خالد.. رجل عادي.. متزوج منذ عشرة سنوات و له ولدان.. يعيش حياة عادية.. يعمل في مصنع ورق عادي.. لا شيء مميز بخصوصه سوى أنه منضبط في عمله و لا يتغيب أبدا, لا يتأخر أبدا في مواعيده, و لا يتذمر إذا اضطر في بعض الأحيان للعمل لساعات إضافية. كما أنه يهتم بمظهره, و ملابسه, و نظافته الشخصية, لقد كان موظفا عاديا.. لكن عاديا بشكل مثالي, أيامه متشابهة و عاداته نفسها لم تتغير, ينهض في الصباح فيفطر, ثم يجهز نفسه و يوصل أبنائه للمدرسة, و في نهاية الدوام يعود للمنزل متعبا, فيستحم و يرتاح قليلا أمام التلفاز, تعود زوجته مع الأولاد فيقوم باللهو معهم إلى أن تجهز زوجته الطعام. لقد عاش على وقع هذا الروتين لوقت طويل.. إلى أن أتى اليوم الذي تغير فيه كل شيء, و انكسرت معه سلسلة الروتين التي كانت تقيده.
كان قد أكمل فطوره للتو, فحمل حقيبته و أخبر أولاده بأن يسرعا في تجهيز نفسيهما و يلحقا به نحو السيارة, و في طريقه للخارج, و أثناء عبوره للممر الذي يفصل المطبخ عن غرفة الجلوس, كان قد لمح ذبابة سوداء صغيرة مستقرة على الجدار, فاقترب منها و نظر إليها بتمعن, ثم رفع يده و نشها, فطارت الذبابة حوله ثم عادت لتستقر على الجدار.. تماما في نفس المكان السابق, فرفع يده و نشها مرة أخرى, فطارت الذبابة حوله ثم عادت لتستقر مرة أخرى في نفس المكان.
قال خالد بتوتر: يالك من ذبابة عنيدة.
ثم حرك يده عدة مرات أخرى, فتطير الذبابة و تعود لتستقر في نفس المكان, عندها نظر خالد إليها بإستغراب و قال بفضول: إنها تعود في كل مرة لتستقر في نفس المكان, فماهو السر؟.. يجب أن أعرف السبب مهما كلف الأمر.
و أثناء وقوفه أمام الجدار, صامتا, مشتت الذهن, سمع صوتا قطع حبل أفكاره.
- الأولاد جاهزون للذهاب الآن.
كانت زوجته هي من تكلمت, لكنه لم يسمعها جيدا, فالتفت نحوها و قال: ماذا قلت؟..
- الأولاد جاهزون للذهاب.
بدا خالد مشتتا بأمر الذبابة لدرجة أنه لم يستطع التركيز مع كلام زوجته, فقال: الأولاد؟
نظرت الزوجة نحوه باستغراب و قالت: هل أنت بخير؟.. وجهك يبدو شاحبا قليلا.
عندها نظر خالد للذبابة التي لم تتحرك بعد, ثم عاد لينظر لزوجته و أولاده الذين يقفون أمامه, ثم رفع يده و نظر للساعة التي يرتديها. فحدث نفسه قائلا: لا يزال أمامي عشرة دقائق إضافية.. لكن هل عشرة دقائق كافية لأكتشف سر هذه الذبابة؟. أنا أذهب للعمل كل يوم, وأقوم بإيصال الأولاد للمدرسة كل يوم, مجرد روتين يومي لا يتغير, لكن ما يحدث الآن مختلف.. فأنا مازلت أستطيع الذهاب للعمل و إيصال الأولاد للمدرسة متى أردت, لكن هذه الذبابة لن تبقى على هذا الجدار للأبد, و إن أنا غادرت الآن فليس هناك ما يضمن لي بأنني سأجدها هنا عند عودتي, و بالتالي فإن الفرصة لإكتشاف سرها ستتلاشى.. فماذا أفعل؟.. هل أستمر في فعل ما أفعله كل يوم أو أجازف و أكسر هذا الروتين؟
ثم..بعد صمت قصير, قال بصوت متردد: عزيزتي.. أنا لا أشعر أنني بخير.
- هل تشعر بتوعك؟
- لقد أصابني ألم مفاجئ في بطني.. هل تستطيعين إيصال الأولاد للمدرسة, فأنا أعتقد بأنني لن أتمكن من الذهاب للعمل اليوم.
- حسنا, خذ قسطا من النوم لعل ذلك يشعرك بتحسن.. و أيضا لا تنسى الإتصال بمديرك لتخبره بأنك مريض و لا تستطيع الذهاب للعمل.
ما أن غادرت زوجته و أولاده, و بعد أن إتصل بمديره و إدعى المرض, وقف خالد أمام الجدار.. متأملا تلك الذبابة بنظرة عميقة ممزوجة بخليط متجانس من الفضول و التحدي, فقال: الآن نحن وحدنا.. سأكتشف سرك عاجلا أم آجلا, لكن قبل أن أتهور في فعل شيء غير مدروس.. سألتجأ أولا للعلم, فالتطور الذي وصل إليه الإنسان, و الإكتشافات الكثيرة التي قام بها, و التكنولوجيا المتقدمة التي صنعها.. من المؤكد أنني سأجد إجابة شافية عن سبب تصرفك بهذا الشكل. فأحضر الحاسوب المحمول و فتح الإنترنات.. هذا العالم الشاسع و اللامتناهي من المعلومات, و شرع بالبحث عن كل شيء يتعلق بالذباب: أنواعه, ألوانه, أشكاله, أماكن تواجده, طريقة تغذيته, طريقة تكاثره,...
كان قد تصفح العديد من الصفحات و قرأ الكثير من المقالات, فوجد معلومات مدهشة و غريبة عن الذباب.. معلومات جعلته يقرأ بنهم دون توقف و يتعلم الكثير من الأشياء عن حياة الذباب, لكن الإجابة التي يبحث عنها.. الإجابة التي من أجلها تغيب عن عمله و جعلته يهمل واجباته العائلية, لم يتمكن من العثور عليها.. فأحس بخيبة أمل كبيرة, فهو لم يتوقع أن يخذله العلم بهذا الشكل المخزي.
أغلق خالد الحاسوب و قرر أن يعتمد على نفسه و على مهاراته الخاصة في سبيل إكتشاف سر الذبابة. فعاد للنظر إليها مجددا و هو يقول بصوت مسموع و كأنه يتحدث إليها: هناك حرفيا عدد لا متناهي من الأماكن في هذا المنزل لتستقري فيها, لكنك اخترت هذا المكان بالتحديد, فما السبب؟
ثم صمت قليلا ليفكر, ثم قال: ماذا لو وقفت حاجزا بينك و بين الجدار؟.. ماذا ستفعلين حينها؟
ثم تقدم نحوها و نشها بعيدا, و في اللحظة التي طارت فيها تحرك بسرعة و التصق بظهره على الجدار, مبتسما بخبث, معتقدا أنه بهذه الطريقة سيجعلها تطير نحو مكان آخر, لكن الذبابة كانت عنيدة, و كانت مصرة على اختيار نفس المكان دون غيره, فقد طارت حول خالد ثم استقرت على صدره.. تماما في نفس المكان السابق لو لم يكن جسده ملتصقا بالجدار. عندئذ أحس خالد بالإستياء, فحرك يده و نشها بعيدا, أكثر من مرة, لكن الذبابة كانت مصرة على العودة لنفس المكان.
ازداد غضب خالد بسبب عناد الذبابة, فنشها بعيدا و طاردها في أرجاء المنزل, من غرفة لأخرى, و من ركن لركن, مانعا إياها من التوقف عن الطيران أو العودة لنفس الجدار, لكنه في النهاية أحس بالتعب و لم يستطع الإستمرار في المطاردة, فتوقف ليرتاح و ليستعيد أنفاسه,فهو ليس متعودا على الحركة المستمرة و الركض من مكان لآخر, أما الذبابة فقد طارت و عادت لتستقر في نفس المكان على ذلك الجدار المزعج.
فكر خالد مجددا في طريقة أخرى, ثم غاب لعدة دقائق و عاد للذبابة و هو يحمل معه كتابا و كأسا زجاجيا شفافا, فتسلل بهدوء و رفع يده بحذر, ثم.. بحركة سريعة, استطاع أن يلصق الكأس بالجدار حيث توجد الذبابة فحبسها داخله, ثم حرك الكأس ببطء نحو حافة الجدار حيث اعترضه بالكتاب و أغلق فوهته حتى لا تتمكن الذبابة من الهرب. كانت الذبابة مستقرة داخل الكأس فلم تتحرك, لقد بدت و كأنها ليست خائفة مما يخطط خالد لفعله, أما خالد فقد حملها نحو المطبخ, و بعد أن أغلق على نفسه الباب, و أغلق النافذة, حتى لا يترك مجالا للذبابة للهرب, رفع الكتاب و قال: ماذا ستفعلين الآن.. ليس هناك أي مخرج من هذا المكان.
رفرفت الذبابة و طارت خارج الكأس, و مثلما توقع خالد فقد استمرت في التحليق داخل المطبخ دون أن تستقر في أي مكان, و بعد عدة دقائق من الطيران.. أصبحت الذبابة تحلق على علو منخفض, ثم.. اقتربت من الباب و تسللت للخارج من خلال المساحة الصغيرة التي تفصل قاعدة الباب بالأرضية, فصرخ خالد غاضبا فهو لم يتوقع مثل هذا الإحتمال, ففتح الباب و ركض مباشرة نحو الجدار حيث توجد الذبابة, و بعد نوبة الغضب التي انتابته لمعت عيناه فجأة و كأن فكرة جديدة قد راودته, فاقترب من الذبابة و قال: ربما كنت أفكر بطريقة خاطئة.. ربما.. فقط ربما.. السر لا يكمن في الذبابة نفسها بل في الجدار.. أجل.. الجدار.. السر في الجدار.. لا بد أن هناك شيء في الجدار يقوم بجذب الذبابة نحوه.
فتقدم أكثر نحو الجدار و شرع يتفحصه, شبرا شبرا, باحثا عن اختلاف.. أي اختلاف يجعله مميزا عن الجدران الأخرى, كما أنه صنع قبضة بيده و شرع بالدق على الجدار, مركزا على الصوت في كل مرة يدق فيها في مكان مختلف, و في النهاية.. عندما لم يجد أي شيء, تراجع إلى الخلف في صمت, ففكر قليلا ثم قال: إن لم تكن الإجابة التي أبحث عنها على سطح الجدار فهي بلا شك داخله.
ثم صمت مجددا ليفكر, و قال: لا بد أن أكسر الجدار.. أنا أعتقد بأنني أملك مطرقة في مكان ما.. أعتقد أنها موجودة في القبو.
ركض خالد مسرعا نحو القبو و بعد دقائق قليلة عاد و بيده المطرقة, فاقترب من الجدار و قال بحماسة: الآن سأكتشف السر الذي جعلك تختارين هذا الجدار بالذات.
فرفع المطرقة عاليا و كان على وشك توجيه الضربة الأولى نحو ذلك الجدار البائس, عندها سمع صوت الباب و هو يفتح, كانت زوجته قد عادت برفقة أولاده. فنظر نحو ساعة يده و قال متعجبا: هل مر الوقت بهذه السرعة؟
ثم أخفى المطرقة بسرعة خلف مقعد قريب منه و وقف ليستقبل زوجته و أولاده الذين دخلوا للتو, فركض أحد ولديه نحوه و احتضنه, و قال: هل تشعر بتحسن يا أبي؟.
و قبل أن يجيب خالد كان قد لمح الذبابة و هي تترك الجدار و تطير خارج المنزل, عندها أطلق ضحكة صغيرة ساخرا من نفسه و قال مجيبا ابنه: لقد كنت مريضا.. لكنني الآن أشعر بتحسن كبير.
ثم قال في نفسه: كم أنا ساذج.. لقد سمحت لذبابة بسيطة أن تعكر مزاجي و تفسد يومي.
( تمت )