الفصل الأول

الفصل الأول

21 0

يجلس على عرشه المهيب المزخرف المصنوع

بالكامل من الذهب والمطلي بمياهه

يضع قدما فوق الأخرى بكبر وغرور جلي على

ملامحه.

يخبئ خلفه خوفا وقلقا من المستقبل غير

مبرر بالنسبة له.

فكل شيء تقريبا صار تحت سيطرته الآن

ولكن...لماذا يشعر أن هذه النشوة والسعادة التي صارت ملازمة له لن تكتمل؟!

تقدم الرسول الذي يوصل الرسائل بعد أن سمح

له الجنود بالدخول بعد أن أخذو الإذن من الملك.

-مولاي الملك شارلي.

هتف بها بتعظيم وقدانحنا له انحناءة طويلة  بإحترام وتوقير وهو يمد له بالرسالة.

فتحها الملك بلهفة وهو يترقب ما سيكون مقروؤا فيها.

:مولاي الملك تشارلي...

تحية طيبة لجلالتك وبعد...

فلا أدري في الحقيقة سبب قلق عظمتكم  الغير مبرر ولكن اطمئن يا مولاي.

كل شيء تحت السيطرة.

الملك غارق في شهواته.

وعوام الناس نائمة ولم تعد تبالي وقد اعتادت الأمر.

والوزراء والمستشارون وكبار الدولة ومن يتبعهم جميعهم تحت سيطرة رئيس الوزراء

"مصعب بن عمير الألوسي".

وأوسلو أصبحت غارقة في الظلام دون أن تعثر

على من يمد لها يد العون لينقذها.

فأنت تعلم أن الخلافات محتدة بين أوسلو وفيينا.

-خادمكم المطيع:ديفيد

لم يكن هناك شيء جديد في الرسالة.

ولكن لا يدري لماذا صار يساوره القلق بين الفينة والأخرى!

أذن للرسول بالخروج بينما هو حاول أن يتغاضى عن هذا الشعور وبشغل أذنه بطرب الموسيقى الصاخبة وعينيه بأجساد الجاريات المتراقصة،

القريبة إلى العري وهو يفكر في خطواته القادمة للسيطرة على أوسلو.

________________________

كان يعمل حطابا....

يكسب قوت يومه من الذهاب للغابات والمزارع

المهجورة ليقطع أخشاب الأشجار الميتة أو المتهالكة وغير المثمرة.

ثم يبيع الحطب لمن يحتاجه.

ولأن هذه المهنة لم يكن يعمل بها سوى قلة مقارنة بعدد سكان مملكة أوسلو.

فكان من القلة المشهورين بهذه المهنة المتواضعة.

لذلك أطلق عليه بدلا من اسمه الحقيقي وهو

:ناصر الدين الطائي.

ذيع صيته في المملكة باسم:ناصر الحطاب.

كان يحب إبنة عمه عاتكة بل يذوب في عشقها.

ولأنه شاب مثابر مجتهد يكسب قوت يومه بعرق جبينه....

لم يتردد عمه في الموافقة على طلبه بالزواج منها.

ولم تمر سنة حتى علم بخبر حملها بعدما ذهبو

لطبيبة للإطمئنان على صحتها.

يذكر جيدا تلك الدموع التي بللت خديه وهو

يحدثها بذهول وفرحة غامرة

-لا أصدق نفسي...

هل حقا أنت حامل؟ل..لما لا نذهب للطبيبة لنتأكد ثانية؟

قالها بغير تصديق لتضحك بخفوت على اندهاشه.

-لا حاجة لذلك لقد تأكدنا بالفعل يا ناصر.

قالتها بهدوء باسمة بينما هو انخفض الى مستوى بطنها يضع أذنه عليها

-لما لا أشعر به او بضربات قلبه؟

-لأننا لا نزال في البداية يا عزيزي

هو لم تنفخ فيه الروح بعد.

-أيا يكن أريده مثلك تماما في الشكل والطبع.

ردت بتعجب:كيف؟ألا تريده أن يشبهك أبدا في

أي شيء؟!

اعتدل واقفا ينظر لها بهيام شاردا في ملامحها

الهادئة البسيطة تماما كشخصيتها

-لا،فأنا ناقص،أما أنت فمتكاملة الأوصاف حتى

ولو كانت بك الكثير من العيوب...

فعيني وقلبي عاجزون عن رؤية شيء سوى هذا

الجمال السرمدي وهذه الخدود السعفاء.

قالها وهو يلمس خديها بكلتا يديه يلعب بهما

برفق بينما هي زاد احمرار خديها أكثر مما هما

عليهما بسبب حرجها.

لذلك حاولت تغيير وتيرة الموضوع قائلة

-هل تريده ولدا أو بنتا؟

-أي شيء منك سيحعلني أقفز من الفرحة.

-لو كانت بنتا ماذا ستسميها؟

أجاب دون تردد-عاتكة.

زاد شعورها بالحرج لأنه يستغل كل فرصة ليظهر عشقه الجنوني لها.

-ولو كان ولدا؟

هذه المرة أخذ وقتا ليفكر في الأمر قبل أن برد

-عيسى...ما رأيك؟"عيسى ناصر الدين الطائي".

-جميل..لماذا هذا الإسم بالذات؟

-لا أدري،أشعر أنه مناسب..

كما أنه اسم رسول من أولي العزم من الرسل.

-معك حق.

أحست عاتكة بأن هناك خطبا ما بزوجها؛

شعرت أنه مضطرب شارد الذهن.

-ما بك ناصر؟

أجاب بقلق-أخشى أن لا نستطيع توفير الحياة

المناسبة للمولود الجديد....أخشى أن لا يكفي

قوت يومنا لطعامه وشرابه ولباسه وتعليمه.

-اتركها على الرزاق،"وفي السماء رزقكم وما توعدون".

ما عليك سوى الكد والعمل والسعي،

أما العواقب فهي بيد الله.

ابتسم لها براحة وكأنما استطاع ان يجد حلا لكل مشاكله بكلام زوجته.

-أتعلمين أنك الشيء الوحيد الذي أنا متأكد من

أني لن أندم على إختياره مهما حدث؟

ابتسمت بحرج من اطرائه ولم ترد.

-لماذا لا تغازلينني كما أغازلك؟!

قالت متهربة-لا أجيد المغازلة.

-قولي أي شيء،أي شيء منك يسعدني.

-س..سأذهب لأحضر لنا العشاء.

فرت هاربة بينما هو وقف مبتسما يراقبها

وهي تركض مسرعة إلى المطبخ.

منفضا عنه تلك الأفكار التي تؤرق باله.

________________________

إذا فتحت ذلك الباب الخشبي،المنقوش عليه صورة كأس نبيذ،ثم ولجت المبني سترى بعينيك الجدران المرسوم عليها تقوش للعنب

وكؤوس النبيذ.

الموائد المنخفضة التي يلتف حولها مجموعة من الرجال وأحيانا النساء.

يتحدثون في كل شيء تقريبا عدا عن سيادة الملك المعظم أو كل ما يخص أمر البلاد من شؤون سياسية مملة.

الأرجل من الجنسين تتراقص بتناغم مع الموسيقى الصاخبة.

وهناك الغرف المتعددة موصدة الأبواب لتفرغ فيها شهوتك في الحرام إن أردت.

عثرت زيداء على إبنتها جميلة بين الحشود المتراقصة فشهقت جميلة بألم عندما قبضت

زيداء بقوة على كتفي جميلة بيديها الثقيلة

تماما كالحجارة-جميلة أين كنت؟منذ ساعتين

وأنا ابحث عنك!

ردت بتململ-كنت أستنشق الهواء في مكان آخر

بعيدا عن هذا المكان المقرف.

اشتعلت زيداء غضبا من ردها-حسابي معك سيكون عسيرا لأني بحثت عنك في كل مكان

ولم أجدك.....المهم، هناك زبون ينتظرك.

زفرت جميلة بضجر-أخبريه أنني لا أريد.

شهقت زيداء قائلة-هل جننت؟يبدو أنه ثري،

وسيدفع الكثير من المال.

-لا يهمني إن كنت تريدين المال فاذهبي أنت.

-ماذا يعني هذا الكلام يا بنت أبي نواس؟!

امتعضت ملامح جميلة لأن أمها حينما تغضب

منها تنسبها لأبيها وكأنه كان يبرحها ضربا ثلاث

مرات في اليوم.

بينما هو في الحقيقة أفضل أب وأفضل زوج قد يحصل عليه أحد بالنسبة لجميلة.

تظاهرت بالشجاعة وهي تقول-يعني أنني لا

أريد أن أعمل هذا العمل ثانية.

لم تجبها زيداء أو تناقشها كل ما فعلته أنها أخذت بشعر جميلة تجره إليها جرا والأخرى

تكتم أنينها وصراخها.

-إسمعيني جيدا يا بنت أبي نواس،ما دمت على

قيد الحياة فلن تتوقفي عن هذا العمل أبدا إلا

في حالة واحدة وهي الموت...

يا إلهي، أنت مثل والدك تعشقين الفقر والذل

والمرض.

"وماذا عن ما نحن فيه الآن؟أليس هذا العمل ذلا لي ولك؟!'

هذا ما ارادت أن تقوله وتصرخ به بعلو صوتها؛

لكنها أطبقت فمها خوفا من بطش والدتها.

______________________

جلست على الفراش بجواره.

كان كأغلب من جائها،من ذوي السلطة والجاه.

كل من جاء إليها تقريبا على نفس شاكلته.

جاء إليها مستشارون لوزراء الملك.

وأحيانا جنود من الجيش الملكي أو من الحرس .

وأحيانا أخرى كبار التجار.

يسألها بعض الأسألة وهي تتصنع الدلال والميوعة وهي تحاول إظهار مفاتن جسدها

قدر الإمكان لتنال إعجابه، ويدفع لها كثيرا من المال؛ لكي لا تتلقى توبيخا من والدتها أنها لا

تعمل جيدا.

______________________

-مالك...مالك.

كانت تنادي على ابنها بصوت واهن قضى عليه

المرض، وهي مستلقية على سريرها الذي لا تقوم من عليه إلى للصلاة أو لقضاء حاجتها.

-لبيك يا أماه.

قالها بأنفاس متقطعة وقد خرج منتفضا من غرفته على ندائها،وقد لمح نظاراتها التي تحمل

داخلها الإمتنان والحب والإشفاق والشعور بالعجز.

-معذرة يا بني،أيمكنك أن تمد لي كوب الماء هذا؟

قالتها وهي تشير إلى الطاولة البعيدة قليلا عنها،

والتي وضع عليها ابنها كوب الماء لكي لا يستغرق وقتا في إحضار الماء من الخارج.

وهي عاجزة حتى عن إحضار الكوب القريب منها.

-تفضلي يا أمي.

-معذرة يا بني عطلتك عن دراستك.

ابتسم مالك بداخله بسخرية

-لا بأس يا أمي،أنا لا أذهب لطلب العلم على أية

حال.

-لكنك تدرس هذه الكتب.

-وما الفائدة من هذه الكتب، وهي لا تجلب لي نقودا، وقد صرت بلا عمل،أنا أفكر في بيع هذه

الكتب على أية....

قاطعته أمه في سرعة وقد تملك منها الغضب

-بالطبع لا،أنت لن تفعل هذا....

هذه الكتب هي الأمل الأخير لنهضة هذه الأمة

وعودتها كالسابق.

حدق بها مالك بدهشة.

صحيح أنه يحب القراءة وطلب العلوم المختلفة ولكن....بضعة أوراق من الكتب لن تعيد الأمة إلى مجدها السابق!

-ألاترين أنك تبالغين يا أماه؟!

-لا،ربما قد ترى كلامي مجرد تخريف،لكن العلم

هي الوسيلة الأكثر تأثيرا في تقدم البلاد.

ترتفع الأمم بالعلم ونتخفض بما سواه.

فإذا قرر كل أحمق مثلك ان يستغني عن طلب العلم لن تقوم لهذه الأمة قائمة.

هل فهمت؟

أومأ لها مالك متفهما،ولكن بداخله لم يكن مقتنعا البتة بكلامها.

رآه مجرد كلام نظري مكرر على أسماعه.

لماذا لا يحل العلم مشاكل الفقر؟

لماذا لم تعالج هذه الكتب والدته؟

لماذا لم يقضي العلم على الحانات، والدعارة،

وبائعات الهوى، المنتشرات في جميع أنحاء

مملكة أوسلو؟

________________________

في خطبة الجمعة في مسجد أحد مدن أوسلو،

وقف الشيخ سعيد بن اسحاق كالجبل الشامخ،

يتجمهر الناس حوله لبدا؛ ليستمعو إلى خطبته

الجهورية التي يلقيها كل جمعة في نفس المسجد.

فكان صوته يعلو فوق كل أصوات الباطل؛ليرفع

راية الحق والدين الحنيف.

-وبعد فإني قد حذرتكم قبلا من ذلك المدعو الليث بن سعد،فوالله ما هو إلى كلب حقير،

وليس ليثا،فقد خرج علينا ذلك المدعي بفتوى

جديدة،يحلل فيها الخمر وما يحدث من منكر

وفاحشة في تلك الحانات.

فإني أدعوه وأرجو أن يصغي إلى كلامي،

أدعوه إلى الإعتذار عن هذه الفتوى،وانكار ما يحدث في هذه الحانات من منكرات وفواحش،

وبعد.....

واستمر صوته يصدح بالحق بيكون سوطا ورادعا بخرس كل ألسنة الباطل.

فكان باقي الخطبة يتحدث عن الخمر والزنا

وحكمهما وعقوبتهما.

تحدث أحد الحاضرين بصوت منخفض لصديقه

-لماذا لم يقبض عليه بعد؟

-ويحك!أتريد للشيخ أن يحبس؟!

-لا لم أقصد ولكنه يتحدث باستمرار عن ما يحدث في المملكة من فقر وفساد،ولا يتجنب

الحديث عن هذه الأمور كالبقية.

تنهد الآخر بحزن-ربما معك حق،ولكن أتمنى أن

يطول بقائه معنا أكثر من ذلك قبل أن يقبضو

عليه.

رد الآخر بقلق-أخشى أن يبلغ عنه أحد تلاميذ

الليث بن سعد.

-أو ربما الليث بن سعد نفسه.

-دعك من هذا الآن ودعنا نركز في الخطبة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مملكة أوسلو

المؤلف استبرق هاني
2025/10/19 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة