السلام عليكم ورحمه الله وبركاته ❤️
اتمني الفصل يعجبكم
و متنسوش تكتبوا رايكم و النجمه ⭐😅
و يلا نبدأ 😊
تتشرق شمس يوم جديد على أكبر وأقوى وأقدم ممالك هذا الزمان (أماريس)، لكنها لم تعد الشمس الذهبية المشرقة التي يعرفها الناس، بل كرة باهتة تجرّ أشعتها فوق سماءٍ مثقلة بالدخان والرماد. ضوءها الخافت لا يكشف إلا الخراب؛ أطلال مبانٍ عظيمة تحولت إلى أكوام حجارة سوداء، أشجار متفحمة لا تزال تتصاعد منها ألسنة اللهب، وجثث متناثرة صارت جزءًا من تراب المملكة.
وفي وسط النهر، ترتفع جزيرة كأنها قلب محترق، تحيطها النار من كل جانب، أشجارها المشتعلة تشكل جدارًا ملتهبًا، يعزل ما تبقى من القصر الملكي عن العالم، ذلك القصر الذي يئن جدرانه المتصدعة، مهددًا بالسقوط في أية لحظة.
داخل القصر، كانت الأميرة تركض بخطوات متعثرة، عباءتها البيضاء وقد لطختها الدماء والسخام، عيناها الواسعتان تملؤهما الدموع والخوف، لكنها لا تجرؤ على التوقف. حولها يهرول الفرسان، أصوات أنفاسهم تختلط بدويّ الانفجارات وسقوط الأحجار. خلفهم يتصاعد زئير الأعداء، كعواء وحوش تطارد فريستها بلا رحمة.
يسقط فارس تلو الآخر، سيوفهم تقرع كآخر صدى قبل أن تخمد أجسادهم، وكل سقوطٍ منهم يمنح الأميرة لحظة إضافية من الحياة.
لم يبقَ معها سوى أربعة من الحراس، يتقدمون نحو بابٍ ضيق يقود إلى النجاة، فيما يقترب وراءهم من أباد الحاكم ورفع رأسه على رمح، وها هو الآن يسعى لرأس ابنته.
خطوات الأميرة باتت ثقيلة، أنفاسها تقطعها الحرائق والدخان، ووجهها يزداد شحوبًا مع كل لحظة. المسافة تتقلص، صرير أسلحة العدو صار أقرب مما تحتمله أذناها.
عندها توقف ثلاثة من حراسها، التفّوا في مواجهة الموت ووجوههم مشدودة بالإصرار، سيوفهم ترتفع كوميضٍ أخير وسط ظلام النار. وبصوتٍ واحدٍ دوّى في أرجاء القصر المتهدم:
"سنحميكِ يا أميرة!"
في تلك اللحظة المشتعلة، ارتدت الحياة إلى جسد الأميرة وكأن كلمات حراسها قد بعثت في عروقها قوة جديدة. شدّت على أنفاسها، وانطلقت مع الحارس الأخير نحو الباب، يركض هو بجوارها، كتفه يضرب الباب المتداعي حتى انكسر وفتح لهم ممرًا ضيقًا تحت القصر. عبروا الممر بخطوات متسارعة، حتى خرجوا إلى الأعلى مجددًا… وهناك توقفت الأميرة للحظة، لا تصدق ما تراه عيناها.
كان المشهد أمامها كحلمٍ جحيمي: أشجار مشتعلة كأعمدة نار، السماء ملبّدة بدخان أسود كثيف يغطي الشمس، الأرض مفروشة بجثثٍ متفحمة، والهواء يئن من صرخات الناجين. بدا وكأن نهاية العالم قد نزلت على أماريس.
جسد الأميرة ارتعش، وخارت قواها، أحست أن كل شيء قد انتهى، لكن الحارس لم يمنحها فرصة للاستسلام. أمسكها من ذراعها بقوة، وجذبها بعيدًا عن القصر المنهار، مندفعًا بها نحو الغابة المشتعلة. كلما اقتربوا، اشتدت الحرارة حتى لسعت وجوههم، والدخان دخل إلى صدورهم فاختنق النفس. خطوات الأميرة تباطأت، وركبتاها ارتجفتا، ثم سقطت أرضًا، صدرها يعلو ويهبط بحثًا عن هواء لا يأتي.
وقبل أن تستعيد أنفاسها، اخترق الدخان صوت وحشي، صيحات عالية تمزّق السكون:
"لقد وجدنا الأميرة!"
انتفض الحارس، عيناه تشتعلان بالغضب، ركض نحوها وأمسك يدها، رفعها رغم ثقل جسدها، وأجبرها على الاستمرار. سهام العدو أخذت تمزق الهواء حولهم، تتساقط بجانبهم مثل مطرٍ قاتل، فيما تتهاوى الأشجار المحترقة وتسد الطرقات. لجأ الحارس إلى جذوع متفحمة، يحتمي بها هو والأميرة، يضغط عليها بجسده ليبعد عنها وابل السهام.
وفجأة، وبينما كانا يندفعان أعمق داخل الغابة، سقطت خلفهما شجرة ضخمة ملتهبة، ارتطمت بالأرض بصوت هدير مرعب، لتغلق الطريق تمامًا وتفصلهم عن الأعداء. عندها ابتلعهم اللهب بين جدران النار، والسماء صارت سقفًا من دخان خانق.
نظر إليها الحارس، وجهه يذوب من الألم واليأس، لكن عينيه بقيتا ثابتتين، تلمعان بعزمٍ لا ينكسر. اقترب منها، همس بصوت خافت، لم تسمعه، لكن كلماته كانت وعدًا أخيرًا يُلقى في وجه الموت:
"يجب أن أوفي بوعدي."
كان يعلم أن على الجانب الآخر من النار ينتظرهم جنود أوفياء وقاربان للهرب… لكن كل خطوة في هذا الجحيم كانت كأنها نهاية بحد ذاتها.
حمل الحارس الأميرة بين ذراعيه، شدّها إلى صدره كما يُخفي المرء سرًّا ثمينًا عن أعين العالم. لفّ جسده حولها كدرعٍ حي، يواجه النار بنفسه ليمنع اللهيب من أن يمس طرف ثوبها أو خصلات شعرها. كان يطأطئ رأسه قليلًا فوقها، كأنه مظلة بشرية تردّ عنها شرر الجحيم.
كل خطوة يخطوها كانت صراعًا مع الموت: ألسنة النار تلسع ظهره وكتفيه، تحاول التهام جسده المكشوف، فيما يضغط بذراعيه بقوة أكبر ليحيط الأميرة ويحجب عنها ألسنة اللهب. كان صدره يحترق وهو يتنفس دخانًا خانقًا، لكن أنفاسها الضعيفة الملتصقة بضلوعه كانت كفيلة بأن تدفعه للاستمرار.
كأنما قرر أن يكون جدارًا من لحم ودم، يحترق هو… لتبقى هي.
مع كل متر يقطعه، كان العالم من حوله يذوب في لونين لا ثالث لهما: الأحمر المتوحش والبرتقالي المشتعل. لم يعد هناك سماء ولا أرض، فقط جحيم يبتلعه. أنفاسه تحولت إلى سعال متقطع، يبتلع الدخان والرماد بدل الهواء. جلده يتشقق من شدة الحرارة، والعرق المالح يمتزج بالدم النازف من جراحه المفتوحة. كان يشعر أن عروقه تغلي، وأن عظامه تكاد تذوب من ثِقَل الاحتراق.
ساقاه لم تعودا تحملانه، كانتا تثوران ضده كرصاصتين مغروستين في الأرض. كل عضلة تصرخ، كل خطوة تُنتَزع منه انتزاعًا. أكثر من مرة شعر أن الظلام يزحف على عينيه، أن جسده قرر أخيرًا أن يسقط… لكن كلما انحنى برأسه ورأى وجه الأميرة الملتمس الحماية في صدره، تذكّر الوعد. الوعد الذي كان أثقل من النار وأقسى من الجحيم.
حينها… اخترق بصره خيطٌ من الضوء. خيط رفيع، لكنه أنقى ما رأته عيناه منذ بدأت الكارثة. لم يكن أحمر ولا برتقالي، بل لون آخر… لون الحياة. بدا له وكأنه بابٌ مفتوح وسط السماء، وكأن العالم يمد له يداً خفية تقول: "هنا… النجاة."
شدّ ما تبقى من عضلاته الممزقة، زفر زفرة تشبه صرخة محتضر، واندفع آخر اندفاعة. كل خطوة كان يسمع فيها طقطقة عظامه، وكل نفس كان يقتطع من جسده جزءًا جديدًا. حتى خرج أخيرًا من فم النار.
حين لامست قدماه الأرض الخضراء المبتلة بالندى، وانفتحت رئتاه على هواء بارد، كان الأمر أشبه بالبعث بعد موت. ألقى الأميرة برفق على العشب، وكاد ينهار بجانبها. العالم من حوله تغيّر فجأة: اختفى زئير النار، وحلّ محله صمت مبحوح يتخلله صرير بعيد لطيور لم تحترق بعد. الهواء هنا خفيف، له طعم الحياة، بينما قبل لحظات كان كل نفس خنجرًا يغرز في صدره. الألوان عادت، الأزرق والأخضر والرمادي، كأن الطبيعة تعلن أنها ما زالت على قيد الحياة.
للحظة قصيرة جدًا… شعر أنه انتصر. شعر أن هذا الكابوس قد انتهى.
لكن السعادة لم تدم سوى لحظة.
فالمكان الذي كان يفترض أن ينتظرهم فيه الجنود والقاربان لم يعد إلا ساحة مذبحة. أجساد الجنود متناثرة، صامتة كالأحجار، أعينهم الزجاجية ما زالت تحدق في الفراغ وكأنهم لم يصدقوا موتهم. القوارب على ضفاف النهر لم تعد سوى هياكل سوداء متفحمة، دخانها يلتف كأشباحٍ تصعد إلى السماء.
وهناك… في موضع النجاة الموعودة، وقف الأعداء مصطفّين، يبتسمون ابتسامة باردة، كأنهم لم يأتوا للقتال، بل لحضور مشهد النهاية. كانت وجوههم تشبه الجلادين في لحظة انتظار الضحية، نظراتهم متعمدة، كأنهم يقولون له: "كل هذا العناء… لتسقط بين أيدينا."
تجمّد قلب الحارس لوهلة. شعر أن الأرض انسحبت من تحته، وأن كل ما فعله، كل جرح تحمله، كل خطوة عبر فيها النار… تبخرت في لحظة. إحساس بالعجز اخترق صدره كخنجر، وصرخة صامتة دوت داخله: "هل كان كل هذا عبثًا؟"
لكن حين نظر إلى الأميرة، ملقاة في حضنه، شاحبة لكنها حية، تبدد السؤال. نعم، ربما النهاية اقتربت… وربما الموت هو ما ينتظره. لكنه أقسم أن لا يكون موتها معه.
بحركة بطيئة، وضعها برفق على الأرض، كأنها أثمن ما تبقى من هذا العالم. أصابعه المرتجفة انسلت عن كتفيها، ثم توجه إلى سيفه. قبضته كانت واهنة، بالكاد تحمل ثقل المعدن، وذراعه يرتجف من التعب والجراح. ومع ذلك، عينيه اشتعلتا بصلابة لم يذُبها اللهيب.
كان يعلم أن لحظاته معدودة… لكنه قرر أن يجعلها لحظات تليق بوعدٍ قطعه، ووطنٍ سقط، وأميرةٍ لا يجب أن تموت قبله.
رفع سيفه ببطء، كمن يرفع راية أخيرة في وجه القدر، واستعد ليقف حتى النهاية.
انتظر حتى تقدّم الأعداء نحوه، بخطوةٍ ثقيلة تحمل نية الذبح. عندها رفع سيفه، وبعينين مشتعلة كالجمر، اندفع كالإعصار. كان جسده مثقّلًا بالجراح، لكن سيفه يلوّح في الهواء كأنه امتدادٌ لإرادة لا تُكسر. ضربة واحدة شقت صدر خصم، وأخرى مزقت كتف آخر، والدماء تناثرت حوله كأزهار حمراء في حقل الموت.
لكن النار التي تغذي جسده كانت تحترق بسرعة. سهام الأعداء المتربصين من بعيد اخترقت ذراعه وساقه، تغرز في لحمه كأنياب خفية لا يراها إلا حين ينزف. ومع كل خطوة كان يواجه آخرين وجهًا لوجه، فتتصادم سيوفهم بسيفه المتعب، وتترك على جسده جروحًا جديدة، كأنهم جميعًا قد اتفقوا أن يقتطع كل واحد منهم جزءًا من حياته.
وكل خطوة تزداد ثقلًا كأن الأرض تُمسكه لتمنعه من المضي. الدم ينزف من جسده بغزارة، يترك أثرًا قانيًا خلفه، كأن الطريق نفسه يوثّق ملحمته الأخيرة.
سقط على ركبتيه، العالم يهتز من حوله، والسماء بدت كغيمة سوداء تهوي فوق رأسه. الموت اقترب، همس له بأن يستسلم… لكنه لم يعرف الاستسلام يومًا. بآخر ما تبقى له من قوة، دفع نفسه واقفًا، رفع سيفه مرة أخرى، وصرخ صرخة اخترقت ضجيج المعركة: صرخة وداعٍ وتحدٍّ معًا.
لكن القدر أطلق سهامه، فاستقر سهم غادر في صدره، ثم انغرس سيف عدو في جسده المتعب. ترنّح، ووقع أرضًا، وقد بدأت الألوان من حوله تتلاشى… لم يبقَ سوى الرمادي، ثم السواد.
وفي اللحظة التي استسلم فيها جسده للضعف، لمع ضوء آخر—لم يكن نور النجاة هذه المرة، بل برق حقيقي يلمع مع صليل سيف غريب. ظلٌ اندفع وسط الأعداء كإعصار من الفولاذ. صوت ضرباته كان كالرعد، وسرعته كأنها ومضات برق تمزق الظلام. الأعداء يسقطون واحدًا تلو الآخر، دماؤهم تتناثر مثل المطر، تصبغ الأرض بالقرمزي.
في لحظات قصيرة، تحول المكان إلى صمتٍ ثقيل… وحدها جثث الأعداء تملأ الساحة. ذلك القادم الجديد توجّه نحو الأميرة، انحنى بجانبها ليتأكد من سلامتها، ثم مشى إلى الحارس الجريح، وجلس عنده.
بصوت هادئ، أشبه بوعدٍ ينزل على القلب، قال له:
"كل شيء سيكون بخير."
عندها… أغمض الحارس عينيه. لم يعد يسمع صليل السيوف ولا صرخات الأعداء، بل وجد راحةً لم يعرفها منذ زمن. ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم ترك نفسه أخيرًا للراحة التي حُرم منها منذ بداية الليل.
***
وفي عمق ذلك السواد، بدأت الأصوات تتشكل… وقع أقدام تركض، وصيحات استغاثة تمزق الهواء:
"نحن نتعرض لهجوم!"
تجمّعت الألوان أمامه من جديد، لكن هذه المرة لم تكن حقيقة الحاضر، بل شظايا من ماضيه… ذكرى انغرست في ذاكرته كالنار. وجد نفسه واقفًا وسط ألسنة لهب أخرى، أمام سيده، الحاكم.
قال له الحاكم بصوتٍ متوتر:
"فلتذهب."
لكن داغر – الحارس – هزّ رأسه بعناد، وصوته يخرج صارمًا كالصخر:
"لا يمكنني تركك يا مولاي. حمايتك هي وظيفتي، ولم أخن العهد قط… ولن أخونه حتى لو كان موتي هو الثمن."
ارتجف صدى كلماته في جدران القصر، فيما كان هدير المعركة يقترب.
ابتسم الحاكم ابتسامة حزينة، وأجابه:
"لا… فلتذهب. يجب أن تحمي ابنتي."
شدّ داغر على قبضته، عينيه تلمعان بدموع الغضب:
"لكن يا مولاي، إذا ذهبت سيقتلونك! ستسقط المملكة بين أيديهم… وأنا لن أقبل بذلك، حتى لو كلفني حياتي. لن أهرب من أرض المعركة."
رفع الحاكم صوته بحزم، وفيه بقايا رجاء:
"إذا بقيت، سنُقتل أنا وأنت وابنتي. يجب أن تستعيدوا الحكم… أنتم الأمل الأخير."
ثم أشار إلى عشرة حراس واقفين خلفه، وأمرهم بصوت لا يقبل نقاشًا:
"اذهبوا مع القائد داغر. الآن!"
اقترب الحاكم من داغر، وضع يده الثقيلة على كتفه، وقال بنبرة أخيرة محفورة في قلبه:
"أنا أعتمد عليك. احمِ ابنتي… ولا تتركها إلا حين تستعيد عرشها."
وقبل أن يكمل كلماته، انهار سقف القصر فجأة، الحطام المتساقط شقّ الأرض بينهما، حاجزًا الحاكم في جهة، والحارس في الجهة الأخرى.
صرخة مكتومة ارتطمت في صدر داغر، وهو يرى سيده يختفي خلف الدخان والركام… وكان ذلك آخر لقاء بينهما.
***
اتمني الفصل يكون عجبكم
و متنسوش تكتبوا رايكم و النجمه ⭐??
و تفتكروا ايه الي هيحصل الفصل الجاي؟ 🤔
Vhsalem