«جريمة رهن الاعتقال»
أصوات صرخاتٍ تقطع عنان السماء وظلمة الليل، نهرٌ من الدماء يسيل بلونه القرمزي تتراقص ألسنة اللهب على إنعكاسه بتناغمٍ وكأنهما مزيجان مختلطانِ من قديم الأزل، تعالت صيحات الحشود أمام المنزل المشتعل بالنار عندما صرخت المرأة تنذر بوجود شابٍ بالمنزل حتى أصبح الجميع موقنين أن تلك الدماء تعود له، فلم يُرى بذلك المبنى المتهالك سوى شقوق متصدعة أصبحت أنقاضًا مع مرور الوقت واشتداد الحريق ضراوةً.
اقتحم رجال الإسعاف المكان متخطيين العوائق الحجرية الضخمة وقطع الأثاث المتفحمة على أمل العثور على أي جسدٍ تحت الأنقاض، لكن كل ما تم العثور عليه هو زجاجاتٌ معدنية تشبه قوارير الحبر التي كانت تستخدم في الكتابة بالريشة قديمًا، بداخلها دماء متكتلة جفت أثر الحريق.
اقترب ضابط الشرطة من المسعف حالما خرج من المنزل ليأخذ منه القارورة بقطعة قماشية متفحصًا إياها بعدما كشر أنفه من الرائحة التي تخثرت برئتيه، رفع عيناه للجثث التي خرجت من المبنى ثم مد القارورة للمسعف من جديد وأردف بصوت جهوري خالٍ من الحزن أو الشفقة نحو الجثمانين المتفحمين هناك، مما أثار حنق بقية سكان القرية من بروده:
-فلتقم بتحليل هذه الدماء وأرسل لي النتائج، أظن أنها قد تعود لأحدهما.
وأشار للجثتين كاتمًا أنفاسه عبر وضع سبابته وإبهامه على طرفي انفه ليرحل لسيارته حتى يلتقط بعض الهواء بعيدًا عن موقع الحادث الممتلئ بالدخان.
-سيدي هل نستدعي المحقق؟
-انتظر حتى تخرج نتائج الفحص، إن كانت شكوكي في محلها وظهرت النتيجة التي أنتظرها...فستكون الواقعة لغزًا سهل الحل.
استطرد الشرطي بعدما دعك صدغيه بتعب من ثقل هذا اليوم عليه، واستمر التحقيق والتفتيش حول هذه المنطقة مستمرًا لأيام طويلة يبحث فيها الجميع عن الفتى المفقود حيث كانت الجثة المتفحمة أكبر من أن تكون للفتى من المتوسط والذي كان يراه الناس دائمًا، متسائلين عن هوية الجثمانين الآخرين بحيرة وفضول غزاهم والمسعفون ممن يمكثون بين ضواحي هذه القرية.
جلست عند عتبة منزلنا أراقب الأجساد المتنقلة هنا وهناك بحيرة من أمري وحاجبين معقودان حتى نهضت من مكاني أتجه نحو الشرطي ذو الزي الأزرق أشد طرف بذلته التي بدت لي قيمةً وتعطي إحساسًا بالفخر والسلطة التي سمعت عنها ولم أعرف معناها سوى الليلة الماضية حينما نهرنا ذلك الرجل بعلو صوته أن نعرج لبيوتنا قائلًا أنه لا يوجد عرض هنا بينما تقهقرت قرب الباب أضم قدماي لي بأعين امتلأت بالخوف منه لدرجة أخرستني عن الاعتراض، قلت وأنا أرفع رأسي له لعلو قامته:
-هل ستعيدون لي سامر؟
التفت لي وتوقف عن إلقاء الأوامر كما بدى منزعجًا من قبضتي التي تحيط قماش بذلته وأجابني بعدم اكتراث لم يحاول إخفاءه من:
-نعم نعم، هيا عد لمنزلك يا فتى ولا تزعج رجال الشرطة.
لكنني علمت من نبرته ومن نظرة الرجال الباقين نحوي بشفقة أنه يظنني أتيت قاصدًا الشاب ضحية الحريق لأنفي والعبوس ارتسم على ملامحي من استخفافه:
-سامر هرب صحيح؟ وعدني أن يهرب، وعدني أن يترك أخاه ويهرب...ولكنني اشتقت له.
أنكست رأسي بعدما همست بكلماتي الأخيرة أفلت الشرطي ثم سحبت نفس عميق أحجم شهقتي المعلنة عن رغبتي بالبكاء لأغطي شفاهي المرتجفة وأسير مبتعدًا نحو البيت حينما تبعني أحد رجال الشرطة وأوقفني عند عتبة منزلنا متسائلًا بلطف:
-هل أنت بخير؟ ما رأيك بأن تشرب كوب ماء وتحكي لي عن سامر حتى نبحث بشكل أفضل؟
أومأت بصمت معبرًا بدون الكلمات عن رغبتي في الإفصاح له عن ما يختلج دواخلي منذ الأزل لأجده يقتادني من يدي برفق شجعني أكثر لخوض هذه المحادثة حتى جلسنا واحتسيت كوبًا من شاي اليانسون الدافئ المقدم لي من أحد رجال الشرطة الآخرين، وبدأت أسرد كل شيء بعد حصولي على أول رشفة من الكوب بين يداي والإرتخاء الذي داهمني بعدها.:
-سامر هو صديق طفولتي المقرب والوحيد، كنا نلعب دائمًا معًا منذ سرنا على أقدامنا لاستكشاف ماهو خارج البيت، لم أرى من قبل والدة سامر حتى عندما سألته مرات كثيرة وكان يجيبني بأنه لا يعرف ما الأم.
حتى دخلنا الإبتدائية وعندما عرفت معنى جهله هذا حتمًا لم أتجرأ على سؤاله إلى أن أخبرني هو بكونها توفت جراء حادث مأسوي، قال أنها كانت تطبخ ووقع عليها زيت الطعام وحصل ما حصل، وبعد وقتٍ آخر ومع نضوجنا قرابة المرحلة الإعدادية لاحظت عدم تواجد والده أو إخوة له فلم أكن أدخل لبيته أبدًا، ولم نكن نخوض حديثًا عنهم فامتنعت بدوري عن السؤال.
لكنه بدا لي متغيرًا في السنوات الأخيرة، منذ الصف الخامس تقريبًا، كان يختفي لساعات طويلة من النهار وأحيانًا لا يعود لمنزله إلا ليلًا، أيامًا كثيرة لم يأتِ للمدرسة حتى ثم يزورني بمنزلي بنهاية اليوم لنستذكر دروسنا معًا بحجة أنه كان أكسل من النهوض عن السرير صباحًا....لكنني أعرف صديقي هو لا يفوت فرصة للدراسة أبدًا، كان يضيع وقت الاستراحة والحصص الفارغة في المكتبة أو مع المعلمة اعتماد متلقيًا لديها دروسًا إضافية، أو للخوض في نقاش علمي خارجًا عن المنهج فقد كانت تفضله للغاية عن بقية الطلاب لذكائه ووداعته الغير متصنعة.
أخذت نفس عميق توقفت معه عن السرد حينما ربت ضابط الشرطة على كفي الموضوعة على الطاولة بنظراته نحوي تهمس بكلمات تشجيعية لم يسمعها سواي ثم أومأت بعدها مبتلعًا رمقي وقد أكملت بأسًى واضح وقلت:
-في وقتٍ ما أصبح يتجنبني بالكامل، يخرج بالزي المدرسي ويعود به متربًا متشحًا بالسواد من اتساخه كعمال المناجم تمامًا
والسويعات القليلة التي كنا نقضيها بمنزلي نستذكر ما لم يحضره سامر بالمدرسة بسبب تغيبه أصبحت محض ذكرى تنكمش ملامحه في ضيق كلما أذكرها أمامه ولو بالخطأ.
بصراحة أنا لم أضيع وقتكم لأجل هذا سيدي، بل لأنني لاحظت أن تلك الحادثة تؤكد بعض الشكوك التي تكونت طوال ذلك الوقت عن حياة صديقي داخل ذلك المنزل الذي لم يتجرأ أحد ويدخله من قبل ظانين أنه مسكون بالأشباح بسبب غرابته، أنا لم أرى بالفعل أي شخص ولو بالصدفة بمنزلهم ولكن سمعت وبالصدفة هذيان سامر عندما كان يذاكر بغرفتي ونام من التعب ثبدأ يتمتم بجمل كانت مبهمة بالنسبة لي، مثل(أخي...أنقذوه على الأقل، هو لم يفعل شيء، هذا لم يكن خطئه) وما إلى ذلك.
انفلت مني زفير طويل بحزن واشتياق بادٍ على ملمحي حينما لاحت لي ذكرى ذلك اليوم وظللت أراقب نومته بقلق طوال الليل وحتى الساعة الثانية ليلًا عندما استيقظ فزعًا يبحث عن أي ساعة حوله قبل أن يفز راكضًا دون أي كلمة ليخرج من المنزل نحو مسكنه وهو يتمتم لنفسه بكلام لم أسمعه زاد من قلقي أكثر فأصبحت متحفظًا نحو أسألتي حوله تزامنًا مع ابتعادنا تدريجيًا وانشغاله بالعمل الذي اكتشفت أنه يذهب إليه.
نظرت للضابط وقررت أن أخبره بالمزيد على أمل أن تساعده تلك المعلومات في إيجاده:
-لقد كان يعمل في ورشة صيانة سيارات، ومرة رأيته بملابس الخدمة في مطعم شعبي بالحي المجاور لنا، هذا كل ما أعرفه.
أنكست رأسي في أسى ازداد مع علامات الحيرة على رجال الشرطة لأنهض مستغلًا جلسة تفكيرهم متجهًا نحو منزلي قبل أن تنهرني أمي فور رؤيتي بالقرب من الحطام عند ذلك المنزل الذي أصبح مصدر شؤم يتداول الجيران قصته على ألسنتهم كل ثانية.
-هل تظن أن ذلك الفتى قتلهم؟
-نحن لا نعرف من هم، ولم تصلنا بعد نتائج الأبحاث والفحوصات على أي حال، لننتظر....
ولم يكد يكمل الشرطي كلامه حتى أغلق فمه ملتفتًا لسيارة الشىطة القادمة بسرعة بدت مبالغ بها بالنسبة لهم لتتوقف مباشرةً أمامهم ووقف الإثنين بعدم فهم يطالعان الباب الذي فتح للجانب ووضابط الذي خرج من خلفه بزيه الأنيق غير خاصتهم المترب ثم أخرج ورقة بيضاء مطوية قام بفردها أمامهم ثم قرأ محتواها بصوته العميق ونبرته الرسمية كما اعتاد في عمله:
-من معمل التحليل الجنائي، قمنا بفحص العينات برغم صعوبة الإطلاع عليها من إثار الحريق إلا أن نتائج الفحص تتطابق مع الجثة رقم واحد بنسبة عشرون بالمئة، وأما عن الجثة رقم اثنين فتطابقت معها الدماء بنسبة ستون بالمئة، ورغم أن الدماء لا تخص كلا الجثتين إلا أننا نحمل معلوماتٍ مهمة من هذا الفحص ألا وهي...الجثة رقم واحد هو والد الجثة رقم اثنين، بينما الدماء تخص فردًا آخرًا في هذه العائلة نظن أنه شقيقٌ للجثة رقم اثنين وابنٌ للجثة رقم ثلاثة.
الجثة رقم واحد: رجل أربعيني، شعر أسود مع صلع وراثي، أعينه باللون البني، بشرته سمراء، مدخن، سكير، لا يملك أي أمراض مزمنة.
الجثة رقم اثنين: شاب في عقده الثاني، شعره أشقر، أعينه زرقاء، بشرته قمحاء شاحبة، كان يعاني من سوء التغذية، ونظن أنه كان قعيدًا.
صاحب العينة المرسلة: شاب في عقده الثاني، شعره أسود، أعينه زرقاء، بشرته بيضاء شاحبة، نظن أنه كان يعاني انخفاض في السكر كمرض مزمن.
ترك الورقة من يده فوق طاولة الشرطيان بعدما تقدم نحوهما ثم أخرج مجلدًا آخر من جيب بذلته الرسمية ملقيًا إياه بذات المكان وقام بتحيته العسكرية يضرب الأرض بقدمه مما أحدث غبارًا سعل أثره الباقون وباح بصوتٍ عال:
-تحياتي.
انحنى ثم عاد للسيارة التي اختفت من أمامهم في لمح البصر مخلفةً وراءها أجساد متيبسة من هول ما سمعوه فقد تطابقت أقوال الفتى مع نتائج التحليل ليلتفت الضابط لزميله بأعين منفتحة على وسعها من الفضول، نهض من مكانه وحمل الورقة الأولى التي اندست أسفل الملف الأخير ليمدها لزميل آخر بإيماءة أعلمته بما يتوجب عليه فعله، عاد لمقعده مع كوبين من الشاي أعدهما العامل ثم أخرج الأوراق من الملف واحدًا تلو الأحر وأمسك بها يقرأ ما بها بالترتيب أمام أعين الجميع:
-تقارير قسم المباحث، بتاريخ 2010 في الخامس من سبتمبر.
الفتى المفقود يدعى سامر إسحاق أحمد العدل، يبلغ من العمر أربعة عشر عامًا، درس في مدرسة المعز لدين الله الإبتدائية، ثم لمدرسة الغربية الإعدادية بنين.
خرج من أسرة تكونت من أم وأب وأخ أكبر، يسكن في شارع ضياء بمنزل رقم 61.
وجلس يقلب بعدها ببقية الأوراق التي ضمت شهادات ميلاد العائلة وشهادة وفاة والدته ثم إلى أوراق سامر المدرسية وصوره التي تحمل اسمن الرباعي بالأسفل ليتضح لهم أول خيط بهذه القضية، وهو أن سامر مفقود ولم يمت، وقد يكون سببًا في اشتعال النار بتلك الضرواة معلنًا بذلك قسم المباحث عن كون الحريق قام بفعل فاعلٍ وليس حادث، لتقوم تلك التحقيقات بواجبها على أكمل وجه طوال الست أعوام التالية دون أي تقصير إلى أن صدر الأمر من الجهات العليا بغلق القضية وتأييدها ضمن مجهول، مع وضع ملفات سامر فب خانة المفقود حتى تمامها العشرة أعوام فتحال أوراقه إلى السجلات لتستخرج له شهادة وفاة رسمية.
«يتبع.......»