زفير الرياح قد علا والمطر في كل مكان همى, سيارات زميرها سَفُلَ في كل زاوية من زوايا الطرقات وأشجار قد بانت وشمخت كل ما بعد عن المدينة واقترب من تلك القرية.....
كان قد ارتدى كَـ عادته بنطاله الكلاسيكي الأسود وقميصًا ابيض معه، قد احتواه معطفه السميك اسود اللون مع قبعته تلك التي تغطي خصلات شعره الحريري....
خطوط هادئة ورزينة، هكذا كانت خطواته تحت ذلك المطر الغزير ومظلته رمادية اللون تحميه من البلل، لكن ما من شيء يمنع قلبه العاشق من مقابلتها ولو كان هذا الطقس اقسى ما قد يرهقهما لِـ تعرضهما لِـ المرض بعد كل مرة يلتقيان به....
لكن العقل في غشيةٍ في حضور فؤاد ذلك المحب الذي يتحدى الطبيعة من اجل الإرتواء من زهرته الفريدة....
هناك تحت تلك الشجرة وتحديدًا على ذلك المقعد تجلس تلك الفتاة, بِـ كنزتها الصوفية بنفسجية اللون وبنطالها الأسود ومعطفها الذي أهداها اياه عشيقها، منكسة الرأس تناظر القطة بين يديها، تمسح على فروها بِـ هدوء والابتسامة الساكنة لا تغادر ثغرها.....
ابيض البشرة كان قد لاحظها لِـ يتأملها من مكانه بِـ تركيز, يحفظ ملامحها بِـ عيونه العاشقة لِـ كل تفصيلة بها، صغيرة كانت ام كبيرة....
هائمًا في الأفق البعيد، سارحًا بِـ خياله الكبير، يتذكر كل لقاءاتهم اللطيفة والبسيطة؛ يبتسم لِـ أقل اللحظات تحضيرًا ويشبع لبه الظامئ بِـ حلاوة ذكرياته.....
دنى من تلك التي ما ان اشتمت عطر خليلها حتى استقامة تاركةً تلك القطة على المقعد حتى لا تتبلل من ماء المطر....
كانت دقائق غير معدودة حتى ارتمت عليه تعانق جسده وتقربه ناحيتها بِـ قوة وكَـ أنها ترغب بِـ معانقة أرواحهما ليس فقط اجسادهما.
وليتها تعلم ان حبه لها ليس سوى حب روحٍ لِـ روح أخرى فَـ لا يفنى حبه مادامت الأرواح باقية ولا زوال لها مهما تلف جرمهما تبقى الأفئدة قائمة الى ما بعد الأبد.....
" ألفريد"
همست بِـ نعومة والغصة قد تركت أثرها في اهتزاز نبرتها لِـ يحاوط خصرها يقربها اكثر له متمتمًا بِـ صوت ضعيف لا يقوى على رؤيتها تبكي وهو السبب في ذلك:
"قلب وروح ألفريد، انت زهرتي الغالية"
" اشتقت لك حبيبي. كيف استطعت تركي والابتعاد عني كل هذا الوقت، أَ ولا تعلم ان زهرتك تذبل لِـ مجرد ابتعاد غاليتيك السوداء عنها, فَـ كيف فعلت ذلك؟! كيف!؟"
" أعذريني زهرتي, ها قد عدت ولن أرحل وأترك المجال لِـ الذبول في حياتك، ما دمت بِـ قربك فَـ أنا لن أرفع عينيّ عنك مدللتي وكل عالمي"
اردف متأسفًأ, ماسحًا تلك الدموع التي لوثت وجنتيها المحمرة من البرد الذي اخذ يشتد مع مرور كل دقيقة....
" أنا أحبك ألفريد, فَـ إبقى ولا تهجرني مجددًا ولو فعلت خذني معك, فَـ لا طاقة لِـ هذا القلب على مواجهة الفراق من جديد."
سهم من الألم أصاب قلبه النابض بِـ اسمها وهو يرى كيف ان ذهابه أثر بِـ حبيبته وجعل منها مرهقة ومثقلة بِـ كل تلك المشاعر الغير محببة لِـ يقبل عينيها بِـ اسَف وشفاه مرتجفة ....
" اسف زمردتي وزهرة بستاني ومنيرة عتمتي. أعدك بِـ أن اعود شمسك التي تضيء نهارك وقمرك الذي يؤنس ليلك , لن أبارح جوارك مهما انقضى من وقت. سَـ التسق بك اينما ذهبتي بِـ قربك سَـ تجدينني"
" يا صبوة ودادي وولع مصافاتي, أتلوه بك وارتوي التيتم من ظلال ابتساماتك , فَـ امنحي هذا الوجدان قبلة تحكي فيها مشاعرنا وتتلوى أحاديثها السرية بِـ كل أريحية"
وفي احدى ليالي ديسمبر الباردة ووسط هطوا المطر وهبوب الريح, سقطت تلك المظلة لِـ يرتطم الماء البارد بِـ رأسيهما وهما منغمسين بِـ تبادل أحاديثهما الصامتة حيث الشفاه تتكلم والأحرف غائبة والقلب يقرأ تحركات ثغريهما والتحامهما معًا...