لُوس أولاسْ :

لُوس أولاسْ :

28 0

هناك طرق تقودك إلى مدن، وأخرى تقودك إلى أشخاص، أما طريق إلى أغسطس، فكان يقودنا إلى الحريق الجميل في دواخلنا."

أُوفِليا أَنجِيلي .



إلى الفتاة التي يغويها الصيف، فيقودها الموج إلى غرقٍ لا عودة منه.

إلى أوفيليا، التي علّمتنا أن أغسطس ليس شهرًا، بل نارًا تسكن القلوب.

إلى الخريف، حين تتساقط الأرواح كما الأوراق، وتكشف العواصف غرباءَ يصيرون أوطانًا.

إلى الشتاء، حين نكتشف أن أبرد ليالينا يمكن أن تُدفئها عينان فقط.

وإلى الربيع، حين تزهر الحقيقة أخيرًا، وتُعلن أن الغرق لم يكن موتًا... بل بداية.

وإلى كل فتاة ستكون أوفيليا يومًا ما، وتعرف أن في داخلها صيفًا يشتعل، وخريفًا ينكسر، وشتاءً يتوحّد، وربيعًا يعود.

هذه الرواية لَكُنَ

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

مِكسِيكُو

تُولُومْ :

أُوفيليَا آنجلِي :

أُغسطس ماذا يعني ؟ شهر ؟ سنة؟ أم عمر من الأحزان لا تنقضي ؟ انا أوفيليا أنجلي الهاربة من رحم البحر ، نبتت ذات مساء من رمال شاطئ فلاديفيا، ولكنني لم أُجد السباحة يوما ، لماذا ؟ لأن الوقت خانني ولم يمهلني لأتعلم الطفو

فكنت أغرق في كل شئ في الحب، في الذكرى وفي نفسي .

سيارة لامبورغيني حمراء، قديمة ومغبرة،

تواصل اندفاعها على الطريق الترابي،

تسير بي نحو الجنوب، بينما أحمِل أحزاني في جرة مياه.

أفتحها بين الحين والآخر،

وأرمي القليل منها على تراب الطريق،

لأسقي بها أرض المكسيك هنا في تولوم

حيث ينبت السلام مع الورود.

لوس أولاس...

أمواج.

فندق صغير عند طرف الذاكرة،

لا يستقبل إلا ثمانية أشخاص في السنة،

بشرط واحد:

لا تقعوا في الحب أبدًا.

ظهرت اللوحة الخشبية للفندق من بعيد ، بسيط ومرمي على قمة صخرية مطلة على شاطئ كبير وممتد مرأى البصر ، طريقه معبدة بأحجار كلسية بألوان صيفية لطيفة و الجو المحيط به ، يبدو كأنه خيالي لدرجة لا نستطيع تخيلها ، ركنت سيارتي الحمراء الجميلة عند مدخل الفندق ولم أكد أترجل منها حتى أحسست بها تندفع بقوة اثرى اصطدام مباغت من الخلف ، نظرت عبر مرآتي الأمامية فلمحت سيارة جيب سوداء رياضية ملتسقة بمؤخرة سيارتي الحبيبة ، نزعت حزام الأمان وترجلت من السيارة وأول ما قابلني فتاة جميلة ذات شعر أسود وترتدي تنورة سوداء مع بلوزة كريمية وتضع مكياج جامح مثل عازفة روك ما ، لمحت ملامحها المتأسفة وهي تقترب مني ، ولم تكد تبلغني إلا وهي تنبس :

" آسفة جدا يا آنسة لقد كانت حماقة مني أن اصطدم بسيارتك . "

بدت فتاة غنية ولكن ليس بمدللة ، فتاة طيبة على ما اعتقد ، لوحت بيدي بطريقة لداعي لذلك ثم قلت بتعقل:

" لا عليكِ الجميع يرتكب الأخطاء."

ابتسمت تضع يديها على قلبها بينما تمنحني نظرات شاكرة

" سأتحمل كافة مصاريف التصليح، بالمناسبة أنا رافينا مورغان . "

" تشرفت بكِ يا آنسة ، أنا أوفيليا أنجلي . "

قادت تلك الغريبة سيارتها بعيدا بعدما حصلت على رقمي كي تتولى تصليح السيارة ، نزعت المفاتيح ثم حملت حقائبي وسرت بها إلى دخال الفندق.

من الداخل بدا الفندق وكأنه خارج من حلم قديم، جدرانه بيضاء مائلة للزُرقة، يكسوها نبات الجهنمية المتسلق بزهوره الوردية البنفسجية. الأرضية مرصوفة ببلاط فخاري مزخرف بألوان الأزرق الداكن والبرتقالي، يتماوج كأنه يستحضر البحر والشمس في آن واحد. رائحة القهوة الطازجة امتزجت مع عبير الملح القادم من الشاطئ، بينما أصوات الموج الخافتة تصل إلى أذني كموسيقى خلفية أبدية.

في البهو، علّقت مصابيح زجاجية ملونة أشبه بقطع فسيفساء مشرقة، تلقي ظلالاً دافئة على الأرائك الخشبية المفروشة بوسائد منسوجة يدوياً. خلف المكتب الخشبي البسيط، وقفت شابة ذات ملامح لاتينية، شعرها البني مربوط إلى الخلف في ضفيرة طويلة، ترتدي ثوباً أبيض فضفاضاً، وعلى رقبتها قلادة من أصداف البحر.

تشدقت ابتسامتها فور ما رأتني ونبست بترحيب :

" مرحبا بكِ في لوس اولاس ... حيث لا نعترف بالوقت ."

مدت لي قلما برونزي واضافت :

" هُنا تكتبين إسمك وهنا تكتبين سِرك ، كل نزيل يترك عند الباب شيئا لايستطيع البوح به بصوت عالي ، يُترك في صندوق التيارات وفي حال خُرق العهد ستخرج كل تلك الأشياء الصغيرة إلى العلن . "

أخبرتني جدتي ذات مرة:

"El secreto es como la sombra: mientras más corres de él, más te sigue."

"السرّ مثل الظلّ: كلما ركضت منه، ازداد التصاقًا بك."

جدتي امرأة كولومبية الأصل، وجهها محفور بالتجاعيد كخرائط بحر قديم، عيناها سوداوان مثل قهوتها الثقيلة. كانت قوية، لا تخاف الليل، ولا تخشى الرجال، تدخن سيجارة طويلة بينما تمزج التيكيلا بالحليب في قدح خزفي، وتشربه عند الفجر كمن يختبر صلابته.

لم تكن تبتسم كثيراً، لكن حين تفعل، تبدو ابتسامتها مثل سكين يلمع في العتمة.

قالت لي مرة: "السرّ مثل الطائر... إذا حبسته مات، وإذا تركته يطير عاد ليخدشك بمخالبه."

وأنا الآن، أمسك بهذا القلم البرونزي، وأفكر...

هل أكتب لأحيا؟

أم أكتب لأخون نفسي؟

مددت يدي إلى الدفتر المفتوح فوق الخشب المصقول، صفحاته بيضاء ببياض غامض، تنتظر اعترافاً يلوّنها.

رائحة البحر تتسرب من النوافذ العالية، تختلط برائحة البخور المحترق في زوايا البهو، فيما العصافير خارج الزجاج الملوّن تغرد بموسيقى صباحية لا يسمعها إلا من قرر أن يترك قلبه عارياً. مثلي تماما .

تذكرت قول جدتي مرة أخرى، حين وضعت يدها على كتفي وأنا في العاشرة:

"لا تكتبي سركِ بالقلم، اكتبيه بالدم. الدم لا يُمحى حتى لو حاولت."

ارتجفت أصابعي، القلم البرونزي بدا ثقيلاً بشكل غير معقول، شعرت حينها ان كل الأسرار التي مرّت من قبلي عالقة فيه.

في صندوق التيارات، هناك آلاف الأوراق المجهولة، آلاف القلوب التي حاولت النجاة ولم تستطع.

تساءلت:

ماذا لو لم أكتب؟

ماذا لو حملتُ سري معي وغادرت؟

لكن الباب خلفي أغلق بصوت يشبه هدير الموج، الفندق ابتلعني ، والريح صفعتني تخبرني عن قراراتها الأخيرة

كتبت اسمي... ثم توقفت.

الحبر انسكب ببطء، يشبه قطرة ملح على جرح قديم.

حينها سمعت صوت جدتي داخلي، جافاً مثل صدى بعيد:

"كل سرّ تخبئينه، يخبئك بدوره... وفي النهاية، لا تعرفين من الأسير ومن السجّان."

رفعت بصري، فوجدت الشابة اللاتينية تنظر إليّ بعينيها العسليتين، تعرف تلك العينان أن يدي ارتجفت لأنها قرأت نصف الكلمة التي علقت في الهواء والتي تسربت من بين يدي ثم احترقت في منتصف الطريق في لوعة من جليد .

ابتسمت ابتسامة غامضة لي وربما هي تبتسمها لكل زبون جريح مثلي وقالت:

"لا تخافي... هنا، كل الأسرار تُصبح أمواجاً، والموج لا يحتفظ بشيء."

لكنني أعلم، في داخلي، أن الموج أحياناً يعيد كل شيء إلى الشاطئ.

مدت يدها أسفل المكتب، وأخرجت مفتاحًا نحاسيًا تتدلى منه سلسلة صغيرة عليها خرزة زرقاء، كعينٍ تحرس من الحسد. اتذكر ان أمي تظع واحدة حول رقبتها طوال الوقت .وضعته بين كفّي برفق وقالت:

"غرفتك في الطابق العلوي... تحمل الرقم سبعة. ستجدين النافذة تطل على البحر، والبحر لا يخون أحدًا... لكنه لا يغفر أيضًا."

أطبقت أصابعي على المفتاح، فشعرت بحرارته داهمتني حينها فكرة انه ظل في يد كثيرين قبلي.

عينا الشابة اللوزيتان تلمعان بحدس غريب، وحين لاحظت أن عيناي تلمعان كذلك ازاحت خاصتها ونبتت على شفتيها ابتسامة لطيفة .

سرت بخطى هادئة نحو الدرج الحجري، درجاته الحجرية تنبعث منها رائحة ملح ورطوبة قديمة، والجدران مرسومة بزخارف تشبه دوامات الماء. وساد اعتقاد آخر في رأسي : أنني في اتلانتس المخفية.

المصابيح الزجاجية الملونة التي رأيتها في البهو انعكست هنا بظلال أكثر خفوتًا، ترسم ظلي على الأرض الخرسانية .

وصلت إلى الطابق العلوي، وجدت بابًا خشبيًا عتيقًا يحمل الرقم "7" محفورًا بخط يدوي خشن. وضعت المفتاح في القفل، فصدر صوت طقطقة بطيئة، يشبه تنهيدة قديمة؛ جعلتني اتنهد انا كذلك .

دفعت الباب قليلًا، فارتطم هواء الغرفة بوجهي:

رائحة ياسمين جاف مختلطة بدخان باهت، ستائر بيضاء تتحرك مع النسيم القادم من البحر، وسرير خشبي بسيط فوقه غطاء مطرز بخيوط حمراء تشبه شرايين تمتد عبر القماش.

وضعت حقيبتي قرب النافذة، ثم استدرت نحو الباب الذي أغلق من تلقاء نفسه بهدوء. بفعل الريح ، الرياح التي لطالما رمتني في أماكن لم أكن أريدها يوما ثم هي فجأة اليوم ترميني هنا في أمواج .

رميت بجسدي على سرير ولم تكن سوى ثواني حتى غرقت في نوم طويل إلى ما إلى نهاية .

استيقظت مع خيوط الصباح الأولى. أشعة الشمس تسللت بخفة من خلال الستائر البيضاء الشفافة، ورائحة الخبز الطازج امتزجت مع نسمات البحر التي دخلت الغرفة. نهضتُ ببطء، غسلت وجهي بماء بارد، وارتديت ثوبًا صيفيًا لونه اصفر فاتح مع حزام من جلد بني اللون وربطة من الستان بنية حول عنقي . شعرتُ لوهلة أنني أخف، الألوان تبث الحياة فيِ .

عند نزولي إلى البهو، قادتني أصوات الأواني والضحكات إلى قاعة الطعام. لاحظت أن المكان مضاءً بمصابيح زجاجية ملوّنة تفتح اليوم بألوان مبهجة. مائدة طويلة ممتدة تتوسط القاعة، مغطاة بمفرش أبيض ناصع، فوقه أطباق منوعة: خبز دافئ، فطائر محشوة بالجبن والعسل، أطباق من الفواكه الاستوائية: مانغو، بابايا، كيوي، ورمان. إبريق قهوة سوداء يوزع عطره في الأرجاء، وشاي أعشاب أخضر يغريني .

جلستُ على الطاولة برفقة الضيوف الآخرين. اول من حطت عيني عليهم هي رافينا مورغان ، ترتدي فستانا اسود أنيقًا مثلها، شعرها الأسود مرتب بعناية، وعيناها تتأملان المشهد بابتسامة صغيرة. لمحتني، ولوحت بيدها قائلة:

"صباح الخير يا آنسة أوفيليا! كيف كانت ليلتك؟"

أجبت بابتسامة خفيفة:

" هادئة...المكان هنا يشبه الاحلام "

ضحكت وقالت:

" هذا هو لوس اولاس . "

حول الطاولة هناك خمسة أشخاص آخرون، لكل واحد منهم ملامح غريبة مختلفة: امرأة مسنة تحمل دفترًا وتكتب شيئًا بين الحين والآخر، رجل أشقر يقرأ الجريدة ويحاول تجاهل الجميع، سيدة ترتدي ثوبا احمر صارخا وتكثر من الضحك ورجل بشعر منكوش يدون في دفتره تارة ويأكل تارة أخرى طوال الوقت، وشابة صامتة بعينين زرقاوين تراقب البحر عبر النافذة.

لكن، ثمة كرسي فارغ في نهاية الطاولة، مع طبق لم يُمس. سألت بخفة:

" ألا يوجد أحد هنا ؟ "

ابتسمت العاملة - نفسها التي استقبلتني بالأمس - وقالت وهي تصب لي القهوة:

"هذا مقعد الضيف الثالث... لكنه لا يجلس معنا عادة. يفضل الوحدة على الاختلاط."

رفعت حاجبي بدهشة، رغم ذلك لم أعلّق لأن امي دائما ما كانت تحذرني من التدخل في شؤون الاخرين .

جلستُ إلى جانب المرأة العجوز، وقد شدتني منذ اللحظة الأولى: شعرها الأبيض الذي ينسدل في ضفيرة سميكة، ووجهها مليء بالتجاعيد العميقة التي بدت لي كخرائط زمنية لا تُشبه بعضها. ترتدي ثوبًا قطنياً مزركشًا بألوان خافتة، وعلى معصمها أساور فضية تصدر رنينًا خفيفًا كلما حركت يدها.

حين لاحظت أنني أنظر إليها بابتسامة، رفعت رأسها وقالت بصوت مبحوح دافئ:

" أتعلمين يا صغيرتي؟ الزمن ليس عدوًا كما يظن الكثيرون، بل هو فنان يرسمنا بريشته. بعض الوجوه تنكسر، وبعضها يزداد جمالًا... انظري إليّ، لم أكن أجمل من الآن."

ضحكتُ، فتابعت وهي ترفع فنجان القهوة إلى شفتيها:

"كنتُ في العشرين حين ركبتُ سفينة إلى هافانا، وهناك، قابلتُ أول حب في حياتي... رجل يبيع الغيتارات على رصيف الميناء. لم يكن وسيماً كما قد تتخيلين، لكنه كان يعزف بطريقة تجعل الموج يرقص."

فتحتُ فمي بدهشة:

"وهل أحببته كثيرًا؟"

أومأت برأسها وابتسمت بعينين تلمعان بذكريات بعيدة:

"أحببته بما يكفي أن أترك كل شيء خلفي وأتبع موسيقاه... لكن الحياة لم تسمح لنا بالاستمرار. وها أنا ذا... أروي حكايتي لفتاة جميلة مثلك على شاطئ في المكسيك."

كنت مأخوذة بقصتها لدرجة أنني لم أشعر بظلٍ يقترب. وفجأة، لمع ضوء قصير في وجوهنا. رفعتُ رأسي لأرى الشاب الأشقر - الذي كان يختبئ وراء جريدته قبل قليل - ممسكًا بكاميرا قديمة من الطراز الكلاسيكي.

قال وهو يبتسم بخفة:

"آسف! لكن اللحظة كانت تستحق أن تُسرق. الشمس على وجهيكما بدت مثل لوحة."

العجوز ضحكت وصفقت بيديها كما لو كانت طفلة صغيرة:

"يا لك من مشاغب، يا أنطوان!"

انحنى قليلاً في تحية مسرحية، وعيناه الخضراوان تلمعان بمكر:

"أنطوان سانتيري... مصور هاوٍ، لكني أؤمن أن الصور هي أفضل وسيلة لسرقة الأرواح الجميلة دون أن نؤذيها أليس كذلك باربرا لويس الجدة ؟."

ضحكتُ بخفة من طريقته، فيما ناولنا الكاميرا لنرى اللقطة. الصورة بسيطة، نحن الاثنتان على الطاولة، العجوز تضحك بحرارة، وأنا أبتسم بخجل، وخلفنا ظل البحر يدخل من النافذة. كم بدوت صافية هنا ، انا فتاة ترعرعت على ضفاف البحار لكنني كنت دائما ضبابية كأنني لم أرى نفسي ابدا قبل 20 سنة .

قال أنطوان وهو يضع الكاميرا على الطاولة:

"الذكريات تخون الذاكرة أحيانًا... لكن الصور، إن كانت صادقة، تحفظ النبض كما هو."

العجوز علّقت بخبث:

"أتعلمين يا صغيرتي؟ هذا الشاب سيلتقط لكِ صورًا تجعل البحر يغار منك."

قهقهت السيدة التي ترتدي الاحمر بصوت عالي لدرجة ان السيد الذي كان يدون على الدفتر رفع نظره بغضب لها ثم قال بلكنة بدت لي إسبانية:

" أنزلي صوتك إزابيلا ماركوس أحدهم يركز هنا . "

ابتسمت بتكهم ترسل قبلة له ثم نبست :

" ليونارد كروز أيها الشاعر الممل . "

انفجر الجميع ضحكا حتى انا ،

لطالما اعتبرتُ الشعراء عباقرة...

لكنهم عباقرة ملعونون. يعيشون على الحافة، يلتقطون ما لا يراه الآخرون ثم يزرعونه في كلمات تجرح أكثر مما تُداوي.

الشاعر لا يُعطيك الحقيقة كما هي، بل يضعها في كأس مسموم مزخرف، فتشربه وأنت تبتسم، قبل أن يلسعك طعم المرارة.

الشعراء يملكون موهبة غريبة: أن يجعلوا الموت جميلاً، والخذلان قصيدة، والدمعة تاجًا من البلور.

استمريت في مراقبة ليونارد كروز وهو يكتب شيئًا سريعًا في دفتره، بينما شفتيه ترتجفان بابتسامة مبهمة.

قلت في سري:

"هذا الرجل... هو الأخطر بينهم. ليس لأنه يتكلم كثيرًا، بل لأنه يُخبئ أكثر مما يقول. والشعراء، في النهاية، هم أخطر الكائنات... لأنهم يعرفون كيف يقتلونك بكلمة واحدة."

نبست بحرج :

" إقرأ لنا شيئا سيد ليونارد لطالما أحببت الشعر . "

رفع ليونارد رأسه ببطء، يبدو أنني أيقظته من غيبوبة سرية. حدّق في وجهي للحظة طويلة جعلتني أشعر وكأنني مكشوفة تمامًا، ثم ابتسم ابتسامة باهتة وهو يغلق دفتره بخفّة ويقول:

"الشعر يا آنسة... ليس شيئًا يُقرأ كما يقرأ الناس الصحف أو النشرات. إنه يُنزَف."

ضحكت إيزابيلا ماركوس بصوتها العالي من جديد، وهي تلوّح بكأس العصير:

"أوه، كفى دراما يا رجل! نحن على الغداء، لسنا في جنازة!"

لكن باربرا لويس وضعت يدها على كتفي وهمست بحزم وحنان في آن واحد:

"دَعيه... الشعراء لا يتكلمون إلا حين تجبرهم الأرواح."

أعاد ليونارد فتح دفتره بهدوء، قلب صفحتين ببطء، ثم تلا بصوت أجش، لكنه يحمل موسيقى غريبة:

"البحر ليس ماءً ولا ملحًا،

إنه جرح قديم يبتلع الوجوه.

كل من جلس على مائدته،

ترك قلبه طافيًا بين الموج،

ليستيقظ في يومٍ ما...

كقوقعة فارغة."

كلماته ايقضت شيئا قديما داخلي ذكرة ، حين كنت في سن الرابعة عشرة، كنت أجلس على حافة الرصيف في مدينتي الساحلية فِلاديفيا ، أراقب البحر كل مساء. كنت أكتب في دفتري الصغير أبياتًا لا أفهمها تمامًا، لكنني كنت أشعر أنني إن لم أكتبها، سيبتلعني الموج مثل حجر.

هناك، في تلك الليالي، التقيت أول مرة بفكرة أن البحر ليس فقط ماءً، بل ذاكرة... ذاكرة حية، تمحو وتترك، تعطي وتأخذ.

قصيدة ليونارد ذكّرتني بتلك الأمسية التي رأيت فيها جسد طائر صغير طافٍ فوق الماء. كنت طفلة، لكنني فهمت أن حتى الكائنات التي تحمل أجنحة، قد يغرقها البحر. كتبت يومها في دفتري: "الحرية لا تنقذنا من الغرق."

والآن، وأنا جالسة إلى هذه الطاولة بين غرباء، أستعيد تلك اللحظة كأنها لم تمضِ.

تساءلت:

هل البحر الذي يلاحقني منذ طفولتي هو نفسه الذي يطارده هذا الشاعر الغامض؟

هل نحن جميعًا هنا أسرى لموجة واحدة، وإن بدونا مختلفين؟

نبست بعد فترة من الزمن :

" أنا كذلك كذلك لطالما كتبت الشعر سيد ليونارد . "

التفتت إليّ العيون حول الطاولة دفعة واحدة. إيزابيلا رفعت حاجبها بدهشة ساخرة .

ليونارد أمال رأسه قليلًا، ثم قال بصوت منخفض:

"الشعر ليس فعلًا عابرًا يا آنسة... إنه اعتراف. فماذا كتبتِ؟"

شعرت بالحرارة تصعد إلى وجنتي، مع ذلك تماسكت. أغمضت عيني لحظة، فتدفقت الكلمات من ذاكرتي كما لو أنها كانت مختبئة تحت جلدي:

"كتبتُ عن البحر، طبعًا... كيف يخفي الموت تحت أمواجه ويظل مع ذلك أجمل ما في الدنيا.

كتبتُ عن الليل، حين يجلس على نافذتي مثل غريب يرفض أن يغادر.

وكتبتُ عن الفقد... عن أولئك الذين رحلوا قبل أن يتركوا لي وداعًا."

ساد صمت خفيف،بدا لي أن الجميع يستمعون إلى اعتراف لا يشبه الأحاديث العابرة.

باربرا لويس ابتسمت ابتسامة دافئة وهمست:

"آه... الشعراء الحقيقيون يولدون من الحزن دائماً، صغيرتي."

رافينا أمالت رأسها وقالت بخفة، و في عينيها لمع شيء حاد:

"ربما لهذا جئتِ إلى لوس أولاس... لتتركي شعركِ هنا، مع أسراركِ."

أما ليونارد، فقد رفع قلمه ببطء ودوّن شيئًا سريعًا في دفتره، ثم قال من دون أن يرفع رأسه:

"إذا كتبتِ حقًا... فأنتِ تحملين سلاحًا، يا آنسة أوفيليا. لا تنسي ذلك."

لطالما اعتبرتُ الكتابة غيمةً تائهة،

تسقط عليَّ غيثًا لا يرويني، بل يُغرقني أكثر.

كل حرفٍ يفتح في صدري صدعًا،

وكل جملةٍ بحرٌ آخر أغرق فيه بلا ضفة.

أكتب لأُشفى، فأجدني أنزف.

أكتب لأتنفس، فأجدني أختنق بالمعنى.

لانني أوفيليا، التي تحاور الماء بحبرٍ أسود،

وتُغطي جراحها بزهورٍ ذابلة.

بعد الفطور، حين بدأ ضوء الشمس يتسلل خافتًا عبر نوافذ القاعة، اقترحت رافينا بنبرة مرحة أن ننزل جميعًا إلى الشاطئ.

"لن تكتمل إقامة في تولوم دون أن نترك أقدامنا تنغمر في الرمل الأبيض"، قالت وهي تمسح شعرها الكستنائي للخلف .

إيزابيلا،والتي علمت أنها مصممة أزياء إيطالية، أيدت الفكرة بحماس ، ليس غريب عليها

ترددت لوهلة، نظرت إليهم واحدًا واحدًا، لم أعتد بعد على فكرة الانتماء إلى مجموعة. رغم ذلك شيئًا ما في نبرة صوتهم، أو ربما في انكسار الضوء على وجه البحر خلف النزل، دفعني للموافقة.

وهكذا خرجنا.

الطريق إلى الشاطئ قصيرًا، يمر بين أشجار جوز الهند وأكواخ خشبية تتناثر بينها المصابيح الصغيرة، تبدو نجوم سقطت عن قصد.

وعندما لامست الرمال أصابعي الحافية، شعرت أن الأرض كلها تحتضنني، تعرّفني من جديد. انا إبنة البحر .

جلست قليلًا على حافة الشاطئ، بينما الآخرون خاضوا في الماء وضحكاتهم تتناثر مع الموج.

اقتربت مني إيزابيلا، جلست بجانبي بهدوء، وقد تركت حقيبتها القماشية إلى جانبها.

قالت وهي تنظر إلى البحر، بصوتٍ أشبه بالهمس:

"L'amor che move il sole e l'altre stelle..."

التفتُّ إليها مأخوذة، سألت:

"ما هذا؟"

ابتسمت بخفة وهي تزيح خصلة شعرها الأسود عن وجهها:

"إنه دانتي... من الكوميديا الإلهية. الحب الذي يحرك الشمس وسائر النجوم."

سكتت للحظة، ثم تابعت وعيناها لا تفارق الأفق:

"أتعلمين يا أوفيليا؟ الشعر كان دائمًا حبي الأول. لا أعرف إن كنت وقعتُ في حبّ شاعر لأنه كتبني في قصائده، أم أحببت القصائد لأنها جعلتني أرى نفسي مختلفة. لكن... أول رجلٍ أسر قلبي لم يكن مصمّم أزياء، بل شاعر شاب في روما. جعلني أؤمن أن الكلمات يمكن أن تُغيّر العالم... وربما كانت تلك سذاجتي الجميلة."

مدّت يدها إلى الرمل ورسمت خطوطًا عشوائية بأصابعها:

لكن الشعراء... لا يبقون. يتركونك مع القصيدة، ويرحلون.".

ابتسمتُ بخفة وأنا أنظر إلى أصابعي المبللة بالرمل، ثم قلتُ كمن يبوح بسرّ قديم:

"هل تعلمين معنى اسمي، إيزابيلا؟ أوفيليا..."

أومأت برأسها نافية، فتنهدتُ وأجبت:

"في الإغريقية القديمة، يعني المساعدة أو النجدة. لكنني اكتشفت لاحقًا أنني لم أكن يومًا قادرة على إنقاذ أحد... بالكاد أنقذ نفسي."

سكتُّ قليلًا، ثم ابتسمت بحزن:

"هناك أيضًا أوفيليا الشهيرة... فتاة شكسبير، في مسرحية هاملت. تلك التي غرقت بين الأزهار والماء لأنها لم تحتمل قسوة الحب والخيانة. كثيرًا ما كنت أكره المقارنة بها... كأنني ولدتُ محكومةً بالغرق."

إيزابيلا نظرت إليّ بعينين لامعتين وقالت:

"لكن الأسماء يا أوفيليا ليست مصائر... هي مجرد موسيقى أولى، ونحن نختار اللحن الذي نكمل به الأغنية."

جلست على حافة شرفتي، والدفتر مفتوح أمامي، والقلم النحاسي بين أصابعي، لطالما راقب البحر كل كلمة أكتبها. أغلقت عيني للحظة، واستحضرت رمال الشاطئ تحت قدميّ، تلك الحبيبات الدقيقة التي غسلتها الأمواج، والتي تشبه ذكرى طفولتي في فلاديفيا، حيث كنت أجلس لساعات أطبع أصابعي في الرمل وأرسم أشكالًا لا يفهمها أحد غيري.

بدأت أكتب:

"الرمال... كل حبة فيها تحمل قصة. بعضها قديم، من آلاف السنين، وربما حملت دموع من ماتوا قبل أن نولد. بعضها جديد، يلتصق بأقدامنا، يترك أثرًا يختفي مع أول موجة. أنا... أنا مثل هذه الرمال. أترك أثري في كل مكان، وأحيانًا تختفي كلماتي بين أمواج الحياة، لكنني أعود لأجدها مختبئة تحت قلب البحر."

توقفت قليلًا، ثم همست لنفسي :

"آه، يا أوفيليا... كم تحبين أن تخافي من النسيان، بينما أنتِ نفسك تمثلين كل لحظةٍ تتبخر في الهواء. كم أنتِ جميلة حين تخافين."

ابتسمت، ثم كتبت سطرًا آخر:

"أحيانًا أشعر أن البحر يضحك لي... يختبئ خلف كل موجة، يسحب الرمل بعيدًا عن قدميّ، ويقول بنبرة اجشة: كل ما تحاولين الإمساك به، سيعود إليّ. لكنني أحب ذلك. أحب أن يكون لي صديق سرّي بهذا العمق، لا يحكم عليّ، ولا يسرق مني شيء إلا حين أسمح له. أيها البحر الكبير غني كما اعتدت ان تفعل ، انت رَجُل جميل ، انت هو حُبي الاول ، أو ربما حُبي الاول رجلُ يشبه البَحر."

ثم رفعت عينيّ نحو الأفق، حيث يمتد الماء بلا نهاية، وتخيّلت كل حبة رمل تتراقص مع الضوء. شعرت بأن الكلمات تتدفّق بحرية، وأن الشاطئ نفسه يكتب معي.

"ربما، كل مرة أكتب فيها عن الرمل، أكتب عن نفسي. عن أمي، ماريانا، التي علّمتني أن لكل ذكرى وزنها، وأن لكل سرّ مكانه، حتى لو كان مدفونًا تحت البحر."

أغمضت عيني للحظة، واستنشقت الهواء المالح، ثم رفعت القلم مجددًا... وبدأت أكتب عن الضوء الذي يلمع على كل حبة رمل، وعن كل خطوة أتركها على الشاطئ، وعن أمواج البحر التي تعيد ترتيب حياتي بصمتها الأبدي.

لم أتوقع أن عودتي للكتابة ستكون هكذا يوما ، عن الرمال .

انا ولدت بينما أحمل حظي بين يدي ، وعندما سقطت أول مرة ، تبعثر حولي ، وحين حاولت جمعه انا فقط بعثرته أكثر ، لا أفهم نفسي كثيرا ، أنا إمرأة غريبة جدا ، داخلي مليون خلية ، وكل واحدة منها تغني موالا خاص بها. انا إمرأة تشبه البحر ، عميقة ، زرقاء ، ودافئة . في الكثير من الأحيان كُنت اخبر أصدقائي الالكترونيين أن إسمي لامار ، البحر بالفرنسية ، ليس لأنني لا أحب إسمي الحقيقي ، بل لأنه يُناسبني أكثر .

أحببت نفسي كثيرا ، رغم نكراني لذلك ، خذلت الجميع لأجل نفسي ، فهي كل ما أملك بعد كل شيئ ، لكن رغم كل ذلك الحب الذي اكنه لنفسي ، لم أستطع إلا أن أحب البحر الأكثر.

صوت الأمواج جاء عاليا في يصفع شرفتي الصغيرة ، أشتهيه رغم أنني كنت فيه قبل ساعة ربما ، ولكن الغروب حل الآن، لذلك لبست ذلك الفستان الأبيض من الّبروتِيل و سرت خارجا ناحية الشط ، أتوق لسماع هتاف موجاتي عن قرب ، حين كنت في فيلاديفيا اعتدت تسجيل أصوات البحر ، وفي كل مرة أبتعد فيها عن المنزل اشغل تلك التسجيلات واغلق عيناي ، حينها أشعر أنني في فيلاديفيا وأنني أنبت هناك مجددا ،  أزرع نفسي وأترعرع كجني زرع بذرة ما وظل يسقيها بالحب والتضحية ولكنني سقيتني بالبحر ، بالرمال، بالنجوم، بالليل ، بالشمس ، بالكتب و دهاليز الشعر .

وحين رثوتني ، انا إستعملت الشعر ، فأنا يا عصفورة الشجن مثل عينيك أتوق إلى وطن ، والبحر هو الشيئ الوحيد الذي قد يكون بطلي .

كيان أسود شد انتباهي ، يقف بين أمواج الشط ، رجل بحلة سوداء ، كبجعة خلعت قلبها ومشت حفيتا وحرة ، وأنا إمرأة فضولية بطريقة سيئة قادتني قدماي له ، بدا غارقا لدرجة انه لم ينتبه أنني أقف بمحذاته ، يتنفس ببطئ ويمرر انظاره على طول البحر ، بينما طيور النورس تحلق على مدى البصر ، بدت اللحظة خياليه لدرجة مربكة ، أردت أن أنسحب واكمل جولتي الصغيرة قبل العودة إلى فندقي الصغير ، لكن صوته الاجش انتشلني :

" الّبحر إمرأة، إمرأة تتطلع إلى السماء."

فرغت فاهي بعدم فهم ، ويبدو أن البجعة السوداء أمامي فهمت الأمر .

" أرنست همنغواي رواية العجوز والبحر . "  ظربتني لحظة استيعاب، تلك القطعة الفنية الصغيرة لأرنست ، قرأتها حين كنت في 15 عشر ، أدرس في الثانوية ، وفي حصة الأدب كنت اقرأها خلسة بينما الأستاذة تشرح الدرس .

" قتل نفسه والسمكة عَشقها كإمرأة.. "  تمتمت بين أنفاسي، حينها حطت علي أجمل ملقاتين يستطيع الإنسان رؤيتها ، جرمين بلون العسل الأصفر المخلوط بالفستق ، حواجب كثيفة سوداء اللون وشعر حالك السواد، رجل بطول فاره و عيون غريبة على حافة لسانه كلمات لن يستطيع البوح بها ربما ، وقد تعفن قلبه من شدة الكلمات التي إبتلعها طويلا وبقيت تنخر صدره كل ليلة .

رفع الرجل نظره إلى السماء التي بدأت ترتدي خيوط الأرجوان الداكن، ثم عاد إليّ بابتسامة خافتة تكاد لا تُرى، كأنها بصيص ضوء بعيد: "بل ربما لم يقتل نفسه، بل قتل الجزء الذي لم يستطع الصمود أمام عظمة صراعه. هل قرأتها بعمق، يا من تهيم على هذا الشاطئ؟"

​"قرأتها كشابة، كـ سانتياغو الذي يُمسك حبل الصبر بيد، ويشد حبل الأمل بالأخرى،" أجبت، ونسيت لدقائق أنني غريبة الأطوار التي هجرت الجميع لأجل سلامها. "لقد أحببت مانولين أكثر، ذلك الصبي. ألا ترى أنه يمثل كل شيء نقي لا يزال ينمو بداخلنا؟ إنه ذلك الوفاء الذي لا يذبُل، الحب غير المشروط الذي يعود دائمًا. المرء يمكن أن يُدمر، ولكنه لا يُهزم - أليست هذه نبوءة الصبي عنه؟"

​هزّ رأسه بهدوء، ثم خطا خطوة نحوي، وتلاشى صوت الموج قليلًا ليحل محله هدوءٌ أكثر عمقًا. "مانولين هو الذاكرة النقية، نعم. لكن سانتياغو هو الأسطورة، العزلة التي لا يكسرها إلا الفخر. ما الذي جعله يقطع كل تلك الأميال في المحيط، وحيدًا؟ ليس السمكة، بل إثبات أن الرجل لا يُخلق للهزيمة، بل ليصمد أمام كل شيء عظيم. صراعه مع سمكة المارلين لم يكن صيدًا، كان رقصة موت مع قدره."

​نظرتُ إلى البحر المتلألئ كصفحة فضية، وتذكرت شيئًا: "والبحر؟ هل كان البحر هو المعركة أم الشاهد عليها؟ همنغواي لم يجعله مجرد مكان، بل كيانًا ذا مزاج. في الأيام الهادئة، كان يدعوه 'لا مار' (La Mar) الأنثوية المحبة. وعندما يهيج، كان ذكراً عنيفاً. أليس هذا ما قلته أنت في البداية؟ البحر إمرأة تتطلع إلى السماء."

​لم يبتسم هذه المرة، بل نظر مباشرة إلى عينيّ، وكنت أرى في عمق فستقيتيه حزنًا قديمًا كعُمر البحر نفسه.

​"لأنها، مثل الأنثى، تمنح الحياة وتأخذها، تهب العزاء وتجلب العواصف. هي جميلة وجليلة، ومهما ابتعدت عنها، تظل مناديًا لك، كما نادته سمكة المارلين إلى عمق لا عودة منه. هل تتذكرين حين وصفها وهي تقفز؟ 'لم أر قط شيئًا أجمل أو أغلى أو أهدأ من هذا'؟ لقد رأى فيها مرآة روحه التي لم تستسلم."

​شعرتُ بالبرد يتسلل إلى عظامي، ولكنه كان بردًا مألوفًا كأنني ألفته. "السمكة لم تكن غنيمة، كانت رفيقة روح. ولذلك، حين سُرقت منه الغنيمة، حين لم يبقَ سوى الهيكل العظمي العظيم، لم تكن الهزيمة في خسارة اللحم، بل في فقدان الرفيق الذي شاركه العظمة. عاد وهو يحمل دليلًا على أنه عاش عظيمًا، حتى لو عاد خاوي اليدين."

​أومأ الرجل، وكأنه يختتم قصة قديمة بينهما. "صحيح. العظمة تكمن في المحاولة. والبطولة الحقيقية ليست في الانتصار، بل في الصمود حتى النهاية. الآن، أيتها الفضولية، ألا يجب أن تعودي إلى فندقك الصغير؟ لقد حلّ الليل، و'لا مار' بدأت تهمس أسرارها التي لا يجب أن يسمعها أحد إلا هي وسانتياغو."

​ارتعشتُ من قشعريرة عذبة، واستوعبت كم كان لقائي بهذا الغريب ضروريًا. هذا الرجل الذي يشبه البجعة السوداء، كان مرآة لما أبحث عنه في عمق البحر.

​"اسمي لامار،" همست له، "البحر بالفرنسية."

​"أعرف،" أجاب بنبرة واثقة ومطمئنة، ورفع يديه نحو البحر كأنه يلقي تحية الوداع. "أعرف أنك تنبتين هنا مجددًا." ثم استدار ومضى نحو العتمة، تاركًا لي هدوء البحر وصورة عينيه بلون العسل والفستق، ومعها ثقل الاقتباس الأخير الذي لم يُقال، ولكنه بقي يتردد في روحي:

​"كل يوم هو يوم جديد. من الأفضل أن تكون محظوظاً. ولكنني أُفضل أن أكون دقيقاً. بعد ذلك، عندما يأتي الحظ، تكون مستعداً."

نِهايةُ الفَصلْ الأول .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Las Olas || أَمْواجْ

المؤلف Re Va
2025/10/23 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة