رماد الثأر

رماد الثأر

53 0

قبل أن تغوص في هذا الفصل...

توقّف لحظة، خذ نفسًا عميقًا،

و—بكل خشوع—ردّد معي:

اللهم صلِّ على محمد، عددَ ما خطّت الأقلام، وما رفرف السلام، وما تنفّس الأنام.

صلِّ عليه حتى يُطمئن القلب، وتُفتح الأبواب، وتُروى الأرواح.

صلِّ على الحبيب… ثم اقرأ.✨

----------------------------------

كان الفجر ينساب على القرية الهادئة، وقد غمرها ضوءٌ باهتٌ يتسلّل من وراء الجبال البعيدة. في بيتٍ عريقٍ ضخمٍ يُعرف بـ "ثرايا البراموني"، بيتٍ شامخٍ يجمع تحت سقفه الجدّ شيخ البلد وزوجته وأبناءه وأحفاده وزوجاتهم، استيقظت زمزم من بين ذراعي زوجها سالم، الذي كان يحتضنها بقوة وكأنّه يخشى أن تفلت منه. حاولت أن تنهض بهدوءٍ دون أن توقظه، فاليوم طويلٌ ينتظرها.

خطَت خطواتٍ وئيدة إلى الحمّام، اغتسلت بماءٍ باردٍ يعيد إليها بعض النشاط، ثم ارتدت عباءةً ناعمة خفيفة تعينها على مشقّة النهار. وبعد أن أدّت صلاتها بخشوع، استجمعت قواها واستعانت بالله، ثم فتحت باب شقّتها ونزلت نحو بيت العائلة الكبير.

ذلك البيت لم يكن بيتًا عاديًّا؛ بل قصرٌ ريفيّ يعلو أدواره كالسور المنيع، ثلاثة شققٍ في كل طابق، يضجّ بالحياة والأنفاس، لكنه يختزن في طيّاته عداوةً دفينة وثأرًا لم يكن لها فيه يد.

ما إن وطئت قدماها الساحة حتى استقبلتها أم سالم، هدى، بنظرةٍ قاسية وصوتٍ يقطر حقدًا:

ـ "فاكرة نفسك عروسة ولا إيه؟ إيه التأخير ده؟"

أجابت زمزم بصوتها الرقيق الهادئ، وكأنها تحاول تهدئة العاصفة:

ـ "متأخرتش والله يا ماما… أنا بس صليت ونزلت."

لكن هدى قاطعتها بصرامةٍ تزدري نعومتها:

ـ "بطّلي السهوكة اللي في صوتك ده واتكلمي عدل يا بنت العبابدة… أمشي يلا، خلينا نبدأ قبل ما الرجالة تصحى."

انكسرت أنفاس زمزم بين جنبيها، وسارت بخطى مطيعة، تحمل في قلبها وجع الإهانة ومرارة الكراهية التي تحاصرها من كل جانب، كراهيةً ولّدها ثأرٌ قديم بين العائلتين لم يكن لها فيه ذنب.

لم تكد تلتقط أنفاسها حتى اعترضتها فتحية، زوجة عم سالم، بغلظةٍ ممزوجة بسخرية:

ـ "اقعدي يلا قدّام الفرن يا سينيوره… إحنا هنخبز، وإنتي قدّام النار."

ابتلعت زمزم غصّتها، وقالت بطاعةٍ تخفي ألمها:

ـ "حاضر."

جلست أمام الفرن، وعدّلت طرحتها لتصير إيشاربًا يسترها من وهج النار، وبدأت تضع الأرغفة في جوف اللهب وتخرجها متتابعة، حتى امتلأ المكان برائحة الخبز الساخن.

ومع مرور ساعة، كان سالم قد صحا على بكاء ابنته الصغيرة، مَكّة، التي تجاوزت ستة أشهر . نهض من جوار فراشه، واتجه نحو سريرها الصغير الملصق بسريره، حملها بحنانٍ جارف، ضمّها إلى صدره وقبّل خدّها الصغير بحرارة:

ـ "حبيبة قلب بابا… صباح الجمال على عيونك يا روحي، صاحيّة بدري ليه كده؟"

أجابت الطفلة بأنينٍ وبكاءٍ متقطّع، فقال مبتسمًا وهو يهدهدها:

ـ "شكلك جعانة… تعالي نشوف ماما فين."

بحث عنها في أرجاء الشقّة فلم يجدها، فتنهد قائلاً لنفسه:

ـ "زمانها تحت… مع الجماعة."

عاد إلى غرفته، ألبس جلابيّته بسرعة وهو يكلّم ابنته بحنوّ:

ـ "خلاص يا روحي، هننزل دلوقتي… أهو."

ثم حملها على ذراعيه ونزل بها درجات السلم إلى قلب "الثرايا"، حيث كانت زمزم تجلس أمام الفرن، تغالب التعب، فيما عيون الحقد لا تزال تترصّدها.

خطا سالم إلى المطبخ أولًا، فلم يجد أحدًا هناك، فتمتم لنفسه وهو يحاول تهدئة ابنته التي ما زالت تبكي:

ـ "يمكن عند الفرن… بيخبزوا."

توجّه بخطواتٍ واثقة نحو ساحة الفرن، وما إن اقترب حتى غَضّ بصره سريعًا، يخشى أن تقع عيناه على ما لا يليق، ثم حمحم بصوتٍ خفيف ليُشعر النساء بوجوده.

ابتسمت فتحية، زوجة عمّه، وقالت بترحيبٍ:

ـ "تعالى يا سالم يا ولدي… ادخل."

رفع سالم بصره قليلًا، وألقى تحية الصباح:

ـ "صباح الخير."

ردّت النسوة بتحيةٍ مقتضبة، لكن عيناه سقطت مباشرة على زمزم… زوجته، التي كانت جالسة أمام الفرن الكبير. كان وجهها محمرًّا من لهب النار، والإيشارب قد تزحزح قليلًا عن شعرها البني الناعم، فانكشف خصلٌ متمردة تلتمع تحت ضوء الفجر. عنقها الأبيض الطويل انحدرت عليه حبات عرق صغيرة، تتلألأ كقطرات ندى على وردةٍ ندية. عباءتها البسيطة التصقت بجسدها الأنثوي بسبب جلستها على "التخته"، ومع حركةٍ عفوية ارتفعت قليلًا فكشفت عن ساقين ملفوفتين بلون المرمر الأبيض الناعم.

سالم داخله تنهد بغيرةٍ صامتة، يَغلي صدره دون أن يُظهر شيئًا، ثم قال بصوته الخشن المائل للصرامة:

ـ "تعالي يا زمزم… مكة جعانة."

رفعت رأسها نحوه، وبكل ما في صوتها من رقةٍ طبيعية لا تعرف التكلف، أجابت:

ـ "حاضر… يا ساِلِم."

في كل مرة يسمع فيها نطق اسمه من فمها يتوقّف قلبه لحظة وهو يسمع اسمه يتفتّت في فمها، تُرقّق السين، وتلين الألف، وتخفض اللام، وتختم الميم بلمسةٍ ناعمة، حتى صار اسمه في لسانها كأغنيةٍ سرّية لا يسمعها سواه.

ارتفعت همهمات النساء من حولها، وتمصمصن الشفاه باستهجانٍ معلن. سارعت هدى، أم سالم، بالقول وقد احتقن صوتها بالغيرة والرفض:

ـ "كُهن حريم! مش عارفه إيه السهوكة دي!"

أغمض سالم عينيه قليلًا، وزفر في صمت. كان في بداية زواجه قد صدّق أن ذلك "كُهن" وأنها تتعمّد الإغواء، لكن الأيام علّمته أن ذلك طبيعة صوتها… رقيق وناعم، هو خُلق هكذا.

نظر إليها مرةً أخرى، وقلبه يزداد غليانًا بالغيرة، ليس من زمزم… بل عليها.

نهضت زمزم ببطء، تنفض عن ثيابها ما عَلِق بها من دقيقٍ ورَدّة، ثم عدّلت أطراف عباءتها لتستعيد وقارها. تقدّمت نحو سالم، فرفع عينيه إليها وأشار بحركةٍ خفيّة إلى رأسها، إشارةٌ صامتة تحمل معنى واضحًا: "اعدلي طرحتك."

التقطت الرسالة فورًا، ففكّت الطرحة وعدّلتها في هدوء، ثم اقتربت أكثر. مدّ سالم يده، فأمسك يدها الصغيرة بقبضةٍ حانية، ومضيا معًا خارج ساحة الفرن، تحت أنظار النسوة اللواتي اشتعلن غيظًا وامتلأت قلوبهن حقدًا على زمزم.

وحين صعد أمامها الدرج المؤدي إلى الشقة، قالت له بصوتها الرقيق:

ـ "استنى يا ساِلِم… هرضّعها في أوضتك اللي هنا بدل ما أنزل تاني… يعني أكسب وقت."

أجابها وهو يخطو بخطواتٍ ثابتة:

ـ "على ما تخلّصي رضاعة مكة… هيكونوا خلّصوا أصلاً. مكنش فيه كتير عجين وقت ما دخلت. فَـ تبقي على راحتك في شقتك وكده كده أنتِ كنتِ هتطلعي تجهزي بعدين فَـ أعتقد كده تكسبي وقت أكتر"

وصلا إلى شقتهما، فأخذت منه مكة التي كانت تبكي بحرقة، وضمتها إلى صدرها. جلست على طرف السرير، وأرضعتها بحنانٍ ممتزج بألمٍ خفي، إذ كانت الصغيرة ترضع بنهمٍ شديد حتى آلمتها، فكتمت أنينها بعضّ شفتيها في صبرٍ صامت.

جلس سالم على الكنبة المقابلة، يراقب المشهد بعينين لا تُفارقها. كان وجهه جامدًا، لكن في داخله كان يغلي بالحنان والغيرة، كأنما يجلس أمام لوحةٍ لا يشبع من تأمّلها.

وفي غمرة تلك اللحظة، اجتاحت ذاكرته صور الماضي… خمس سنوات مضت، يوم خرج أخوه الأصغر ـ طالب الثانوية ـ إلى درسه، بينما كان ابن عم زمزم يتعلم الصيد. طلقةٌ طائشة اخترقت صدر الفتى، فسقط مضرجًا بدمه. عمّ الغضب، وكاد الدم يسيل أنهارًا لولا أن اجتمع كبار البلد، واتفقوا على إطفاء النار بزواجٍ يربط العائلتين. كان الشرط أن يقدّم أهل القاتل "الكفن"، وفوقه يتم عقد زواج يمنع امتداد الثأر.

لم يكن في بيت زمزم من بناتٍ يُناسبن سن الزواج غيرها، فوقع الاختيار عليها. وكان سالم ـ أخو المقتول ـ هو العريس. تم الزواج وسط اعتراضاتٍ صاخبة من الطرفين، لكن القرار كان نافذًا، لا رجعة فيه.

ومنذ ذلك الحين تغيّر كل شيء… كان سالم في بداياته يظنّ أنه مجبر على هذا الرباط، لكنه مع الأيام اكتشف في زمزم زوجةً مطيعة، صابرة، حنونة، تؤدي واجباتها دون شكوى أو ضجر. وجد فيها قلبًا يتّسع لحزنه، وصدرًا يحتمل أثقاله، فوقع في حبّها… حبًّا عميقًا صامتًا، يشتعل في صدره كالنار تحت الرماد.

لكن العائلة لم تغفر لها بعد، ما زالت تراها غريبةً دخيلة، بل يرونها سببًا غير مباشر في موت ابنهم. أما وقوف سالم في صفّها دومًا، فقد زاد من غلّهم عليها، وأجّج نار الحقد في قلوبهم أكثر.

عاد إلى واقعه حين رآها تُعدّل ثيابها بعد أن نامت مكة، ثم وضعتها في سريرها الصغير. التفتت إليه وسألته برقة:

ـ "هتاخد إنت دُش… أجهّزلك ولا أدخل أنا؟"

ابتسم بخفوت، وأجابها بنبرةٍ حانية تحمل شيئًا من أمرٍ رقيق:

ـ "لأ… ادخلي إنتِ."

دخلت زمزم إلى الحمّام، غسلت جسدها المتعب بماءٍ باردٍ ينعش حواسها ويبدّد ما علِق بها من دخان الفرن ولهيبه. خرجت تلفّ شعرها بمنشفةٍ بيضاء، وقطرات الماء تتساقط على عنقها الرقيق، ثم جلست على طرف السرير تُجفّف خصلاتها البنيّة بهدوء. ما إن فرغت حتى اتجهت نحو الدولاب، فتحت بابه، وأخذت تفتّش عن ثياب سالم.

كانت عيناه تلاحقها دون أن تزيغ لحظة، يتأمّل حركتها البسيطة كأنها لوحة مرسومة له وحده، كأن العالم كلّه اختُزل في تلك الغرفة، وفي تلك المرأة.

التفتت إليه أخيرًا وهي تحمل جلابيته بيديها الناعمتين، وقالت بصوتها الرقيق الذي يتسلّل إلى قلبه كالماء إلى الصخر:

ـ "أنا جهّزتلك اللبس… والحمّام جاهز."

ثم أردفت بنفس النبرة التي تذيب قلبه دون قصدٍ منها:

ـ "هجهّز أنا وأنزل لمالك تحت أشوفه لو صحى… أجهّزه. وأبقى هات معاك مكة وإنت نازل، علشان مش هعرف أطلع… لازم أجهّز الفطار معاهم، وأخاف عليها تبقى لوحدها."

هزّ رأسه في صمتٍ مطاوع، واقترب منها بخطواتٍ هادئة. رفع يده إلى رأسها، وطبع قبلةً حانية على جبينها، قبلةً تحمل امتنانًا صادقًا وحبًّا مكتومًا. أغمضت زمزم عينيها للحظة، وارتسمت على ثغرها ابتسامةٌ خجولة كأنها وردةٌ تتفتّح على استحياء.

ثم دخل سالم إلى الحمّام، فيما جلست هي أمام المرآة، تسرّح شعرها المبتلّ بأصابعها الناعمة. وانسابت أفكارها، تسافر في أيامها معه منذ البداية.

تذكّرت كيف كانت ليلة زواجها منه، ليلة فُرضت عليها باسم "حقن الدم" و"إطفاء الثأر". يومها ظنّت أنها ستدخل إلى جحيمٍ لا خلاص منه، وأنها ستكون أسيرةً لانتقامٍ قاسٍ، يعذّبها بذنب لم تقترفه. لكنها فوجئت بأن سالم لم يكن كما توقّعت؛ من اللحظة الأولى عاملها برفق، كان حريصًا على أن لا يُمسّها أذى، واقفًا سدًّا منيعًا أمام كل ظلمٍ أو إساءةٍ من أهله تجاهها.

سمعت عنه قبل الزواج أنه شديد، صارم، لا يلين أمام أحد. لكنها معه لم ترَ إلّا الحنان، لم تلمس سوى التفهّم والرحمة. صحيح أنّه لم يقل يومًا كلمة "أحبك"، لكن عينيه كانتا تقولانها في كل نظرة، كل التفاتة، كل صمتٍ يطيل فيه النظر إليها.

وسرعان ما استسلم قلبها… أحبّته بصدق، وأدركت أنّها وجدت في شدّته حصنًا، وفي صمته حبًّا صافيًا لا يقال، بل يُعاش.

تهيّأت زمزم بعباءةٍ فضفاضة وطرحةٍ ساترة، ثم نزلت إلى الساحة الواسعة في الطابق الأرضي حيث الجدة تجلس في صدر البيت. اقتربت منها بخطواتٍ هادئة وقالت برقةٍ مؤدبة:

ـ "صباح الخير يا جَدّة."

رفعت الجدة نظرها إليها وردّت بنبرةٍ متزنة تحمل وقار السنين:

ـ "صباح النور يا أم مالك."

سألتها زمزم بخضوع:

ـ "مالك صحى ولا لسه نايم؟"

أجابت الجدة:

ـ "لا… صحى مع جَدّه، هتلاقيه في المجلس جوّه معاه."

هزّت زمزم رأسها شاكرة، واستأذنت في الدخول. وقفت عند باب المجلس، طرقت بخفة، وحين أُذن لها دخلت، تُخفض بصرها حياءً لوجود رجال العائلة مع الجد. قالت بصوتٍ خفيض:

ـ "السلام عليكم… صباح الخير."

ردّ الجميع التحية، واندفع مالك نحوها يجري، فأشرق وجهها بابتسامةٍ واسعة وهي تربّت على شعره بحنو. استأذنت، ثم خرجت به لتجهّزه. وبعد أن ساعدته على ارتداء ثيابه، انحنت تُقبّله على وجنته وقالت بحنانٍ ممزوجٍ بالوصية:

ـ "يلا روح العب مع ولاد عمّك على ما أجهّز الفطار… بس بالله عليك يا مالك بلاش شقاوة… علشان خاطري."

أجابها الصغير ببراءةٍ باسمة:

ـ "حاضر يا ماما." ثم طبع قبلةً صغيرة على خدّها وركض مسرعًا.

تعلّقت عيناها به وهو يبتعد، وهمست في سرّها دعاءً خافتًا:

"اللهم احفظه هو وأخته… وبارك لي فيهما وفي أبيهما."

ثم اتجهت إلى المطبخ، فلم تجد أحدًا بعد. تنهدت، واستعانت بالله، وبدأت وحدها تُعدّ للفطور، يديها تتحرّكان بخفّةٍ وخبرةٍ وصبر.

بعد قليل، نزل سالم يحمل بين ذراعيه مكة، ملفوفة في بطانيةٍ خفيفة، نائمة على صدره ككتلةٍ صغيرة من النور. تقدّم إلى جدته، سلّم عليها بابتسامةٍ دافئة، ومدّ إليها طفلته. احتضنتها الجدة بشغفٍ، قبّلت جبينها، وبدأت تُحصنها بالأذكار من العين، بينما سالم يراقب بعينٍ راضية مبتسمة. قال لها:

ـ "خلي بالك منها يا جَدّة… ولا أودّيها جوّه في الأوضة؟"

أجابته بحزمٍ لطيف:

ـ "لا… سيب الملاك دي هنا… في حضني."

ضحك سالم بخفة، ثم استأذن ليدخل المجلس مع الرجال. أما زمزم فواصلت إعداد الفطور، ثم بدأت ترتّب السفرة تحت نظر الجدة التي تابعتها في صمت. كانت الجدة قد أحبّت زمزم لِما رأت فيها من طيبةٍ وأصلٍ صافٍ، لكن آثار الثأر ما زالت عالقة في قلبها، تمنعها من الإفصاح بما تشعر به.

خرج سالم بعد وقتٍ قصير من المجلس، فإذا به يرى زمزم وحدها تُنهي إعداد السفرة. تقدم إليها مسرعًا وقال بحدةٍ مكتومة:

ـ "فين الباقي؟"

أجابته بطيبةٍ مُرهقة:

ـ "مش عارفه… يمكن لسه بيجهّزوا… واتأخروا في الخبيز."

تقلّص جبينه غضبًا وقال بصرامة:

ـ "ده مش مبرر! كلهم يسيبوكي تعملي الفطار لوحدك؟"

وما إن أنهى عبارته حتى بدأت بقية النساء يتوافدن ببطء إلى المائدة. جلس سالم، لكن صوته علا وهو يوجّه كلامه مباشرة إلى أمّه:

ـ "أمي… ليه محدش نزل يجهّز الفطار مع زمزم؟"

رفعت هدى رأسها، وقالت ببرودٍ يخفي السمّ في العسل:

ـ "على ما جهّزنا يا ابني… الهانم سابت الخبيز ومجاتش تاني."

اشتعلت نظرات سالم، وردّ بصرامةٍ لا تحتمل نقاشًا:

ـ "خبيز إيه؟ مكنش فيه غير عدد صغير… يخلص في دقايق! وبعدين هي ما سبِتش حاجة ولا راحت ترتاح… أنا بنفسي اللي نزلت لها علشان مكة. عايزة تقنعيني إنكوا كلكوا فوق الساعه بتجهّزوا؟ وفين إخواتي؟ وفين ولاد عمّي؟ أعتقد مكانوش بيخبزوا كلكم يعني."

ثم أنهى كلامه بصرامةٍ أشد، صوته كالسيف يقطع الهواء:

ـ "آخر مرة تحصل! مراتي مش خدامة… تقوم بشغل البيت كله لوحدها. دي مش أول مرة تحصل… وأنا سكت كتير. لكن الموضوع زاد عن حدّه!"

ساد الصمت المكان، انكمشت الألسنة، وانكسرت العيون أمام هيبته. مدّ سالم يده، وأمسك يد زمزم بصلابةٍ معلنة، ثم أجلسها إلى جواره على المائدة، كأنما يعلن أمام الجميع أنها ليست وحدها… بل له، ومعه، وتحت جناحه.

اندفع مالك وسط ضحكات الصغار، يركض إلى أبيه ويحتضنه بعفوية الأطفال، يقبّل وجنتيه بحبٍ نقي، فيبادله سالم الحضن والقبلة، ويجلسه على فخذه، يطوّقه بذراعه وكأن الدنيا اختُصرت في هذا الطفل.

لكن سرعان ما اخترقت اللحظة العذبة نبرة حادة من هدى وهي تقول باستهجان:

ـ "سيبه يقعد ع الكرسي، بلاش الدلع الزيادة ده… ده راجل!"

ارتسمت الصرامة في عيني سالم، وصوته خرج هادئًا لكنه قاطع:

ـ "ابني راجل وسيد الرجالة كمان، بس في الآخر ده طفل… محتاج حنان، محتاج حب. سيبيه يعيش طفولته. خليه يعيش كل فترة في حياته صح، ده اللي يقويه ويكون سوي وأقدر ابني عليه ،مش هسمح يشتال فوق طاقته وهو لسه عنده أربع سنين."

أجابت هدى بغلٍ يطفح من نبرتها:

ـ "من إمتى وإحنا بنتعامل كده؟ ولا يمكن ده كلام ست هانم بنت العبابدة؟"

ضرب سالم الطاولة بقبضته حتى اهتزّت الأكواب، وارتفع صوته يهدر بصرامة أرعبت القلوب:

ـ "أمي!… إيه؟ مش شايفاني راجل ولا إيه؟ خلاص كرهك ليها خلاك تفكري إنّي واحد بياخد أوامره من ست؟! أنا ليَّا كلمة ومحدش يلغيني.ولآخر مره بقول دي مراتي الوقتي "

ارتبكت الأم، ارتجفت نبرتها وهي تقول:

ـ "أبداً يا ابني… انت فهمتني غلط."

قاطـعها سالم، وقد اشتعل الغضب في عينيه، وقام من مكانه حاسمًا:

ـ "الكلام انتهى… وأنا فاهم قصدك كويس."

وضع مالك على الكرسي برفق، وغادر السفرة بخطوات ثقيلة، تاركًا وراءه صمتًا مشوبًا بالغل والغيظ.

لحقت به زمزم، وقلبها يرتجف خوفًا من أن يتفاقم الأمر. وجدته واقفًا عند سور "الفرندا"، السيجارة تتدلى من شفتيه، والدخان يتصاعد ببطء كغيمة سوداء تحجب ملامحه.

اقتربت منه بخطوات واثقة، مدّت يدها، التقطت السيجارة من فمه وألقتها أرضًا.

قالت بصوتٍ يحمل رجاءً :

ـ "حرام عليك يا سالم… صحتك. يعني مش كفاية بتشربها، لأ وكمان على معدة فاضية!"

اقتربت أكثر، ألقت بيديها حول خصره العريض، أراحت رأسها على صدره، وهمست بحنان:

ـ "علشان خاطري… اهدا. الموضوع مش مستاهل كل يوم خناقة معاهم وتتعب أعصابك."

تأثر بلمساتها الدافئة، وضغطها برفق إلى صدره، ثم همس وهو يضمها أكثر:

ـ "مقدّرش أشوفك بتتهلكي، وغيرك قاعد مستريح ويلسن عليك. حقك تعيشي مرتاحة.من واجبي أعيشك حياة مريحة واحميكي حتى لو من كلمه تمسك بزعل،قولتلك ننفصل عنهم ونعيش بعيد أنتِ رفضتي."

رفعت وجهها إليه بابتسامة هادئة ممزوجة بإصرار:

ـ "مش حابة أكون السبب في بعدك عن أهلك… ده مش حل. ولسه التار مسيطر على قلوبهم، وأي خطوة زي دي هتزود النار. صدقني… أنا اتأقلمت، وكفايه إنك في حياتي، إنت وعيالنا. الباقي مش فارق معايا."

شدّها سالم أكثر، يطوّق خصرها بذراعيه القويتين، يحتضنها بكل ما فيه من وجعٍ وحبٍّ صامت.

قالت له برفقٍ وهي تحاول جذبه من شروده:

ـ "تعالى يا سالم نفطر."

أدار وجهه عنها قليلًا وقال بفتور:

ـ "لا… مليش نفس."

اعتدلت من بين ذراعيه، ووضعت كفًّا على صدره والآخر على ذقنه، أصابعها تداعب لحيته في حركة أذابت صلابته. نظرت في عينيه بعذوبة وقالت وهي تبتسم بمكرٍ محبّب في محاولة أن تذكره بما مضى:

ـ "ما هو لو انت ما كلتش… أنا كمان مش هاكل. وساعتها هتعب منك، وتلاقيني وقعت… وانت تفضل تجري بيا، وتركبلي محاليل، وتبات جنبي طول الليل تعاتبني."

ثم غيّرت نبرة صوتها محاولةً أن تقلّد صوته الخشن، فخرج صوتها رقيقًا كعزفٍ شفيف، وهي تقول:

ـ "ما لو بتاكلي وترتاحي… مش هيحصل فيكي كده. إنتي غاوية تتعبي قلبي وخلاص!"

لم يستطع سالم أن يقاوم ابتسامته، نزل إلى مستواها وهو ما زال قابضًا على خصرها اللين، وقال ممازحًا:

ـ "ده لو أنا بتكلم بالنبرة دي… يبقى ضاعت الهيبة خلاص."

قهقهت بضحكة رقيقة انسكبت في قلبه كالماء الزلال، وقالت بصوت يقطر أنوثة:

ـ "ما عاش ولا كان اللي يضيّع هيبتك. إنت سيد الهيبة كلها… وسيد الرجّالة. أنا فخورة إن جوزي وأبو عيالي يكون شخص زيك… ليك كلمة مسموعة، وهيبة تشهد لها الكل، وحنان يغمرنا، وحماية من أي أذى. أنا… أكتر واحدة محظوظة في الدنيا."

كلماتها تسللت إلى أعماقه، حرّكت داخله موجًا من العاطفة التي ظلّ يكبتها طويلًا. لم يستطع أن يتمالك نفسه، اقترب أكثر، وانحنى عليها، وترك قلبه يترجم حبه بصمته، بطريقته التي لم يبح بها بالكلمات يومًا، لكنّها قرأتها في كل لمسة، وفي كل نظرة، وفي كل حضنٍ يشدّها إليه وكأنّه يخشى أن يتركها للحظة.

أمسك سالم بيد زمزم بقوةٍ هادئة، كأنما يعلن أمام الجميع أنّها تخصّه وحده، ثم نادى بصوته الرجولي المجلجل على ابنه:

ـ "مالك… تعالى يا حبيبي."

ركض الصغير بخطواتٍ حماسية، بينما حمل سالم مكة من يد جدته برفق، ثم رفع رأسه إلى النساء والرجال بصرامة لا تقبل جدالًا:

ـ "أعتقد من العدل إن أم مالك ما تدخلش تجهز غدا. هي جهزت الفطار لوحدها… الغدا عليكم. واليوم ده كله راحة ليها."

لم يترك مجالًا لكلمة اعتراض، أمسك بيد زمزم وشدّها لتسير بجواره، وصعدوا إلى شقتهم بخطوات ثابتة، تاركًا خلفه همس النساء ودهشة الرجال.

انفجرت فرح، بنت عمّه، غيظًا وحقدًا، وصوتها يرتجف بالمرارة:

ـ "شُفتوا! الست هانم الحرباية… خطّافة الرجالة! لفته إزاي؟ وواقف قصاد الكل علشانها! مش دي اللي ابن عمها القاتل، واللي حرمنا من همّام؟!"

ساد صمت ثقيل قبل أن يضرب الجد، شيخ البلد، بعصاه على الأرض ضربةً مدوّية:

ـ "خلصنا بقى! كفاية… مش كل يوم في المواله دي!."

انكمشت الأصوات، وتراجع الجميع للخلف في خوفٍ من صرامة الشيخ، فيما بقي الغل يشتعل في صدور النساء، خاصةً فرح، التي عضّت على شفتها السفلى بقهرٍ، وعيناها لا تفارقان الدرج الذي صعد منه سالم وزمزم.

دخلت زمزم غرفتها تبدّل ملابسها، ارتدت قميصًا منزليًا ناعمًا ينساب على جسدها فيُبرز أنوثتها الفطرية، ثم أسرعت إلى المطبخ لتُجهّز فطورًا بسيطًا لأسرتها.

جلس سالم على الكنبة الواسعة في الركنة، يحمل مكة النائمة على ساقيه، فيما كان مالك جالسًا على الأرض بجواره، ينشغل بلعبته الصغيرة.

لم تمضِ دقائق حتى نادت زمزم بصوتها العذب الذي يذيب قلبه:

ـ "ساِلِم… الفطار جهز."

زفر سالم بعمق، يعضّ على شفته السفلى وهو يتنهّد من وقع نطقها لاسمه بتلك النبرة الناعمة. نهض بهدوء، وضع مكة في عربتها الصغيرة، فردها في وضع النوم كسريرٍ مريح لها، ثم مدّ يده لابنه قائلاً برقة:

ـ "يلا يا حبيبي نفطر."

دخل المطبخ، وعيناه التهمت زمزم في القميص المنزلي الذي صاغ جسدها كتمثال حيّ للجمال والرقة. تمتم في سره:

"هو فيه كائن على الأرض بالجمال ده؟! أي ست تانية قصادها تبقى غفر بشنبات…"

جلس على رأس السفرة، ومالك تسلّق رجله وجلس بحضنه، فابتسم سالم بامتنان لتعلّق ابنه به. بدأوا الفطور في هدوء يغمره دفء الأسرة، وزمزم تراقبهم بعينين تفيض حبًّا.

ما إن انتهوا، حتى استيقظت مكة على بكاءٍ جائع، فقامت زمزم بسرعة، ضمّتها لصدرها، وأرضعتها بحنان، ثم غسلتها وبدّلت ثيابها. في هذه الأثناء، قام سالم مع مالك بجمع الصحون، حملوا الأطباق إلى المطبخ، نظفوا السفرة، ثم عادا إلى الركنة.

دخلت زمزم تحمل مكة، وما إن رأت الصغيرة أباها حتى تهللت ضاحكة، وألقت بنفسها بين ذراعيه.

ضحك سالم من أعماقه وهو يرفعها عاليًا:

ـ "حبيبة قلبي… صحيتي يا عيوني؟ وحشتيني أوي، وحشني ضحكك وعيونك الحلوين."

جلست زمزم بجواره، والابتسامة لا تفارق شفتيها وهي ترى مشهد الأبوة الصادق. مالك بدوره ترك لعبته واندفع ليلعب مع أخته فوق فخذ أبيه. زمزم دخلت المطبخ من جديد، جهزت عصيرًا باردًا لمالك، وكوب شايٍ دافئ لسالم، ثم عادت وقدّمتهما وجلست قرب زوجها، فمدّ يده يحيطها بذراعه، وباس جبينها هامسًا بالامتنان.

التفت إليها وقال بحسمٍ ممزوجٍ بحنان:

ـ "أنا هطلع أباشر الأرض. وإنتِ… خليكي هنا النهارده، في شقتك. متنزليش تحت إلا لو أنا قولتلك. والغداء اطبخيه هنا لينا."

هزّت رأسها موافقة وسألته:

ـ "تحب آعملك إيه؟"

ابتسم وقال:

ـ "أي حاجة."

في تلك اللحظة، شدّ مالك بنطاله وهو يقول برجاء:

ـ "بابا… خدني معاك."

تدخلت زمزم بسرعة:

ـ "لأ يا حبيبي. النهارده عندك مذاكرة وحفظ قرآن. هنقعد سوا نذاكر ونحفظ."

أعاد مالك بتوسّل:

ـ "علشان خاطري… علشان خاطري يا بابا."

مسح سالم على شعره بحنان وقال:

ـ "خلاص يا بطل. نسمع كلام ماما. تقعد مؤدّب تذاكر وتحفظ القرآن. أوعدك آخدك معايا وقت تاني."

انكمش وجه مالك بحزن وقال بصوت مكسور:

ـ "حاضر."

جذب سالم رأسه وقبّله بحرارة:

ـ "ما تزعلش يا حبيبي. ده لمصلحتك."

ثم التفت إلى مكة التي تشبثت برقبة أبيها لا تريد أن تتركه، فضحك وهو يطبع قبلة على خدّها:

ـ "إيه يا ست مكة؟! إنتي كمان عايزة تيجي معايا؟!"

ضحكت زمزم وهي تراقبهم بعينين راضيتين وقالت بدعاء محب:

ـ "ربنا يحفظك لينا ويبارك لنا فيك."

سالم قبّل زمزم على خدّها وجبينها، ثم أعاد لها مكة، ونزل إلى عمله، فيما جلست زمزم تذاكر لمالك، وتلعب مع مكة، وتجهّز الغداء وهي تضع ابنتها في عربتها الصغيرة تلهو مع أخيها.

كان المساء قد أرخى سدوله، وسالم يصعد السُّلم متثاقلاً من إرهاق يومٍ طويل قضاه في الأرض. خطواته تحمل ثِقَل التعب، وعيناه لا تتطلعان سوى لراحةٍ بين جدران بيته. لكن فجأة، وقفت أمامه "فرح" ابنة عمِّه، تكاد تسد الطريق بجسدها المتقدّم نحوه حتى كاد أن يلامس صدره.

توقّف سالم مذهولًا، ارتد خطوة إلى الوراء، وعيناه تقدحان شررًا من الدهشة والحدة.

ابتسمت فرح ابتسامةً جريئة وقالت بنبرةٍ مشحونة:

ـ مالك؟ بتبصلي كده ليه؟ ولا الست هانم، بجمالها، أكلت عقلك؟! أوعى تنسى إن أخوك اتقتل على إيد قريبها.

عَضَّ سالم على شفتيه بقهرٍ مكتوم، وزفر بغيظ، ثم قال بصوتٍ حاد:

ـ ابعدي عن طريقي، وملكيش صالح بزمزم.

لكنها تقدّمت أكثر، بعينين تبرقان بجنون، وهمست متحدية:

ـ لا... مش هبعد. طريقك ده كان مفروض يبقى طريقي. أنا بنت عمك، واللي من صغري مكتوبة على اسمك، جات هي خطّافة الرجالة وخدتك مني. إنت المفروض تبقى جوزي أنا... حضنك ده ملكي أنا.

تجمّد سالم لحظة من وقاحتها، ثم هز رأسه بغضبٍ متصاعد:

ـ إنتِ اتعديتي كل حدودك، اعقلي وافهمي... مفيش ليكِ عندي طريق،شوفي طريقك بعيد عني.

أنا متجوز وراجل مسؤول عن زوجه وأولاد، ومبسوط بحياتي وراضي بيها جدًا. ومش ممكن في يوم أبص لغير مراتي.

هتفت بجنون، وكأنها فقدت صوابها:

ـ حتى لو هبقى التانية! أنا راضية. بس اتكتب على اسمك، وحضنك يبقى ليا. أوعدك أنسيك زمزم...

ثم اندفعت فجأة لتطوّق عنقه بذراعيها.

لكن سالم، وقد اشتعلت نيرانه، دفعها بعيدًا بقوة، صوته يهدر بالغضب:

ـ إنتِ اتجننتي؟! آخر مرة تقربي مني كده أو تفكري فيا بالشكل ده. حضني مش ملك حد غير زمزم... ومش هيكون في يوم من الأيام لغيرها.

ثم اقترب منها خطوة حتى كاد صوته يخترق أعماقها:

ـ أنا مكتفي بيها أربعة وعشرين قيراط. مراتي اللي صاينة اسمي، قمّة الاحترام والأدب. اللي عمرها ما ترمي نفسها على راجل، ولا تفرض وجودها بشكل مقرف زي اللي عملتيه دلوقتي. عمرك ما توصلي لمكانتها... ولا حتى ربعها.

تركها مذهولةً من كلماته، وغادر الدرج متجهًا إلى شقته، تاركًا خلفه نارًا من الغِلِّ تتأجّج في صدرها. عندها صاحت بصوتٍ مبحوح بالكره والوعيد:

ـ صدّقني يا سالم... هتندم. وقريب قوي... هتكون جوزي!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أسرى الثأر والهوى

المؤلف Mai Mustafa
2025/11/05 مكتملة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة