مدخل:ترنيمه الهاوية عُزفت

مدخل:ترنيمه الهاوية عُزفت

13 0

خطواتٌ صغيرةٌ مزّقت أحشاءَ الصمت.

كان يسير في الخلف، متخلّفًا عن الرجلين اللذين اصطحباه.

توقّف أخيرًا بعد أن توقّفت خطواتهما أمامه. نزع كلٌّ منهما المجرفة التي كان يحملها، وترَكاه بلا شرح، كما لو أنّهما نسياه.

لم يفهم سبب هذا الاستدعاء المفاجئ.

كلُّ ما سمعه أنّه أمرٌ مباشر من والده.

لكن ما باليد حيلة؛ لا يمكنه الاعتراض أو السؤال حتّى. ماذا يفعلون هنا بعد منتصف الليل؟

كلُّ ما رآه هو حفرةٌ صغيرة الحجم، ليست عميقةً جدًّا.

سرعان ما بدأ الرجال باستكمال حفرها، عندها فهم لماذا يحملون المجارف معهم.

لكنه ما زال لم يفهم: لماذا هو هنا بالضبط؟

هل هذا درسٌ من نوعٍ ما؟ كان هذا كلَّ ما طرحه عقلُه المتعب.

كان يريد النوم حقًّا.

لكن سرعان ما حلّقت فكرة النوم بعيدًا عن رأسه بمجرد أن لمحه قادمًا من بعيد:

رداءٌ أسود مخطَّط بالذهبي عند الصدر، دائرةٌ فضية تتوسّطها شعلةٌ تزهر منها عينٌ مطرَّزة بالأسود، شعرٌ أدهم وعيونٌ سوداء.

أسرع بالتقدّم باتجاهه، لكن بمجرد أن تحرّك أشار له بعدم الاقتراب.

صمتٌ قاتلٌ احتلّ المكان، لا يقطعه سوى صوت الحفر،

مما جعله يعيد مراجعة كلّ شيءٍ فعله أو قاله... لم يصل لشيء.

لا شيء.

كلُّ شيءٍ على ما يرام.

فقط، إذاً لماذا يحدّق به هكذا؟ ماذا فعلت؟

*توقّف... أنت بخير. كلُّ شيءٍ سيكون بخير.

فقط تنفّس. واحد، اثنان، ثلاثة... أهدأ. لا بأس*.

بدأ يجول بعينيه في المكان.

*مذهل، أنا لم آتِ إلى هنا من قبل. هذه الصخور كبيرة حقًّا... هل يمكنني تسلّق إحداها؟ المنظر من الأعلى سيكون جميلًا حقًّا لم يستطع تخيل لأمر إذا رآه أحدهم هناك سرعان ما نفض عن نفسه شروده وعاد للتركيز الي ما أمام عينيه*.

حفر.

حفر.

*ماذا يحفرون حتى؟ ربما بئر.

لكن من يذهب إلى حفر بئرٍ والناس نيام؟ منذ متى كان والده له علاقة بمثل هذه المشاريع أصلًا؟*

لم يستطع النظر باتجاه والده مجددًا، لا يريد أن تلتقي أعينهما صدفة.

حتى اختلس النظر بسرعة ليجده يحدّق باتجاه تلك الحفرة، ثم تقدّم نحو الرجال حتى أصبح أمامها وأشار لهم بالتوقف، وابتعد كلٌّ منهما بعدها.

ظلّ صامتًا لبرهة، ثم أردف:

«أليس عدلًا أن تختنق كما خنقتَ بيدك روحًا بريئة وحرمتَها الخلاص؟»

رفع عينيه أخيرًا إليه، يحاول أن يقرأ ما يفكر به، علّه يفهم ما قاله، كما لو أنّه يتحدث بلغةٍ أخرى.

أنا؟ ماذا؟ هل يتحدث معي أنا؟

لحظة فقط... من يقول ماذا؟

حتى كيف يستطيع أن يتحدث هكذا؟ هل يسخر منّي؟ أم أن ما حدث لا يعني له شيئًا؟

هو ليس قاتلًا! لن يقبلها منه، هو بالذات! أراد أن يصرخ في وجهه بذلك، لكن ما جدوى ذلك؟

من سيصدّق "نجسًا"؟ من سيؤمن ببراءة "آثمٍ" وُصم بالخطيئة؟

هو نفسه لا يصدّقه.

لكن... منذ متى يعلم بالأمر أصلًا؟

إذا كان يعلم منذ البداية، لماذا انتظر ثلاثة أشهر كاملة كي يتحرّك؟

على ماذا ينوي الآن؟

طأطأ رأسه وشدّ يديه بشدّة، وهو يشعر أن أظافره تغوص في راحتيه.

مجدّدًا، مجدّدًا... ظلّ جبانًا.

مجرد جبانٍ منافقٍ وأناني.

على من يكذب؟

هو يريد العودة إلى سريره فقط، فقط!

كلّ ما عليه هو إرضاؤه وحسب.

سيقول أيّ شيءٍ كان يريد أن يسمعه منه.

اخترق مسامعه سماع اسمه. عليه أن يهدأ، أهدأ وحسب.

*قبضتُ على يديّ بشدّة... لماذا؟ لأن الجو أصبح باردًا جدًّا. فقط... ما كان عليّ الخروج بملابس النوم*.

توقّف عن الارتجاف. ابتسم. أجل، أحسنت.

تحرّك ببطءٍ قليلًا.

شعرتُ أنّ قدميّ ابتلعتْهما رمالٌ متحرّكة.

واصلتُ وأنا أشعر أنّني أجرّ نفسي جرًّا، بالرغم من المسافة التي لا تتجاوز ثلاثة أمتار.

حتى صرتُ بجانبه تمامًا.

*أجل، أنا بخير. *

انحنيتُ قليلًا واضعًا يدي على صدري.

– سيدي... (همستُ).

لا ردّ.

*ألم يسمع؟ لا، لقد سمع بوضوح، لكنه ببساطة أعاد نظره إلى الحفرة مجددًا*.

رفعتُ رأسي ووقفتُ بجانبه أنظر إليها.

*إنّه مظلمٌ حقًّا... هذا مخيف*. ابتلعتُ ريقي بصعوبة.

شعرتُ بيديه تسقط على كتفي وتضغط بشدّة... ثم فراغ.

هل دفعني للتوّ؟

لماذا؟

آخر ما رأيته كان ظهره.

هل ألقاني ثم أدار ظهره لي؟ بهذه البساطة؟ هكذا فقط؟

أمسك ذلك الشخص الغطاء وأغلق عليّ.

لم يعد يفرّق... أصبح أيّ أحدٍ يطلق عليه عقله "شخصًا ما".

ظلامٌ معتمٌ حلّ عليّ.

ظللتُ أحدّق في الفراغ غير قادرٍ على فعل أيّ شيء، كما لو أنّ عقلي قد أعلن استقالته وتركَني وحدي.

*ما الذي يحدث؟ هذا حلم، صحيح؟ بل هذا كابوسٌ مزعج. إذا أغلقتُ عينيّ وفتحتُهما سأعود إلى الفراش*.

آه... لا شيء تغيّر.

*هذا ليس حلمًا ولا كابوسًا... هذه الحقيقة.

ماذا يعني ذلك؟ هذا غير ممكن!*.

*آسف، أبي، رجاءً، أنا لن أكرّرها، أقسم لك.

سامحني، من فضلك، هذه المرّة فقط، آخر مرّة. أعدك... سوف أكون جيّدًا*.

ظللتُ غير قادرٍ على إخراج حرفٍ واحدٍ مما صرختُ به لنفسي، كما لو أنّ أحبالي الصوتية ذابت.

– «سيدي... رجاء»ً.

خرج صوتي أخيرًا متقطعًا بسبب السعال الذي هاجم صدري.

تردّد الرجلان أمامه قليلًا... توقّف لثوانٍ... ثم عاد ليدمُني بالتراب مع آمالي.

عضضتُ شفتيّ، وبدأت عيناي تمطران توازيًا مع دخول التراب إلى حلقي.

لم يعد بإمكاني الركل أكثر... يبدو أنّني سأكمل نومي هنا.

نومًا لن أستيقظ منه أبدًا.

عندما أدركت أنه لا فائدة ترجي... ضحكتُ.

بدا كصوت تحطّم زجاج.

شيءٌ ما تحطّم في صدري،

بدأ كلّ شيءٍمنذ البداية للنهايه يتموّج في رأسه وتتقاذفه الأفكار وتشده من كل الاتجاهات حتى ذاب إلى الداخل.

فهوى إلى قاع نفسه.

ظلامٌ كثيف. دبِق.

لا فرق بين إغماض عينيه أو فتحهما على مصراعيهما... كما لو أنّهما ذابتا.

لا ضوء.

لا صوت.

فقط دقّات قلبه... تدوي كالطبول داخل جمجمته.

يركل الغطاء الخشبي بساقيه.

لا جدوى.

الضيق يسحق أضلاعه حتى تكاد تصرخ.

الرطوبة تزحف تحت جلده.

البرد يلسع لحمه.

العرق يختلط بالتراب على شفتيه.

صدره يعلو وينخفض بجنون... كما لو أنّه في سباق.

يده ترتطم بالخشب.

أظافره... كأعواد ثقابٍ محروقة، أطرافها تتفتّت وهي تحفر في شيءٍ طري.

أصبح كدميةٍ محشوةٍ بالتراب بدل القطن.

طعم الحديد يصعد إلى فمه.

مرّ. مالح. يختلط بالطين الذي ابتلعه عنوةً.

رئتاه تحترقان. حلقه يحترق.

سعالٌ عنيف يهزّ جسده كدميةٍ محطّمة.

يشعر أنّه يتقيأ كلّ شيء: التراب، الهواء، روحه.

ثم... دغدغةٌ خفيفةٌ عند كاحله.

شيءٌ صغير. طري. زلق.

يزحف أعلى... إلى فخذه... أعلى... أعلى.

واحدةٌ أخرى تدخل أذنه.

أخرى تتلوّى داخل حلقه.

يحكّ جلده بالخشب حتى تنغرز أظافره فيه.

يحاول الصراخ... لكن الديدان تتكاثر.

أصبحت تغطيه، تخرج من داخل جسده، تزحف على لسانه، في عينيه.

أصبح وليمةً حيّة.

وجوهٌ صغيرةٌ كثيرةٌ تضحك... تبتسم بسخرية.

يغوص... يغرق... إلى أسفل.

صدره ينخفض... بلا ارتفاع.

رأسه يلتصق بالطين.

---

– الراوي –

الطين يتشكّل كقالبٍ أسود بلا عيون.

القالب يحدّق إليه... يحدّق هو إلى نفسه.

ثم... انفصل عنه.

نظر إلى أسفل.

وجد عينيه تنظران إليه من هناك.

كلاهما هو نفسه.

الأرض تتشقّق.

السماء تبتلعها.

الصراخ يصدح: ضحكٌ خافت، بكاءٌ صادح، صياحٌ غريب.

يتغنّى بالألم، بالاختناق، بالشعور... ثم يختنق الصمت بصرخة.

ثم –

صمت.

صمتٌ مبتسم... تشقّه ابتسامةٌ من الأعلى إلى الأسفل.

أنت تريد المزيد... المزيد... المزيد...

وأنا... أريده أيضًا.

قف على قدميك... افتح ذراعيك... أغلق عينيك...

ابتسم.

ضمّني إليك.

----------------------------------------------------------

التعديل رقم الف علي المدخل أريد أن اعلم فقط متي سوف اخرج من هنا لست راضيه عنه تماماً لكن لا بأس به يفي بالغرض أظن

فقط لأن يمكن تسميته فصل صراحه لقد نسيت أنني اكتب رواية اصلا وخرج لأمر من يدي في البداية فعلياً الجزء الثاني هو ما كتب أولا ثم الجزء الاول اضفته كي يوضح الجزء الثاني الذي يبدو أنه سريالي حقا إلي لأن

كما أنني مللت بالفعل هذا كافي للان فعلياً الفصل الاول في كل لأحوال سوف ينزل بعد قرن لأنني كسوله اولا ولدي دراسة ثانياً للأسف

أخيرا ما تقييمكم للسرد والوصف هنا أريد أن أعرف إذا كان جيداً

أي نصيحه لا تقلق أنا لا اعض

سؤال اخر هل أنا وحدي من أعاني من علامات الترقيم و وضع تشكيل الحروف تقريبا الانني غير معتادة على كتابة أي شيء طويل هل الفصل يعد طويل لأنه فعلاً أقصي حد استطيع الوصول إليه ومازالت معجزه بالنسبة لي

من المفروض أنني راجعت الفصل لذا أخبروني إذا وجدت أي اخطأ إملائية

لن اقول أي توقعات لأنه كل شيء مبهم خاصه أن هذا المشهد في نقطة بعيدة اصلا حتى عن بداية الرواية من الناحية الزمنيه إلا أنني فقط احببت ان أشير إلى هذا قبل الفصل القادم الذي لن يأتي قريباً حتى لا تشعروا أن الأحداث قطعت أو أنك دخلت رواية أخرى لها نفس العنوان والغلاف

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المهد الزجاجي

المؤلف نورين
2025/11/24 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة