مجزرة أولى و ناجي وحيد

مجزرة أولى و ناجي وحيد

17 0

وسط مدينة غمر السرور بيوتها، و ملأ عبير المسك ارجاؤها، كان عمرو في أواخر العيشرينات من عمره، عندما كان يتجول في حيه كالمعتاد حتى قابلته فتاة تبدو هي الأخرى في العيشرينات.شعرها الأسود منسدل على ظهرها و عيونها الخضراء الملونة لم ير أجمل منها قط....

بقى شاردا فيها ليسرع خلفها حتى دخلت مكتبة العائلة التي نشأ عمرو بين أحضانها، كان سيدخل هو الآخر لكن سمع صفعة، نعم. صفحة تبعها صراخ تلك الفتاة...

تفاجأ عمرو حتى سمع صوت والده الذي يدير تلك المكتبة و هو يصيح بانزعاج:"ألم أقل لك ألا تأتي؟ لماذا قدمت يا لميس؟"

أنا آسفة، لكن هذا ضروري." اتبعني رجاءا سيد سعيد."

تفاجأ عمرو و قرر إتباعهم لأن فضوله سيقتله.سار وراءهم ببطىء شديد، و بين الحين و الآخر احتار من الابتسامات الماكرة التي ترتسم على شفتي الفتاة.

اختبأ خلف شجرة كبيرة كافية لتغطيته. خرجت لميس و تبعها سعيد والد عمرو. بقى عمرو ورائهم يتبعم خفية؛ بينما واصلو المسير حتى وصلوا إلى الغابة التي كانت على الطرف التاني للمدينة.

عمرو في قرارة نفسه:" أوووف!أين سيذهبون؟ أعرف أنني لن أسطتيع النوم هذه الليلة وإلا لن أتبعهم خطوة! "     

واصلو! التقدم وعمرو وراءهم حتى سمع صوت طلقات النار، ذلك الصوت  وصوت صراخ الأهالي قد أجتاح المكان اجتياحا...

ادار سعيد رأسه يمينا و شمالا في حيرة من أمره، ثم صرخ في وجه لميس قائلا:"ماهذا؟ لميس لدي المال لا تقتليني!"

صدم عمرو من ترجي والده الآن، و قد كان قبل قليل يمشي بهيمنة و كأنه سيد الأراضي.

رجاءا أنا أتوسل إليك!! ألا" تصدقينني؟؟"

نظرت لميس نظرة سخرية و استهزاء، ثم ضحكت و أنبست: "إبني بهم قبرك و قبر عائلتك! لا نحتاج مالك  القذر مثلك! أم أنك لا تفهم؟"

لا لا لا ! أنا أتوسل إليك" لميس،لا تفعلي شيئا لي! أتركيني أنا على الأقل! لا شأن لي في بقية المدينة!"

تصلب عمرو في مكانه، فقد كان ينوي إنقاذ والده. لكن تلك الكلمات التي قالها لم يسطتع تخطيها. نزلت كالصاعقة على فؤاده المجروح. إغرورقت عيناه بالدموع، و قال بصوت منخفض:"كنت أعرف أنك جبان، لكن.... لكن لم أتوقع أن تكون "جبان خائن إلى هذه الدرجة!!" "لماذا؟"

سقط أرضا و لم يستطع إيقاف دموعه التي تنهمر بغزارة من عينيه. لحظات معدودة، حتى وصل أحد و صرخ قائلا:"لميس! هل تأديت؟ هل أنت بخير؟ خدك، إنه أحمر من السافل الذي آذاكي؟"

وضعت لميس راحة يدها بلطف على خدها وقالت:"ليس شيئا،سينتهي أمر هذا السافل هنا و الآن! "    

قالت مشيرتا بإصبعها إلى سعيد الذي جثى على ركبتيه يترجاهما بيأس.

امتزجت نسمات الرياح الباردة التي تَهُبُّ بصرخات الأهالي و بكائهم. و قد ضاق صدر عمرو من رائحة البارود و الدخان الخارقة.

ذلك الصراخ، صوت الرصاص لا مكان للهرب، على عمرو البقاء في مكانه لكي ينجو بحياته، أراد إنقاذ عائلته. لكن للأسف؛ لا يوجد طريق للعودة إلى المدينة. حتى لو ركض غير مبال بالرجال المتجمعين أمامه و الصراخ الذي ملئ كل ركن في المدينة، فحتما رصاصة ستصيبه ولن يتمكن من فعل شيء.

أطلق الرجل النار  الذي كان مع لميس على سعيد دون أن يرف له جفن. رجال ملثمون يحيطون المكان، يراقبون الوضع بهدوء شديد...

"واحد، إثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة،ستة،سبعة... سبعة" طلقات،عدهم عمرو هامسا بأسى:"سبعة في أبي، ماذا فعل ليموت هذه الميتة الشنيعة؟"

سمع ضحكات لميس، ولم يقاطعها إلىّ صوت إنفجار دوّى المكان التفت عمرو قائلا :"أمي،أختي! ماذا حصل لهم؟ ه..ل هم بخي-بخير؟"

تلك الصدمة التي تلاها الإنفجار، كافيان لكي يفقد عمرو وعيه.

لحسن حظه، لم ينتبه له أي أحد؛ فقد كان خلف صخرة بجانب الوادي، بينما الآخرون وقفوا بعيدا عنه.

استيقظ من على الأرض بصعوبة ممسكاً رأسه. شعر و كأن أحد ضربه عليه.

"كم استغرقت في النوم؟ ماذا حدث لعائلتي؟"

أسئلة تراود عمرو، لا يوجد لها جواب.

تقدم بخطوات ثقيلة، ليقف في مكانه برعب محدقا بجثة والده مرمية على الأرض مليئة بطلقات النار. رسمت تعابير خوف على وجه، و ظهر عليه أن تألم كثيرا قبل موته. فتنهد عمرو قبل أن يقول و كفه على رأسه: "آخ، أردت أن تنجو بحياتك؟ متَّ ميتة شنيعة، أوف منك! لم فعلت ما فعلته يا أبتاه؟"

بدأ عمرو بالصراخ و البكاء. "لماذا؟ آخ يا أبتاه! ماذا فعلت حتى دمرت المدينة و أهلها؟؟؟"

كان أساه شديدا على نهاية والده، و خوفه يتملكه اتجاه عائلته.

استدار مغادرا المكان و الدموع لم تفارق عينيه.

ما إن وصل إلى المدينة التي ترعرع فيها، حتى ذهب راكضا إلى بيته. لم يجد إلى آثار الحريق. توجه إلى المكتبة يركض بهستيريا، كانت المكتبة أفضل بقليل من حال البيت، دخل بسرعة حتى وجد جثث عديدة جعلته يقف غير قادرا على الحراك برعب.

كانت عائلته، أمه و أخيه. جداه و أختاه.

لم يسطتع التنفس من هول ما رآه، أمسك صدره و جثى على ركبتيه وهو يحاول التنفس بصعوبة، أمسك جثة أخته التي لم  تتأدى كثيرا عكس جثت البقية.

تلامس أنامله شعرها المحروق، و هو ليس قادر على نطق كلمة. قلبه يحترق من الداخل. قد كان خائف من هذه الحقيقة...

"لماذا حدث هذا؟ ماهو ذنب عائلتي؟"

عقله يعج بالأفكار، ولا يستطيع إيجاد جواب لأي سؤال. تنهمر الدموع من عينيه كما ينهمر المطر من السماء. بالكاد تمالك نفسه لينطق بهذه الكلمات:

"أختي! استيقظي رجاءا! سأعطيك اللحم، سأعطيك قدرما تشائين! استيقظي وحسب، إستيقظي لماذا تنامين في مثل هذا الوقت؟"

على فخذه الأيسر جثة أخته، و على الأيمن جثة أمه بالكاذ عرفها.

"آآآآه! لماذا أنتم نائمون في الصباح؟"

"أمي سأرتب غرفتي لن تتعبي بعد الآن أنا أعدك!" لك

لذا، لذا، رجاءا عودي!"

كان يترجى جسدا فارقته الحياة. ذات يوم كان مفعما بالحيوية لكن الآن كل شيء تحطم كقطعة زجاج...

"! أنا أعدك، لذا رجاءا، رجاءا..."

صوت متقطع بسبب البكاء، نار تحرق فؤاده ولا يوجد ماء ليطفئها.

يتقلب بين جثث عائلته، و يصرخ و يمسكهم واحدا تلو الآخر.

"لماذا كلكم؟ جدي الكتب سيسرقونها! لذا استيقظ!"

"أخي، أخي، أخي!"

"سأعطيك الحلوى المفضلة لديك! سأشتري لك ما تشاء! لذا، لذا لا تغمض عينيك!"

ينادي كل فرد من عائلته، و يترجاهم واحدا تلو الآخر. يسأل لماذا ماتو؟ لماذا قتلوهم؟

لا يوجد كتاب سالم ليقرأه و يعرف ما يجري حتى.

"هل أبي مدان؟!؟"

يصرخ مرة أخرى ولكن لا يوجد من يسمعه. لا حياة لمن تنادي...

ليت أحد يجيب، ليت أحد يتحدث.

"لماذا كلكم موتى؟؟!"

'آه، آه!'

"أخ، أخ آخ سحقا! تبا للأوغاد الذين تجرأوا على إيذائكم! لماذا لم أمت هنا مثلكم؟"

"لماذا أنا الناجي الوحيد؟"

يضرب بيديه الأرض، و يصرخ لكنه لا يجد جواب يبرد نار فؤاده المجروح.

لا ناجي، ولا أحد يسمع مناجاته، ولا أحد حي، ولا أحد يجيب لكلامه.

يضغط على يديه، يضغط بأصابعه حتى تسبب بجرحهم، أظافر فيها دماء، وهو الدماء الوحيد التي سبق ولطخته هي دماء الخرفان و الطيور.

و لم يحاول أذية أحد من قبل، لم يؤدي أحدا أساسا.

قطرة وراء قطرة، و الدماء تتوقف لبرهة حتى يعيد الظغط على الجرح مرة أخرى!

ولكن، ليت هذا يفيده. فالآن، أدرك عمرو أنه لا يملك أحدا يعتبره عائلته، ولا منزلا يسميه منزله.

يرفع رأسه و يناظر السقف المحروق، و قلبه يكاد يخرج من صدره لشدة الخفقان.

( أين أنت ذاهب يا عمرو؟)

(غرفتك في حالة كارثية! لقد قلبتها رأسا على عقب!)

( !هي الفطور جاهز يا بني)

( أخي أخي! أريد الحلوى رجاءا)

(و أنا أرغب باللحم! أريده حالا حالا!)

تتبادر إلى ذهنه ذكريات السنوات الفارطة. صدى صوتهم مازال عالقا في رأسه. هذا يشعره بالأسى الشديد...

بقيَ هناك لبرهة غير مستوعبا ما حصل. فمن فعل هذا؟ و لماذا؟ كيف سيكمل حياته؟ فهل

ستدوم حياته بشكل طبيعي؟

كل شيء، انقلب رأسا على عقب...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عابر السبيل

المؤلف Safwa
2025/09/25 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة