كُل شَيء يَحدُث عِندَ مُنتصَف اللّيل.
سُطورٌ تَنزِف.
.....
ذو قَلبٍ ضَعيف..؟
لاتَدخُل.
"غَير مُناسِبة لِأصحابِ الأرواحِ الهَشّة."
.....
قِراءة مُمتِعة.
.....
تَنتظر حُلكة اللّيل تَسود أرجاء المَكان
حَيث لا صَوت يُسمع سِوى هَمس الهُدوء والسّكينة، وَالقليل مِن تمتماتٍ هامِسة لِتهويدة تُلقيها مِن ثِغرها.
بَعيداً عَن ضَجيج العالَم مِن حَولها،
تُجالِس وحدَتها تَحت ضوءِِ خافِت مِن مِصباحِها المُعلّق فوق مَكتبِها،
تَفتح صفحاتِ دفترِها القاتِم بِلون الدّم،
كي تَنسج أناملها سُطورًا جَديدة مِن رِوايتها الّتي تَعمل عَلى كِتابتها
كُل فصلٍ تدوّنه تُعيد قراءَته عشراتِ المرّات، وَتتمعَّن بِتفاصيله قَبل أن تَقوم بِنقله عَلى حاسوبِها.
أنهَت نَسج أخر حُروف الجِزء المُتعلّق
بِشخصيّة الشّرير في قِصّتها
تلِك الشّخصية المُفضّلة لَديها.!
لَطالما كانَت مُتعلّقة بِتلك الشّخصيّة
بِالشّكل الّذي يَصعب عَلى الإنسان الطّبيعي تَخيّله.!
هي أضحَت مَهووسةً بِشخصيّة مِن نَسج خَيالِها.!
لَطالما كانَت بِصف الطّرف الشّرير في جَميع القِصص سِواء أكانَت مِن أعمالِها أو من أعمال كُتّاب آخَرون
" أنا هُنا، لَن تَهربي مِن يَداي هَذه المرّة"
أعطَت لِتلك الصّفحة ابتِسامة شِريرة
تُعبّر عَن رِضى دواخِلها بِما خطَّت أنامِلها.
هي فَخورة بِما تُنتِجه مُخيّلتها
وما تُنقِشه أنامِلها مِن إبداع.
لَكن في لَحظة هُدوء وَصَمتٍ تام عًم أرجاء الغُرفة
داهَمها صُداع قَوي
كُل شَيء مِن حَولها هادِئ تمامًا
ما عَدا الضّجيج الصّارِخ في أذنَيها تَسمع صَدى أصواتٍ هَمجيّة غَير مَعروفة المَصدر.
دِماغُها تَوقّف لِلحظة عَن العَمل، تَشوش فِكرها وَمعه نَظرها، راحَت تَعتَصر الأفكارَ بِداخل عَقلها كما تَعتصر رأسَها بِكلتا قَبضَتيها.
ماذا الآن..؟
ما الّذي يَحدث..؟
لِم داهَمها هَذا الشّعور السّيء..؟
لَم تَهتم لِصحتِها وألَم رأسها بِقدر اهتمامِها بِتلك الجُزئيّة الّتي كانَت تَقوم بِكتابَتها.
ماذا سَتكتب..؟
لِم فَجأة تَوقّفت أنامِلها عَن النّسج..؟
راحَت تُحرّك قَلمها الحِبري الأسود
بَين سُبابتها وَوسطاها تَتلاعَب بِه
كما تلاعَبت سابقًا بِأحداث رِوايتها
وَقَلبت موازينِها.!
أخرجَت زَفيرًا صاخِبًا كانَ يُثقل صَدرها وَمعه أرخَت رأسَها عَلى طاوِلة مَكتبها المُقابِلة لَها.
تَستند عَليها لِتحصل عَلى القَليل مِن الرّاحة الُتي مِن الصّعب في وَقتها هَذا أن تَجدها بِسهولة.
كانَت عَلى وَشك أن تَغطّ في نَومها
إلّا أنّ ما حَدث
جَعل روحَها تَهرب فَزعة مِن جَسدها.!
استقامَت بِفزع يَنتفض عَقلها بِهلع حينَما
سَمعت صَوت نَقر أزرارِ لَوحة المَفاتيحِ
الخاصّة بِحاسوبِها.!
صَوت نَقر سَريع تَشك بِأنّه يَخصُّ إنسان،
كانَت تِلك الأزرار تُشرع بِكتابة شَيء ما.
شَيء لَم يَكن مِن المُتوقع رؤيتَه البّتة.!
كانَت تِلك الأزرار تَنسج أخِر كَلماتها
الّتي خَطّتها عَلى تِلك الوَرقة.!
تَنقل أخِر سَطر وَآخِر كَلمة
تَوقّفت عِندها.!
تَنقلها إلى حاسوبِها الّذي هي مُتأكّدة تَمامًا
أنّه كانَ مُطفئ قَبل قَليل.
رأت شاشَته تُنير إحدى الصّفحات البَيضاء
تَتوسطها أخِر جُملة قَد نَسجَتها عَلى دَفترِها.
" أنا هُنا، لَن تَهربي مِن يَداي هَذه المَرّة "
انتَفضً جَسدها بِهلع حينَما رأت خَيط دِماء تَنزفه أخِر الجُملة،
جَحظت عَيناها بِغير تَصديقٍ لِما تَراه أمامَها،
ناظَرت يَداها المُرتعِشة
أصابِعها تَرتَجف لا إراديًّا،
حاوَلت الصّراخ وَطَلب أحدِهم،
لَكن لا نَتيجة.
وَكأنَّ لِسانها قَد تَمّ رَبطه بِقيود
كَتلك الحِبال الّتي تُقيُد يَداها
رُغم عَدم وجودِها.!
تِلك الغصّة الّتي عَلقَت في صَدرها جَعلت تَنفّسها مُضّطربًا، وَأنفاسُها غَير مُنتظمة.
صَدرُها يَعلو وَيهبِط بِخوف،
لا تَستَطيع لَفظ أنفاسِها بِالشّكل السّليم.
حاوَلت الاستقامة عَن كُرسيّها إلّا أنّها شَعرت
بِامتداد الحِبال لِكامِل جَسدها.
شَعرَت بِها تُقيّد قَدميها بِأرجل الكُرسي.
ارتَجف ذَقنها وَمعَه شَفتيها بِشكل هِستيري،
امتَلأت حُجرتيها بِطبَقة مِن المياه المالِحة.
هي تُريد أن تَبكي ..
أن تَصرُخ..
أن تَشهق..!
لَكن ما رأته جَعل مِن حَرارة جَسدها
تَنخفض لِدرجة تَجمّدها.
تَصنَّمت في مَكانها حينَما سَمعت أزرار حاسوبِها تَطرق مِن جَديد كَلمات كان لَها وَقع
أخطَر مِن سابِقتها
" لا تَبكي عَزيزتي، لَن أؤذيكِ "
كُل جُملة تُسطّر عَلى الشّاشة أمامَها تَجعل مِن عُروقِها تُجف، وَكأنَّ تِلك الكَلمات تُكتب بِدمها الّذي يُسحب مِن جَسدها بِبطء مُخيف.
" لا تَذهبي لِلنّوم أنا قادِم إليكِ عَزيزتي"
أُطفِئ النّور الخافِت الّذي كانَت تُشعِله فَوقها بِشكلٍ مُفاجِئ
شَعرت بِبرودةٍ شَديدة تَتسلّل إلى غُرفتِها أحسّت بِهالةٍ مُرعِبة تَتقدّم نَحوها مِن الخَلف.
استَجمعَت ما بَقي مِن قِواها لِتلتَفت تُناظر ما يَحدث
التَفّت بِبطء مُغمِضة العَينَين خائِفة مِن رؤية الشّيء المُتواجِد هُناك.
هي حاليًّا تَعيش فَصلًا جَديدًا مُثيرًا
لَم يَسبق لَها كِتابَته أو قِراءَته حتّى.!
تَعيشُ جوًّا لَطالما تَمنّت أن تُعبّر عَن مَشاعِره بِشكل رائِع حينَ تَكتب شَيئًا مُشابهًا لَه في إحدى قِصصها
لَم يَكن لَديها الخَيار
عَليها أن تَفتح عَيناها لِترى الأمر.
هي قَويّة قادِرة عَلى مواجَهة الخَطر.
لكنّها لا تُدرِك ما الخَطر الّذي يَنتظِرها
حينما تَفتح بُندقيتاها.!
بِبطء شَديد وَحَركة خَفيفة بِالكاد تُرى تُحاول فَتح أجزاء صَغيرة مِن عَينيها.
رأت هَيئة ظِل حالِك يَستقيم أمامَها.
رَمشت بِغير فِهم تُحاول التّدقيق أكثَر بِما تَرى.
تَكشّفت الرّؤية أمامَها وَصارَت واضِحة عنِدما فَتحَت عَيناها عَلى وِسعها.
رأت تلِك الهالة يَتطاير مِنها شَرارات نارٍ سَوداء.
شَرارات تَتناثر في أرجاءِ مُحيط غُرفتها
بِكافّة الاتّجاهات.
راحَت تُراقب اختفاءِها تَدريجيًّا
تَراها تَتسلّل إلى جُدران الغُرفة تَتلبّس بِها.
إلى أن اختَفى الظّل نِهائيًّا مِن أمامِ ناظِريها.
راحَت تُطالِع السّقف وَالجُدران مِن حَولِها
تَتأكّد مِن خُلو الغُرفة مِنها.
شَعرت بِدفء غُرفتها يَتسلّل مِن جَديد
النّور قَد عاد، وَالحَياة تَعود لِطبيعتِها تَدريجيًّا.
وَقفَت غَير واعيةٍ لِما جَرى
وَما يَدور مِن حَولها تُنفي بِرأسها بِغير تَصديق.
أغلَقت عَيناها لِبُرهة بَعدما عادَت لِمضجَعها
عَلى كُرسي مَكتبها.
استفاقَت تَشهق بِفزعٍ تُحاول سَحب أكبَر كَميّة مِن الهَواء تُدخله إلى صَدرِها.
تَنهّدت بِارتياح عِندما أدرَكت شَيئًا ما
أدركَت أنّها..
كانَت بِكابوس شَنيع طاردَها بِجموحٍ
وَقد استفاقَت مِنه أخيرًا.
كِثرة التّفكير بِروايَتها وِتلكَ الشّخصيّة جَعلَها تَراها بِأحلامِها كَذلك.
رأت حاسوبَها مُطفئ كَما تَركَته قَبل أن تَغطّ في نَومها وَهُنا أكّدت لِنفسِها أنّها كانَت حقًّا بِحُلمٍ مُخيف.
رَسمَت عَلى مَعالِمها ابتِسامة صَفراء شاحِبة وَهي تُعيد تَرتيب أغراضَ مَكتبِها المُبعثَرة.
أغلَقت دَفترها وَتوجّهت لِسريرها كَي تُكمل نَومها بِراحة هُناك بَعيدًا عَن ضَغط عَملِها.
غافِلةً عَن ذَلك الظّل الّذي يَقف خَلف نافِذتها يَفترسها بِكُل تَفاصيلها بِتلك العُيون الحَمراء.
لا تَدري أنَّ هُنالِك
زَوج مِن الأعيُن كانَت تُراقِب حَركَتها
بِصمتٍ وَهُدوءٍ قاتِل.!
.....