة صغيرة في السطح. فراش على الأرض، ومرآة مكسورة في زاوية الغرفة. كلما نظرت فيها رأيتني مقسومة بين ما كنت، وما أنا عليه الآن.
الناس بدؤوا يتكلمون، منهم من قال إنني السبب و منهم من قال إني هربت معه وافتعلت كل شيء. منهم من قال إني اخترعت القصة كلها لأنني "مدمنة خيال"...
صديقات الجامعة لم يسألن عني، أو ربما لم ينتبهن أنني اختفيت. الطبيبة النفسية اتصلت بي مجددًا، لم أجب. الشرطة قامت بواجبها، واخذت العدالة مجراها.
مع ذلك الوحدة نهشتني لدرجة انني حاولت اللحاق بهم ثلاث مرات، هل سأعاقب إن استطعت الوصول اليهم؟ أنا التي كنت أتخيلني قبل سنوات أعيش دون عائلة، وان الحياة ستكون هادئة كاملة، وحرية لا مثيل لها أما ما اريده سوى أن اسمع اصواتهم، ضحكاتهم ولا شيئ غير ذلك.
•••••
في الوقت الحالي:
منذ ذلك اليوم وأنا مشردة لا املك لنفسي شيئا غير دموع حبيسة، كان خالي قد اشفق علي، أخذني للمنطقة التي يقطن بها ولم تكن سوى قرية تعيش في فقر مدقع. خالي يوسف لم اجد في حنيته مثيل كان كالبلسم الشافي، ورغم منعه لي من اي عمل يساعده الا انني كنت عنيدة بذلك رغم انه لا يوجد عمل غير بيع الحليب. كنت اذهب إلى سوق المدينة اجلس في ركن هادئ لا تبلغه الأعين سريعًا، أضع أمامي قنينات الحليب الطازج، أجلس على صندوق خشبي مقلوب، أغطي رأسي بمنديل قديم وأراقب خطوات الناس بعينين خجولتين.
لم أكن أصرخ أو أنادي كباقي الباعة، كنت فقط أنتظر أن تلاحظني روح طيبة، تقترب بابتسامة وتشتري بعضًا من الحليب، فأعود بقليل من النقود وكثير من الراحة.
كانت المدينة كبيرة صاخبة وغريبة على قلبي البسيط. لم أكن أرتاح فيها، لكنها كانت نافذتي الوحيدة للمساعدة، وتخفيف الحمل عن كاهل خالي الذي منحني دفئًا حين تخلّى عني الجميع.
وبينما الملم اغراضي ناوية العودة الى الديار فإذا بجلبة احدثها راكض جذبتني نحوه، كان رجلا يركض، يركل كل ما ياتي بطريقه نحو الذين يجرون خلفه ملحف بالسواد غير وجهه ، كان يقترب اكثر واكثر بينما ابتعد عنهم كثيرا، لمحت امامي بسطة عجوز لم يأت اليوم. هل أساعده؟ فكرت في الوقت الذي يبعدني عنه خطوات قليلة تقدمت بخفة ما ان وصل أمامي حتى جذبته بقوة اخفيه تحت البسطة، اما عني عدت ادراجي بهدوء وكأن لا شيئ حدث. تكلمت بهدوء أُحدِّثه:
_ابقَ هنا ريثما تتأكد أنهم غادروا... لا تُصدر صوتًا و لا تتحرك.
كنت أتكلم بصوت خافت كأنني أنا من ارتكب الجريمة لا هو.
لم يرد. لم يتحرك. لكنني كنت أسمع أنفاسه المتسارعة كأن خبطات قلبه متصلة بالأرض.
عدتُ إلى قناني الحليب المرتبكة، أعدت ترتيبها، وكأن شيئًا لم يكن. كانت خطواتهم تقترب، ثلاثة رجال وجوههم مشدودة عيونهم تلتهم الوجوه.
كانت خطواتهم تزداد قربًا، أصواتهم خشنة متوترة تشبه أصوات الذين لا يملكون وقتًا للخسارة.
مرّ أحدهم بمحاذاة بسطتي، نظر إلى الحليب كأنه يبحث عن شيء مخبّأ بين القنينات، ثم رفع رأسه نحوي.
سألني بحدة:
_هل مر من هنا؟ إلى أين اتجه؟
رفعت كتفي ببرود متعمد، كأني لم أسمع السؤال أصلًا.
قلت:
_كنت اجمع اشيائي لم انتبه.
تبادل الرجال نظرات قصيرة، ثم أكملوا جريهم.
انتظرتُ إلى أن ابتعدت أصواتهم تمامًا ثم التفتُّ إلى البسطة بكلمة واحدة نطقت:
_اخرج.
تحركت قطعة القماش لمسافة صغيرة، ثم خرج الرجل ببطء، كأنه يتأكد أن لا احد يراقبه.
وقف أمامي، رجل طويل، عريض المنكب، داكن الشعر مبتل بالعرق، وملابسه ممزقة من جهة الساعد. عيناه... كان فيهما شيء غريب. بدا لي اكثر شخص غريب رأيته.
نظر إليّ نظرة سريعة، ثم سأل بصوت منخفض:
_لماذا؟
تجاهلته اكمل جمع اغراض، سكتَ لحظة، يبحث عن شيء لقوله ثم مدّ يده للوراء وأخرج ورقة مطوية، وضعها على البسطة دون أن يشرح.
قلت:
_لا اجتاج شيئا يا سيد!
ردّ:
_ليست نقود، وانما اعمق من ذلك، رد الدين واجب ولو على قطع رقبتي، المهم ان هذا عنوان تواجدي، ان تكالبت عليك الحياة قد اكون متنفسك، فقط قولي انك: بنت الحليب.
كنت سأضحك من العبارة الغريبة، لكن ملامحه لم تكن تمزح كان صوته يحمل ثقل أحد اعتاد الجري.
أخذت الورقة دون تفكير. لا أعرف لماذا... ربما لأني كنت بحاجة إلى أن أشعر أن أحدًا يمدّ لي خيطًا، حتى لو كان غريبًا هاربًا.
همس قبل أن يختفي:
_سأسدي لك اول معروف واخبرك. احدهم يترصد لك ليلا. حاذري نفسك واياكِ ان تمدي يدك نحوه، ارتدي قفازا او حتى كيسا بلاستيكيا اسود المهم فقط ان لا تتم رؤية يدك.
ثم رحل.
اختفى وسط الزحام كما لو أنه تبخّر.وقفتُ للحظة، أحاول فهم ما حدث.
فتحت الورقة.
العنوان مكتوب بخط سريع، بلا اسم.
في الأسفل، خط صغير جدًا مكتوب بالاحمر، يكاد لا يُرى:
" سيفار _صخرة التابورك _ شمس المغيب."
شعرت بقشعريرة خفيفة.
سيفار... المدينة التي يقولون إنها ليست مدينة، بل باب لعالم آخر.مدينة الجن!
مكان يبتلع من لا يعرفه.
مكان لا يصل إليه أحد بالصدفة... إلا إذا كان قد سقط من حياته القديمة.
_أيمزح معي!
سخرت بشدة ومع ذلك وضعت الورقة في جيب سروالي، وأكملت جمع أغراضي. متناسية الموضوع كله.
السماء تصب رزقها بهدوء تام، رذاذ خافت يمتعني أنا وسوادي. وصلت الى منطقتنا ( الدّوار) الذي اقطن فيه.
ان تعيش بمنطقة نائية وسط جهل يفتخر به اصحابه اشبه بالعيش في الحجيم رغم ادراكك انه كذلك!
احس بحركة غريبة حولي، رغم انه لا يوجد احد، ولكن كيف اشرحها؟
حدسي لا يخطئ...
فجأة ودون سابق انذار تمت تغطية فمي، اذرع تشدني كي لا اتحرك ثم لاشيئ...
أحاول أن أتحرك. لا أستطيع. القوة التي تسحبني أقوى مني، أقوى من كل ما عرفته عن جسدي. يدي مقيدة، فمي مغطى، لا صوت يخرج مني.
الهواء حولي يثقل. أتنفس بصعوبة. كل حركة تحاول أن تهدأ خوفي تزيد من شدّهم. أسمع أصوات خطوات لا أعرف من أين تأتي.
أحاول أن أصرخ و أن أقاوم، أن أفعل شيئًا، لكن لا شيء كل شيء يذهب بعيدًا عن إرادتي.
ثم شعور فجائي…
لكن تم سحبي فجأة أضم الأرض الباردة أركل، أصرخ في صمت. لا أحد يسمعني. كل شيء صامت، كل شيء يتحرك حولي وأنا مجرد شيء يتحرك معهم.
كل ثانية تمرّ طويلة، لا أرى شيئًا سوى الظلام واليدين اللتين لا تفارقني.
لم أشعر بشيئ ابدا. كان السواد يلفني لفا غير ان عقلي هو الوحيد الصاحي، انا ادرك الان انني ارى مناما، وادرك اكثر انه ما سيحدث لاحقا _ كالعادة _.
أشاهدني وانا مكبلة بينما شخص نتن الرائحة يتربص بيدي، السكين تقترب من شرياني، مع ذلك لم اتحرك قط! ادرت رأسي اشاهد امي وهي تفتح الحبال الملفوفة بيدي بينما خرجت كلماتها متقطعة:
_ الباب.... اخرجي منه.... الخلفي.... المشعو.....
اسمعها ولكن عينان تأبى ان تفارقها. كان الالم يزداد قساوة داخلي، حاولت ان اتناسى انه في يوم ما كنت املك... عائلة. والان اراه في منام فقط! خانتني كلماتي وخرجت بهمس مرام، مشتاق:
_أمي؟ ضميني واكبحي لهفتي أماه. أما كان عليكم ان تتركوني لوحدي؟ الم يجدر بكم ان تأخذوني رفقتكم؟ ألهاته الدرجة لا املك منزلة عند أحدكم؟
لكن أمي لم تجب. كانت تتحرك بسرعة، وكأنها تخاف من شيء يقف خلفي. يدها ترتجف وهي تفك العقدة الأخيرة، وعيناها لا تلتقيان بعيني… كأن النظر إليّ مؤلم أكثر من تركي.
كنت أصرخ داخل رأسي، لكن فمي لا يتحرك. أشاهدني كجسد فارغ، مجرد ظل ينتظر حكمه.
اقتربتْ أمي أكثر، همست بشيء لم أفهمه. ربما اسمًا… ربما دعاءً… ربما اعتذارًا متأخرًا. لم أعرف. كل ما أعرفه أنها في اللحظة التي استطعت فيها مدّ يدي نحوها، اختفت.
هكذا فقط.
تلاشت كما تتلاشى الصور في الذاكرة عندما نحاول الإمساك بها.
وجدت نفسي وحدي. السكين عاد يظهر بجانبي، وكأن الزمن أرجعني للمشهد الأول. الشخص نفسه… الرائحة نفسها… الخوف نفسه.
هذه المرة… شعرت بالدم يصل لحلقي. شعور خانق، ثقيل. أردت أن أهرب، أن أستيقظ، أن أكسر هذا الحلم الذي يعرف كل نقطة ضعف فيّ.
لكن الصوت خرج أخيرًا.
هامس، متقطع، حقيقي جدًا:
أمي… ارجعي. حتى لو كذب… ارجعي.
لم ترجع.
وبدون مقدمات، انغلق المشهد.
كل شيء صار أغمق. عيوني ملفوفة بالقماش.
استيقظتُ قبل أن يمسّني الألم…
لكن أثره بقي. في صدري. وفي يدي.
وفي السؤال الذي لم يخرج من فمي يومًا:
لماذا تركتمني؟