السلام عليكم
نبدي بصلاة على محمد وال محمد ♥️
أنا قطرة... قطرة وحيدة لا تكاد تُذكر وسط هذا المد الهادر، لكني أحمل تاريخ هذا النهر في أعماقي. من آلاف السنين وأنا أشهد الحياة على ضفافي، لكني ما شهدت يومًا كهذا اليوم.
كنتُ أسبح في أعماق الفرات، أشعر بالسلام والسكون، حتى بدأ الاضطراب يتسرب إليّ. ليس اضطرابًا ، بل رعشة من جلال قادم.
رأيتُ مركبًا ينسج طريقه عبر الزمن. لم يكن مركبًا من خشب، بل قافلة من نور تحط رحالها . شعرتُ بالقداسة تهبط على تراب
كان يتقدم تلك القافلة رجلٌ نور وجهه ساطع لدرجة أني شعرتُ كأن الشمس قد أشرقت في منتصف الليل. كانت الهيبة تُحيط به كوشاح، والسكينة تنبعث منه كعطر، وكنتُ أدرك بالفطرة أن هذا هو سيد القافلة.
وعلى يمينه، سار رجلٌ يحمل راية خضراء عظيمة. كان نوره مُشعًا وقويًا، كقمر مكتمل في ليلة ظلماء. كان وجهه يجمع بين شدة البأس ولين الرحمة، وحين نظرتُ إلى قامته، أدركتُ أنه من سيحمل الثقل الأكبر. أسمعتُ همس الأمواج من حولي تناديه بـ أبي الفضل.
وعلى يساره، مشى فتى جماله بهيّ، كأنه نسخة مصغرة من جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. كان نوره نور صباح، يبعث البهجة والأمل.
تقدمت تلك القافلة المباركة في بطء ووقار، حتى حطّت رحالها ونُصبت خيامها. كنتُ أرقب المشهد من بعيد، وكل قطرة منّي تهتف: "لقد وصل الوفاء إلى ضفافي
استقرَّ النور ، وألقت الخيام بظلال الأمان الزائف. لكن سكون النور لم يدم طويلاً.
أنا، قطرة الماء، بدأت أشعر بالرعب يتسرّب إلى الأعماق. لم يكن رعبًا من عاصفة، بل رعبًا من الظلام البشري.
بدأت أرى مجموعة من الرجال تحوم حول القافلة الجليلة، تتحرّك في حذر وغدر. كانوا أشبه ما يكونون بالوحوش منها بالبشر. كانت وجوههم تُعبّر عن القسوة الخالصة، وعيونهم لا تحمل بصيصًا من الإنسانية.
كانوا يزحفون كأفاعٍ، يتجمّعون كـ كلاب جائعة تُريد الانقضاض على فريسة عزيزة. كنتُ أرى في حركاتهم وفي عيونهم المظلمة شبهًا مخيفًا بـ الخنازير التي لا تعرف سوى الجشع والطمع. كانوا مُخيفين، لا لضخامة أجسادهم، بل لقبح قلوبهم الذي انعكس على هيئتهم.
لقد جاؤوا ليحجبوا الشمس عن هذا النور الطاهر. بدأت أرى كيف تحوّل مجرى النهر من خط للحياة إلى سياج للحصار. شعرتُ بـ "أبي الفضل" يراقبهم، وبـ "سيد القافلة" يتأمّلهم في حزن عميق، لأنه يرى فيهم ليس أعداءه، بل أبناء ضالين.
أصبحتُ، أنا الفرات، ساحة صراع بين النور الذي يريد احياء دين جده والظلام الذي يريد تضليل البشر . كانت هذه هي البداية المُرعبة لـ "شهادة" القطرة.
كنتُ أرتجف، أنا القطرة، وأنا أرى الظلال تحاصر النور.
لم تكن خطواتهم مجرد وقع على الأرض، بل كانت كالسكاكين تُجرَح قلب السماء.
ارتفع غبار الخيانة، وبدأت العيون الطاهرة تنظر إليّ، وكأنها تستودعني سرًّا.
رأيتُ سيد القافلة يرفع رأسه نحو الأفق، عيناه تحكيان عن يقين لا ينكسر، وعن موعد محتوم لا مفرّ منه. كان يعلم أن الدم سيختلط بي، أنا ماء الفرات، ليصير تاريخًا لا يُمحى.
تقدّم أبو الفضل، شامخًا، كأنه جبل من نور. كان صمته أبلغ من كل الخطب، ورايته الخضراء تشق السماء كرمز أبدِيّ.
فانحنيتُ في داخلي بخشوع، كقطرة صغيرة تدرك أنها تحمل عهداً أثقل من الجبال.
الليل بدأ يزحف، ومعه ازداد حصار الظلام.
الخيام أُضيئت بقلوب ساكنيها، وكان كل واحد منهم كوكبًا يشع وسط ليلٍ دامس.
أطفالٌ صغار، ونساءٌ عابدات، ورجالٌ قلوبهم مُعلّقة بالسماء… كلهم كانوا يعلمون أنهم على موعد مع الخلود.
أما أنا، قطرة الماء، فقد كنتُ أسمع الهمسات:
أحدهم يُلاعب طفلًا صغيرًا ليُنسيه العطش، وآخر يجهّز سيفه وهو يبتسم ابتسامة الرضا.
وكان سيد القافلة، الحسين، يطوف بينهم، يربت على الأكتاف، ويزرع في الأرواح سكينة عجيبة.
لكن قلبي ـ وإن كنتُ مجرد قطرة ـ كان يتصدّع.
كنتُ أعلم أنني لن أروي ظمأهم، بل سأكون شاهدًا على عطشهم، وعلى دمائهم التي ستجعل مني نهرًا من الشهادة.
وهكذا، بدأت ليلة كربلاء… ليلة لم يشهد مثلها تاريخ الأرض ولا السماء.
كنتُ أرتجف وأنا أرقب سيد القافلة، الحسين، يقف بين رجاله. كان الليل قد أرخى سدوله، والنجوم تلمع في السماء كأنها تستمع بخشوع.
اقترب الحسين، بثوبه المضيء كالقمر، ووقف بينهم، فصمتوا جميعًا كأن الأرض توقفت عن الدوران.
سمعتُ صوته، صوتًا لم يكن من لحم ودم، بل من نورٍ ويقين. قال:
> "أُثني على الله أحسن الثناء، وأحمده على السرّاء والضرّاء.
اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعًا وأبصارًا وأفئدة… فما عبدناك حق عبادتك.
ألا وإني لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي. فجزاكم الله عني خيرًا."
اهتزّت القلوب من حوله، وارتفعت العيون تدمع. كنتُ أسمع خفقات القلوب أعلى من أنفاسهم.
ثم تابع الحسين، وكأن السماء نفسها تنصت له:
> "ألا وإني قد أذنتُ لكم، فانطلقوا جميعًا في حلٍّ ليس عليكم منّي ذمام.
هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملًا، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرّقوا في سواد هذا الليل، وذروني وهؤلاء القوم، فإنهم لا يريدون غيري."
تزلزلت نفسي، أنا القطرة، كأن النهر كله يريد أن ينفجر بالبكاء. أيُعقل أن يُعرض القائد على أصحابه أن يرحلوا، وهو يعلم أنه ذاهب إلى الموت؟
لكن ما أدهشني لم يكن الحسين، بل رجاله.
رأيت وجوههم تُضيء بالعزم، كأن كل كلمة من الإمام زادتهم ثباتًا. وقفوا واحدًا تلو الآخر، وارتفعت أصواتهم كالأمواج:
"والله لا نفعل، يا أبا عبد الله! أنتركك؟ ماذا نقول لرسول الله؟ ماذا نقول لأمّك الزهراء؟ لا والله، لا نفارقك حتى نموت بين يديك."
انفجرت كلماتهم كالرعد، لكنّها كانت رعدًا من وفاء.
شعرتُ بأن كل قطرة في جسدي تريد أن تهتف معهم:
"لن نتركك يا ابن رسول الله!"
وهكذا، ثبت العهد… عهدٌ بين النهر والشهادة، بين القلوب والنور، بين الأرض والسماء.
وقفت القافلة على أطراف ضفاف النهر، والسماء كأنها تراقب بعيونها الصافية.
بدأ الصحابة الواحد تلو الآخر يُعلنون ولاءهم، وأنا، القطرة، أسمع كل كلمة كأنها موجة تهز أعماق الماء.
تقدّم حبيب بن مظاهر، صوته يهتز بالحزن والفخر:
"يا مولاي، لستُ خائفًا من الموت، فإني معك مهما علا القتل، ومهما امتدّ الليل الطويل."
وجاء مسلم بن عوسجة، يرفع يده على قلبه:
"يا أبا عبد الله، والله لو بقيتُ وحيدًا في هذا العالم، فلا أنفصل عنك، فشرف الوفاء أعظم من الحياة."
ثم زهير بن القين، الذي ألقى بنفسه أمام الإمام وقال:
"يا سيدي، لن أتركك حتى أرى الحق مُحققًا، والمظلوم منتصرًا، ولو طالت الطريق بالدماء."
واستمر الرجال الواحد تلو الآخر، وكلهم يرددون:
"لن نتركك، لن نتركك، يا ابن رسول الله."
وشعرتُ، أنا الفرات، أن النهر كله قد امتلأ بالوفاء، وأن كل قطرة فيه تحنّ لتصبح شاهدة على هذا العهد.
حتى الغيم في السماء بدا وكأنه يهمس: "الوفاء هنا، والشهادة هنا، والنور لن يُمحى."
ثم نظر الحسين إلى أصحابه بعينين تموجان بحنان الأب وقوة القائد، وقال:
"أما بعد، فقد أذن الله لنا بالثبات على الحق، فلنرِهِم صدق قلوبنا، ولنسكب دمائنا في سبيله، فما الحياة إلا طريق، وما الموت إلا وصال."
كانت لحظة صمت تامة، حتى الهواء نفسه بدا يترقب الخطوة التالية، وكأن كل شيء في الكون توقف ليمتدّ نور الولاء والشهادة على ضفاف الفرات.
نهاية الفصل ♥️