الفَصلُ الأَول«خُيُوطٌ وَهمِيَةٌ»

الفَصلُ الأَول«خُيُوطٌ وَهمِيَةٌ»

12 0

الَى كُلِ مَن فَقَدَت حُرِيَتَهَا كُلُ أَسِيرةٍ لِلحَيَاةِ وَ كُلُ مُضَيِعَةٍ لِذَاتِهَا                     الَى دُمَى المَارْيُونِيت «الفِكرَة التِي تُرَاوِدُ الإِنسَان عِندَمَا يَحْمِل المَارْيُونِيت ، لِيُدرِكَ فِي تِلكَ اللَحظَةِ انَهُ  قَادِرٌ عَلَى سَردِ قِصَةٍ بِحَركَة يَديه؛ عَلَى تَحدِيدِ مصيرٍ بِأكمَلِهِ مِن خِلاَلِ خُيُوطٍ مَا أَنْ يَكُونَ هُوَ المُسَيطِرُ مُنذُ البِدَايةِ الَى غَايَةِ النِهَايَة فِكرَةٌ مُغرِية وَ لَكِن هَل يَا تُرَى سَتَكُونُ بِنَفسِ الإِغرَاءِ لِلمَارْيُونِيت؟» **التّاسِعَةُ صَباحًا** "تِلْكَ الرَّغْبَةُ الَّتي اجْتاحَتْهُ لِلْعَبَثِ بِي لِزَحْزَحَةِ تَوازُنِي وَإبْعادِي عَنِ المَأْلُوفِ لَطالَما أَرْهَقَتْنِي... أَنْفاسُهُ، حَرَكَةُ يَدَيْهِ عَلَى جَسَدِي، رائِحَتُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ تُفْقِدُنِي السَّيْطَرَةَ. أُحاوِلُ التَّجاهُلَ وَإنْكارَ الوَضْعِ، أُقْنِعُ نَفْسِي أَنَّ ما يَحْدُثُ هُوَ هَلْوَسَةُ يَوْمٍ مُتْعَبٍ لا غَيْرُ، وَلَكِنْ لا، تِلْكَ الأَحاسِيسُ وَالمَشاعِرُ حَقيقِيَّةٌ لِدَرَجَةِ أَنِّي لَمْ أَعُدْ قادِرَةً عَلَى إنْكارِها. أَنا تائِهَةٌ، لا أَعْلَمُ أَيْنَ أَذْهَبُ؟ وَماذا أَفْعَلُ؟ أَخْبِرِينِي، أَهُوَ حَقيقِيٌّ؟ أَمْ أَنَّنِي سَأَجِنُّ؟" نَظْرَةُ تِلْكَ الطَّبِيبَةِ الأَرْبَعِينِيَّةِ لَمْ تَكُنْ سِوَى دَليلٍ عَلَى عَدَمِ فَهْمِها لِفَضْفَضَةِ الَّتي أَمامَها. لَطالَما حاوَلَتْ إدْراكَ ما تُريدُ أَريفَا إيصَالَهُ لَها، وَلَكِنْ دائِمًا ما تَحْظى بِنَفْسِ النَّتِيجَةِ العَقِيمَةِ. "لِمَ لَمْ تُحاوِلِي يَوْمًا أَنْ تَضَعِي كامِيرا لِمُراقَبَةِ ما يَحْدُثُ لِتَعْلَمِي ما إنْ كانَتْ تِلْكَ اللَّيَالِي الَّتي مَرَّتْ في ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ حَياتِكِ حَقيقَةً أَمْ لا، لِتَرِي ما الَّذي تُعانِينَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ؟" كانَ الهُدُوءُ مُسَيْطِرًا عَلَى مَلامِحِ تِلْكَ الأُنْثَى. دَقائقُ مَرَّتْ بِصَمْتٍ خانِقٍ لِتَكْسِرَهُ تِلْكَ الأَخِيرَةُ بِنَبْرَةٍ مُكَلَّلَةٍ بِالتَّعَبِ. "لَمْ أُحاوِلْ رُبَّما لِأَنِّي خائِفَةٌ." جَوابُها لَمْ يَكُنْ مُرْضِيًا لِذَلِكَ الحَدِّ، لِذَا خاطَبَتْها مُسْتَفْسِرَةً: "خائِفَةٌ؟ مِمَّا؟ أَيُمْكِنُ أَنَّكِ خائِفَةٌ مِمَّا سَتَرَيْهِ؟" ابْتَسَمَتْ بِهُدُوءٍ وَأَرْدَفَتْ قَائِلَةً: "خائِفَةٌ مِنْ أَنْ تَذْهَبَ تِلْكَ الثَّلاثَةُ أَشْهُرٍ اللَّعينَةُ سُدًى وَأُدْرِكَ أَنَّ كُلَّ تِلْكَ الأَحاسِيسِ وَالمَشاعِرِ الَّتي راوَدَتْنِي لا أَساسَ لَها مِنَ الصِّحَّةِ. خائِفَةٌ مِنْ أَنْ تُكَلَّلَ نِهايَتِي بِالجُنُونِ..." نَظَرَتْ إلَيْها بِتَمَعُّنٍ لِتُخاطِبَها بِنَبْرَةٍ عَمَلِيَّةٍ هادِئَةٍ: "أَريفَا، مَنْ هُوَ المَجْنُونُ بَرَأْيِكِ؟" لَيْسَ هَذا ما تَوَقَّعَتْهُ، كانَتْ تَنْتَظِرُ مِنْها أَنْ تُجِيبَها لا أَنْ تَسْأَلَها، وَلَكِنْ أَيْنَ المانِعُ، سَتُجِيبُها: "لا أَدْرِي، رُبَّما المَجْنُونُ هُوَ الإِنْسانُ الَّذي يَفْقِدُ السَّيْطَرَةَ، يَتَحَدَّثُ بِغَيْرِ عَقْلانِيَّةٍ، وَيَتَكَلَّمُ كَلامًا خارِجًا عَنِ المَنْطِقِ." "أَنْتِ مُخْطِئَةٌ. فَالمَجْنُونُ لَيْسَ مَنْ يَفْقِدُ السَّيْطَرَةَ، إنَّما مَنْ يَدَّعِي الثَّباتَ بالرَّغْمِ مِنْ كُلِّ ما يَحْدُثُ. المَجْنُونُ هُوَ مَنْ تَكُونُ كُلُّ كَلِماتِهِ مَنْطِقِيَّةً مَحْسُوبَةً. عَلَى الإِنْسانِ أَحْيانًا أَنْ يَفْقِدَ السَّيْطَرَةَ، أَنْ يَتَصَرَّفَ بِغَيْرِ عَقْلانِيَّةٍ وَيَقولَ كُلَّ ما هُوَ خارِجٌ عَنِ المَنْطِقِ. بِهَذِهِ الطَّريقَةِ فَقَطْ سَيَحِسُّ أَنَّهُ إِنْسانٌ يَمْلِكُ مَشاعِرَ، إِنْسانٌ غَيْرُ مُلَبَّدٍ. ما أُريدُ قَولَهُ لَكِ أَنَّكِ لَمْ تَجِنِّي، أَريفَا. أُؤَكِّدُ لَكِ أَنَّكِ بَعيدَةٌ كُلَّ البُعْدِ عَنِ الجُنُونِ." كُلُّ انسَان في هَذِهِ الحَياةِ يَحْتاجُ لَحْظَةَ ضَعْفٍ، لَحْظَةٌ يَنْهارُ فيها، لَحْظَةٌ يُفْلِتُ فيها زِمامَ الأُمُورِ. لَنْ يَبْقَى هُناكَ مَعْنًى لِلْحَياةِ ما لَمْ نَتَأَلَّمْ، ما لَمْ نُعانِ، لَنْ يَبْقَى هُناكَ طَعْمٌ لِلنَّجاحِ ما لَمْ نَخْسَرْ، وَلا لِلْفَرَحِ ما لَمْ نَحْزَنْ. سَتَبْقَى الحَياةُ عَديمَةَ الأَلْوانِ، باهِتَةً، كُلُّ ما يُرَى فيها هُوَ الرَّمادِيُّ لا غَيْرُ. عَلَيْنا أَحْيانًا أَنْ نُعانِي، أَنْ نَفْقِدَ، لِنُدْرِكَ قِيمَةَ ما خَسِرْنا، عَلَيْنا أَنْ نَشْقَى لِنَتَأَكَّدَ أَنَّنا نَعيشُ الحَياةَ بِكُلِّ تَفاصِيلِها الحُلوِ مِنْها وَالمُرِّ. "لا أَدْرِي، رُبَّما... انْتَهَى وَقْتِي، سَأُغادِرُ." كانَتْ تِلْكَ آخِرَ جُمْلَةٍ قالَتْها لِطَبِيبَتِها لِتُغادِرَ بَعْدَها دُونَ إِضافَةِ أَيَّةِ كَلِمَةٍ. تَمْشِي في ذَلِكَ الطَّريقِ الطَّويلِ، وَمَلايينُ الأَفْكارِ وَالذِّكْرَياتِ تُداهمُ عَقْلَها. هِيَ تَتَذَكَّرُ ذَلِكَ اليَوْمَ، تَتَذَكَّرُ ما حَدَثَ قَبْلَ ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ بِالتَّفْصيلِ وَكَأَنَّهُ حَدَثَ البارِحَةَ. مُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ تَغَيَّرَتْ حَياتُها، مُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ خَسِرَتْ كُلَّ ما مَلَكَتْهُ: دِراسَتَها، عائِلَتَها، راحَتَها وَنَفْسَها. لَمْ يَكُنِ الوَضْعُ سابِقًا هَكَذا. كانَتْ أَريفَا هِيَ الفَتاةَ المِثاليَّةَ، تَنْحَدِرُ مِنْ عائِلَةٍ شاذَّةٍ: أَبٍ مَهْووسٍ بِالسَّيْطَرَةِ وَالكَمالِ، وَأُمٍّ خاضِعَةٍ لِرَغَباتِ زَوْجِها، وَشَقيقَةٍ كارِهَةٍ لِكُلِّ ما حَوْلَها دُونَ اسْتِثْناءٍ. وَلَكِنِ الآنَ لَمْ يَبْقَ الوَضْعُ كَذَلِكَ. باتَتْ أَريفَا وَحيدَةً، لا أَحَدَ لَها. **مَكْتَبَةُ آنْجيليكَا، الثَّالِثَةُ مَساءً** "لَطالَما تَساءَلْتُ، ما هُوَ أَكْثَرُ شَيْءٍ مُرْعِبٍ في هَذِهِ الحَياةِ؟ العَديدُ مِنَ الأَجْوِبَةِ في ذِهْنِي. قَدْ تَكونُ الوِحْدَةُ؟ الأَشْباحُ؟ ماذا عَنِ الظَّلامِ؟ رُبَّما تَكونُ جَميعُها مُخيفَةً، وَلَكِنْ ما هُوَ المُرْعِبُ؟ أَنا أَعْلَمُ، المُرْعِبُ هُوَ الجَهْلُ وَعَدَمُ المَعْرِفَةِ؛ عِنْدَما يَقولُ الإِنْسانُ "أَنا لا أَعْلَمُ" هُناكَ سَيُدْرِكُ مَعْنَى الرَّهْبَةِ الحَقيقِيِّ. لِماذا نَخافُ مِنَ المَوْتِ؟ بِبَساطَةٍ لِأَنَّنا لا نَعْلَمُ كَيْفَ وَمَتى سَنَموتُ، وَما هُوَ مَصِيرُنا بَعْدَ المَوْتِ. فِكْرَةُ المَجْهولِ لَطالَما كانَتْ مُخيفَةً. عِنْدَما لا يَعْلَمُ المَرْءُ سَيَخافُ كَثيرًا..." ثَوانٍ مِنْ صَمْتٍ مَرَّتْ، لِيَعْلُو بَعْدَها صَوْتُ تَصْفيقِ الحاضِرينَ. كانَتْ تَنْظُرُ لَهُمْ بِابْتِسامَةٍ هادِئَةٍ، وَقَلْبُها يَنْبُضُ نَبَضاتٍ تَبْدو لِمَسامِعِها كَأَنَّها سِمْفونِيَّةُ ما لِأَشْهَرِ العازِفينَ.... خَرَجَتْ مِنْ تِلْكَ القاعَةِ وَهِيَ لا تَزالُ مُحافِظَةً عَلَى تِلْكَ الابْتِسامَةِ، لِتُقابِلَ بَعْدَها صَديقَها المُقَرَّبَ جُون. "يا إِلَهي، إيفا، لَقَدْ كُنْتِ رائِعَةً. كَلامُكِ كانَ حَقًّا مُذْهِلًا." "شُكْرًا لَكَ، جُون، وَاسْمِي أَريفَا، لَيْسَ إيفا." اقْتَرَبَ مِنْها لِيُحيطَ كَتِفَها بِهُدُوءٍ، ثُمَّ تَحَدَّثَ قائِلًا: "صَديقَتِي، أَنا أُنادِيكِ بِما يَحْلو لِي... وَثُمَّ، لَوْ وافَقْتِ عَلى عَرْضِ تِلْكَ الكاتِبَةِ لَكُنْتِ الآنَ قَدْ أَصْبَحْتِ أَشْهَرَ كاتِبَةٍ في إيطاليا. إنَّكِ حَقًّا حَمْقاءُ، يا صَديقَتِي." أَزاحَتْ يَدَهُ عَنْها بِغَضَبٍ وَتَحَدَّثَتْ: "تَوَقَّفْ، جُون. أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ أَبِي رافِضٌ تَمامًا لِفِكْرَةِ أَنْ أُصْبِحَ كاتِبَةً. هُوَ حَتَّى لا يَتَحَدَّثُ مَعِي الآنَ، وَأَنْتَ تُريدُ أَنْ أُخالِفَ قَرارَهُ وَأُصْبِحَ كاتِبَةً، لِيَتَبَرَّأَ مِنِّي تَمامًا عِنْدَها." "أَريفَا، اسْتَيْقِظِي! ذَلِكَ الَّذي تَقولِينَ عَنْهُ "أَبِي" قَدْ طَرَدَكِ مِنَ البَيْتِ، وَأَنْتِ لا تَزَالِينَ تَكْتَرِثِينَ لِأَمْرِهِ؟" نَظَرَتْ إلَيْهِ نَظْرَةً كُلُّها حُزْنٌ، فَكَلِمَةٌ واحِدَةٌ مِنْهُ جَعَلَتْها تَتَذَكَّرُ تِلْكَ المُعاناةِ الَّتي مَرَّتْ عَلَيْها في هَذِهِ الثَّلاثَةِ أَشْهُرِ الأَخِيرَةِ. "أَنا أَعْلَمُ أَنَّهُ طَرَدَنِي مِنَ البَيْتِ، لَيْسَ عَلَيْكَ تَذْكيرِي في كُلِّ مَرَّةٍ تُقابِلُنِي فيها. وَحَتَّى لَوْ طَرَدَنِي، سَيَبْقَى أَبِي مَهْما فَعَلَ. جُون، أَهَمُّ شَيْءٍ في هَذِهِ الحَياةِ هِيَ العائِلَةُ. قَدْ تَحْدُثُ المَشاكِلُ بَيْنَ أَفْرادِها، أَجَلْ، وَلَكِنْ لَيْسَ عَلَيْهِمُ الوُقوعُ في الخَطَأِ وَتَفْكيكُها. كُلُّ ما عَلَى الفَرْدِ فِعْلُهُ هُوَ التَّمَسُّكُ بِعائِلَتِهِ، لِأَنَّهُ سَيَتَأَكّدُ في النِّهايَةِ أَنَّهُ لَنْ يَجِدَ في هَذِهِ الدُّنْيا مَنْ هُوَ أَهَمُّ مِنْها. عائِلَتُنا هِيَ أَهَمُّ شَيْءٍ لَنا." صَمَتَ بِبَساطَةٍ، لِأَنَّهُ يُدْرِكُ أَنَّهُ حَتَّى لَوْ قالَ شَيْئًا لَنْ يُغَيِّرَ أَيَّ شَيْءٍ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يُحاوِلَ إِقْناعَها. "صَديقَتِي، أَنا أُريدُكِ أَنْ تُفَكِّرِي بِمُسْتَقْبَلِكِ، أَنا لا أُريدُكِ أَنْ تَنْدَمِي بَعْدَ فَواتِ الأَوَانِ." "أَنا لا أَنْدَمُ، وَإِنْ نَدِمْتُ سَأَكُونُ قَدْ فَعَلْتُ شَيْئًا خَطَأً، وَأَنا واثِقَةٌ أَنِّي لَنْ أَفْعَلَ." Insta: mb_writer_20

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مَاريُونِيت

المؤلف Mb_writer
2024/06/24 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة