صراع القيمة و العدم

صراع القيمة و العدم

11 0

1

كان يوما مثل سائر الأيام التي نعيشها، تحركت يمينا و شمالا من فراشي، بدا أن النعاس قد ذهب و حان وقت إستيقاظي.

الغريب بالأمر أن البرودة تسللت لظهري، و أن الفراش الناعم خاصتي قد أصبح قاسيا.

فتحتُ عينَيّ ببطء... لكني تمنيتُ لو لم أفعل.

أنا نائم وسط شارع غريب و مجهول لم يسبب لي رؤيته، لا وجود لوسادتي أو أغطية النوم، كل ما أراه أرض إسمنتية سوداء، وجهت نظري للأمام محاولا التعرف على المكان الذي تم جلبي إياي له.

باللحظة التالية...شعرت بموجة من الغثيان تتصاعد!

فما رأيته أمامي لم يكن مجرد دمار، بل جحيم متجسّد، لوحة من الخراب والجحود تحترق تحت سماءٍ خنقتها الأدخنة.

لهيب النيران كان يتراقص على أنقاض مبانٍ متفحمة، يلتهم الأطلال كما يلتهم الجائع ضحيته الأولى.

الجثث... كانت ملقاة بلا نظام، بعضها متفحم، بعضها مشوه، وبعضها بلا رؤوس، كأن الموت هنا لم يأت برحمة، بل بزئيرٍ وحشيّ نهم.

رائحة الدم لم تكن فقط في الهواء... بل كانت كأنها تتسرب من جدران العالم ذاته.

اختلطت مع الدخان والتراب والعرق البارد على جبيني، واخترقت أنفي بوحشية جعلتني أرغب في التقيؤ.

ومع كل هذا... لم يكن الشعور الأول هو الصدمة، أو الرعب، أو حتى الحزن.

كان شعورًا واحدًا فقط: الحيرة!

هذا لم يكن عالمي!

رغم أنني كنت واقفًا وسط هذا الجحيم، إلا أن شيئًا بداخلي تمرد، رفض التصديق.

لم يكن الأمر مجرد حلم أو خيال.

كانت الحقيقة فجة، ملوثة، تنبض تحت قدمي، ومع ذلك...

كنت أحدق إلى السماء، حيث لم تعد السماء.

لم تكن هناك سحب، أو نجوم، أو حتى زرقة تُشبه ما عرفته في حياتي.

كان هناك فقط ظل أسود ثقيل، كأنه ستار من الجحيم،

وأسطول هائل من السفن الميكانيكية التي تنزف وهجًا معدنيًا وهي تتكاثر كالحشرات فوق المدينة الميتة.

نعم... شيء كهذا كنا نراه فقط في الرسوم المتحركة، أو نقرأه في الروايات الخيالية.

لكنني لم أكن في قصة، بل في كابوس... لا يبدو أنه سيسمح لي بالاستيقاظ.

كل شيء حولي بدا ممزقًا، الطرق تحولت إلى شقوقٍ سوداء تبتلع الركام، الأجساد المبعثرة كانت كأنها دمى مرمية، لكن الرعب الحقيقي لم يكن في المنظر...

بل في الصمت القاسي الذي كان يخترق العظام، الصرخات التي تلاشت تحت سحب الدخان والدم والغبار.

لم أصرخ.

لم أهرب.

لم أتحرك حتى.

فقط... حدقت.

كأن هناك صوتًا خفيًا بداخلي يقول لي: "النهاية لم تبدأ بعد."

ثم جاء الانفجار... كأنه صوتُ جحيمٍ وُلد.

اهتزت الأرض كما لو كانت تصرخ، الزلازل ضربت العمق، والرعد دوى فوق رأسي، ومع كل هذا، لم يعد هناك فرق بين ما هو أرض وما هو سماء... كل شيء ينفجر.

فقدت رشدي... لم أعد أنا.

الخوف لم يعد شعورًا، بل جلدًا جديدًا تمزقت فيه.

كنت أقف، لكنني لم أشعر بساقي.

كنت هناك... ولكن ليس حقًا.

وفي تلك اللحظة، ظهرت المخلوقات مرعبة.

آلاف الكائنات... مدرعة، مسلحة، ذات أشكال كأنها كوابيس مشوهة،

وأخرى... تشبه البشر في الشكل فقط، لكنها تملك وجوهًا كأنها نُحتت من الكراهية.

لم تكن مجرد حرب.

كانت نهاية العالم، تُسكب أمامي ببطء.

كانت الحرب ضخمة... ولكن بين من ومن؟

أين كنت؟

وأين هم هؤلاء المقاتلون؟

تساءلت وأنا أنظر من حولي في حالة من الذهول، غير قادر على تصديق ما تراه عيناي.

الأرض نفسها كانت تهتز تحت قدميّ، وكأنها تعيش لحظة صراع لا نهاية لها.

كانت الانفجارات تدوي في الأفق البعيد، كما لو أن السماء نفسها قد انشقت لتستقبل نارًا لا يُمكن إطفاؤها.

لكن كل تلك الهزات، كل تلك الانفجارات...

كانت نتيجة معارك ضارية بين مخلوقات لا تشبه أي شيء شاهدته في حياتي.

لم يكن الأمر مجرد اقتتال بين كائنات غريبة، بل قتالات تُمزق العالم ذاته.

كانت تلك المخلوقات، ضخمة، زاحفة، ذات عيون حمراء ملتهبة وأجساد مشوهة، تتقاتل ضد بعضها البعض في مشهد من الفوضى المستمرة.

شعرت بشيء ثقيل على صدري.

هل يمكن أن تكون هذه الحرب جزءًا من عالم آخر؟

لكني سرعان ما اكتشفت الحقيقة الأكثر رعبًا.

لم أكن في عالم آخر، فما لمحته أعطاني الفكرة.

كان كوكب الأرض... هو ساحة المعركة.

لكن الأمر لا يتوقف هنا، فبجانب تلك المخلوقات التي تتنازع فيما بينها، كان هناك بعض البشر، وهم يقاتلون...

يقاتلون للدفاع عن هذا الكوكب... عن أرضنا، و معهم بعض من تلك المخلوقات كحلفاء.

لكن... كيف انتهى بي الحال هنا؟

و متى بدأت هذه الحرب؟

كيف تلاشى كل شيء في لحظة، وكيف وُجدت نفسي في هذا الجحيم الذي لا ينتهي؟

ماذا حدث لعائلتي؟

هل كانوا قد نجوا؟

أم أن هذا الصراع قد ابتلعهم كما ابتلع كل شيء آخر؟

تساؤلات كانت تعصف بعقلي، لكنني لم أكن أملك إجابة واحدة، كل شيء كان مظلمًا.

كل شيء كان ضبابيًا.

ثم نظرت إلى الأفق، حيث كانت معركة غير متكافئة تجري أمام عينيّ.

كانت الأعداد هائلة، كالنمل المتساقط بلا توقف.

أعداء بكل شكل وحجم، يتدفقون كالطوفان.

ومقابلهم، كان هناك حوالي سبعة إلى عشرة أشخاص فقط...

عددهم قليل، لكن قوتهم كانت مذهلة.

تحركوا بسرعة وحماسة، يضربون الأعداء، يشتبكون مع الوحوش العملاقة التي تتناثر منها أشلاء في كل مكان.

لكن على الرغم من قوتهم، بدا وكأن الوقت و الجهد كانا الثمن الذي يدفعونه.

أحدهم، كان يتنقل في الهواء، يدمّر كل شيء في طريقه.

آخر كان يتحرك بسرعة البرق، يقطع الأعداء إلى نصفين في لمحة عين، ثم ظهروا...

عشرة من الأعداء، يتقدمون بثقة و إبتسامة تزين محياهم، مظهرهم فخم و بدروع خفيفة...

ثلاثة أشخاص بحجم البشر...

إثنان بحجم الدب...

أربعة بطول 4 أمتار و بنية جسدية ضخمة...

و وقف أمامهم شخص بأكتاف عريضة، قبضات ضخمة، طوله يقارب 5 أمتار، بعيون صفراء، و لحية صغيرة، بأسنان مثلثة الشكل و مسننة، قادرة على طحن العظام حتى.

على ما يبدو، كان هؤلاء القادة لجيوشهم، و الواقف أمامهم هو قائدهم الأعلى...

بدأ القتال بينهم، لكن شيئًا ما كان يتوقع حصوله قد حدث.

شيء مرعب.

فمع مرور الوقت، بدأ الحلفاء يسقطون.

واحدًا تلو الآخر.

كان كل ضرب، كل قتال، يقربهم من النهاية المحتومة.

بدأت أرى قتالًا آخر بعيدًا، حيث كان أحد الحلفاء يُجاهد للبقاء على قيد الحياة، دماءه تغطي وجهه، جسده محطم، لكن عزيمته لم تكن أقل من فولاذ.

كان هناك شيء في الطريقة التي سقطوا بها...

كان الأمر وكأنهم يقاتلون ضد شيء لا يمكن التغلب عليه، ولكنهم ظلوا يحاولون، كما لو كانوا يعلمون شيئًا أكثر مما أعرفه.

شيئًا جعلهم يواصلون القتال حتى في لحظاتهم الأخيرة.

لكن أين كانوا عندما بدأ كل هذا؟

حقا متى إندلعت هذه الحرب؟

هل كانت قد بدأت منذ لحظة، أم أن الزمن نفسه قد تقطّع إلى أجزاء،

واندثرت كل آثار الماضي في خضم تلك المعركة؟

أين كنت أنا؟

تساؤلات لم أتمكن من الإجابة عليها.

وكلما حاولت أن أركّز عقلي على محاولة فهم ما يجري حولي، زادت الفوضى في داخلي.

كان الوضع أكبر من أن أستوعبه، أكثر من مجرد صراع بين كائنات، كان معركة من أجل البقاء على هذا الكوكب نفسه.

أرضنا التي تحترق، سماؤنا التي تتناثر منها النجوم وكأنها تنهار واحدة تلو الأخرى.

لكن السؤال الأكثر رعبًا... هل نحن نستطيع البقاء؟

هل هذا ما تبقى من أرضنا؟

استجمعت أنفاسي، حاولت التحرك، لم أعرف وجهتي،

ركضت، لا لأصل إلى شيء... بل لأبتعد عن كل شيء.

لكن الحطام لم يرحمني.

سقطت كتلة خرسانية أمامي بمترين فقط،

ارتعدت أطرافي، جثوت، لم أفكر...

لو سقطت تلك الصخرة علي، لما بقي مني سوى لطخة دم على الأرض.

ومع ذلك، لم تنتهِ الصدمة.

كانت الحرب تندلع بكل مكان.

لكن من يقاتل من؟

الأمل ينزف.

واليأس يتمدد كأنفاس أخيرة.

ثم... حدث شيء غيّر كل شيء.

انفجارٌ أقوى من كل ما سمعته سابقًا.

السماء نفسها احترقت.

تلونت بلونٍ ذهبيٍّ ملتهب، كأنها شمس سقطت وانفجرت.

الآلاف من السفن انفجرت في لحظة واحدة.

العدو، الذي كان لا يُهزم، ارتعب.

شيء ما... هبط من السماء.

كان بشريًا.

فتى... مراهق.

لكن ليس عاديًا.

تقدم... خطوة تلو الأخرى.

كل خطوة منه كانت تُجبر العدو على التراجع، خطوتين، ثلاث... أكثر.

كأن وجوده وحده هز كيان الحرب.

هيبته اخترقت الفوضى.

الحلفاء تنفّست أرواحهم الأمل، والأعداء... ذاب الرعب في عيونهم.

ثم... قال الفتى، بصوتٍ عميق كأن السماء نفسها تنطق من خلاله:

"آن أوان تصفية الحسابات... سأنهي هذه الحرب... وأطوي الصفحات الأخيرة من قصتي معكم."

الهواء تغيّر... هالة سوداء تتسرب من جسمه كما يتسرب الماء.

الخوف لم يعد شعورًا.

بل أصبح كالدخان... كالسُم... يملأ كل فراغ.

العدو بدأ يفقد إرادته... يتراجع... يختنق.

ثم ظهروا أمامه....

أولئك الجنرالات، الكائنات ضخمة، التي كانت هالاتهم تسحق الهواء حولهم.

لكن الفتى... لم يتراجع.

كان شعره أسود، قصير وناعم،

جسده مصقول، كأنه نُحت من الفولاذ،

عيناه... بنيتان غامقتان تحملان شيئًا غريبًا، كأنهما رأتا كل العوالم.

طوله يقارب 1.80، ملامحه قاسية و في نفس الوقت تمنح شعور الراحة...

من وجهه خمنت بأنه في العشرينات من عمره،

لكن حضوره... يفوق أي شيء بشري.

وقف شامخًا، لا يتكلم.

ثم... تحرّك أخيرا.

واشتعلت المعركة.

لحظة واحدة، لمحة خاطفة...

وتفجرت ساحة القتال.

صواعق، زلازل، جثث طارت في الهواء.

طغى ذلك الفتى على الجنرالات من حيث القوة و الموهبة.

بدأوا يتساقطون كما تتساقط أوراق الكرز من الأشجار.

وأنا؟ المتصلب في مكاني، مذهول بما تراه عيني،

رفعت رأسي في لحظة خاطفة... وإذا بصخرة ضخمة تهوي من السماء، إتجاهها و بشكل ميؤوس قد تحدد سلفا...

كان الوقت متأخرًا...

لم أستطع التحرك، فما بالك بالهرب.

سقطت عليّ.

صرخة هائلة شقّت صدري:

"هاااااااااا!!"

دقّ قلبي بجنون...

كما لو كان يريد تمزيق ضلوعي والخروج من صدري،

كأن الرعب الذي عشته في ذلك الكابوس لم يغادرني بالكامل، بل تسلل إلى الواقع،

يتقمص نبضي ويخنق أنفاسي.

تجمدت أطرافي...أحسست أن دمي نفسه فقد رغبته في الجريان،

كأن البرد الذي لفّني لم يكن من هذا العالم،

بل امتدادًا لصقيعٍ خفيّ تسرب من ثغرات الوعي.

فتحت عينَيّ ببطء،

وكأنني أخشى أن أرى العالم ذاته يحترق أمامي من جديد.

لكن بدلاً من الركام والنيران... رأيت سقف غرفتي.

أبيض، باهت، مألوف.

تنهّدت.

يدي تحسست جسدي... مرة، مرتين، ثلاث مرات.

كل شيء في مكانه.

لم يكن حلما وحسب، لقد كان عالما كاملا...

غاص بي إلى القاع ثم لفظني مجددًا إلى السطح.

رفعت رأسي ونظرت حولي.

غرفتي...

الكتب مبعثرة كما تركتها،

الستائر نصف مغلقة، والنور الذهبي للسماء الزرقاء يتسلل بهدوء كأنه يخشى أن يوقظني،

صوت عقارب الساعة...

ذلك الصوت المعتاد، الذي طالما تجاهلته، بدا الآن وكأنه أعذب سيمفونية نجاة.

استلقيت على الفراش مجددًا، عيني نصف مغمضتين، بينما أخذت نفسًا عميقًا...

كأن كل نفس هو إثبات جديد أنني لا أزال حيًا.

قلبي؟

لا يزال يقرع بصوتٍ عالٍ.

كأن جسدي يرفض أن ينسى تلك اللحظة...

لحظة سقوط الصخرة فوقي،

ذلك الانفجار الصامت الذي شعرت به يخترق كل ذرة من كياني.

كأنه لم يكن حلمًا... بل موتًا مؤجلًا.

ضغطت بيدي على صدري...

ذلك الألم الخافت... لا يزال هناك.

كأن الصخرة لم تسقط فحسب،

بل تركت أثرًا في داخلي لا يُمحى بسهولة.

"الحمد لله"

تمتمت، بصوت مرتجف، لا يكاد يُسمع.

كل ما رأيته... كل ما عشته... لم يكن إلا كابوسًا.

كابوس مرّعب.

لكن...

لا، ليس كأي كابوس.

فمنذ أن كان لي من العمر أربع سنوات...

منذ تلك الليلة التي ظللت أصرخ فيها حتى شروق الشمس،

لم أذق كابوسًا بهذه الوحشية.

شيء بدا لي وكأنه... أكثر من مجرد حلم.

رفعت ظهري ببطء، وأسندته إلى الحائط.

كان ملمسه باردًا، صلبًا...

منعشًا في مقابل حرارة جسدي المضطرب.

أغمضت عينَيّ للحظة،

وبدأت أسترجع بعض الصور...

بعض التفاصيل...

الفتى.

ذلك الفتى.

لم يكن مجرد بطل ظهر فجأة في مشهد النهاية...

كان يحمل شيئًا... شيئًا أعرفه.

عينيه...

طريقة وقوفه...

ذلك الشعور الذي انتشر في داخلي لحظة ظهوره...

كأن شيئًا في روحي قد اهتز، تعرف عليه، تردد، ثم اندمج.

من يكون؟

لماذا بدا لي مألوفا؟

كأنني رأيته من قبل... أو رأى هو ماضيَّ.

ذلك الارتباط... لم يكن وليد خيال.

بل كأنني كنت جزءًا من حكايته...

أو ربما هو... كان جزءًا من حكايتي.

حاولت طرد هذه الأفكار من رأسي، لكنها كانت تتسلل مثل الدخان، تلتف حول عقلي، تدفئني وتخيفني في الوقت نفسه.

ثم إستسلمت، فبعد كل شيء كان حلما عابرا.

تمتمت مرة أخرى، هامسًا:

"الحمد لله... كان مجرد كابوس."

لكن داخلي... لم يصدق ذلك تمامًا.

بقي شيء ما في صدري...

شعور غامض، كأنني عدت من مكان لا يجب لأحدٍ أن يراه.

نهضت أخيرًا من فراشي.

حركت قدميّ بتردد، كأنني أخشى أن أجد الأرض تحتها ليست الأرض التي عرفتها.

لكنها كانت كما عهدتها.

اتجهت إلى نافذتي.

دفعت الستارة جانبًا...

السماء الزرقاء...

تلك السحب البيضاء التي أعلنت فصلا جديدا،

لكن في عينيّ، تغير لونها ليشبه تلك السماء التي رأيتها في الكابوس...

السوداء، الثقيلة، المهددة.

تنهّدت مرة أخرى.

اليوم... بدأ.

لكنني أعلم أن شيئًا تغير.

قد أكون استيقظت من الكابوس...

لكن الكابوس لم يخرج مني بعد،

يبدو بأنني أحتاج وقتا لكي أتخطاه...

1.5

استيقظت باكرًا كعادتي.

رتبت الفراش بعناية مبالغ فيها، وكأنني أحاول إخفاء آثار نومٍ لم يأتِ براحة.

غسلت وجهي بالماء البارد، القطرات انزلقت على وجنتيّ فتركت إحساسًا يشبه صفعة خفيفة توقظني تمامًا.

بعد ذلك ارتديت ملابسي المعتادة؛ بنطال داكن وقميص بسيط، الملابس التي يعرفني بها الجميع حتى صارت أشبه بزيٍّ رسمي غير معلن.

اتجهت نحو المطبخ.

المكان ما يزال ساكنًا، تفوح فيه رائحة خبز الأمس الباقية في السلة.

هناك فوقها، ورقة صغيرة مثنية بعناية، خُطّ عليها بخط والدتي:

"ليو، أرجو أن تعد لهم خبزًا بالزبدة، وابقَ مع إخوتك واعتنِ بهم حتى أعود."

لم أتمالك نفسي من الابتسام نصف ابتسامة.

أمسكت ثلاثة أرغفة من السلة، ملمسها القاسي فضح أنها ليست طازجة.

تناولت السكين، وبشيء من الحذر بدأت أشق الأرغفة من منتصفها.

العملية بدت كقتال صغير، اللحم الداخلي قاوم السكين قبل أن يرضخ، وتفتت اللب بين أصابعي.

فتحت غطاء علبة الزبدة.

كانت الكمية ضئيلة، ما يكفي بالكاد لمعادلة الجوع لا لإشباعه.

أخذت أطرافًا صغيرة من الزبدة بطرف السكين، وبدأت أمدها بخطوط متعرجة داخل الرغيف.

نصف الرغيف فقط حصل على نصيبه، أما النصف الآخر فقد حكمت عليه بالسكر.

رفعت الغطاء الزجاجي عن وعاء السكر الصغير، وصرت أنثر حبيباته البيضاء كأنها ثلج يتساقط في حديقة مهجورة.

السكر مع الزبدة... مزيج سحري لم يسبق أن سرق قلبي طعمٌ بسيط مثله.

أقولها بكل فخر: هذه التحفة ابتكاري أنا وحدي.

ملأت جرة الماء من الحنفية، وضعتها في الثلاجة حتى تكتسب برودة كافية لتروي عطشهم.

أشعلت الموقد الغازي، وضعت المقلاة وانتظرت حتى تسخن.

بعد ثلاث دقائق تقريبًا بدأت أحمّص الأرغفة واحدًا تلو الآخر، صوت الطقطقة الخفيف يرافق الرائحة التي انتشرت ببطء، فأيقظت في داخلي شيئًا يشبه الحنين.

انتهيت من التحميص، قطعت الأرغفة إلى تسع قطع متساوية.

هكذا يحصل كل واحد منا على ثلاث قطع؛ عدالة رياضية صارمة، أو ربما محاولة مني لتجنب أي حرب أهلية صغيرة على الطاولة.

غسلت المقلاة والسكين وبعض الأواني المتروكة، محاولًا تقليد والدتي ولو قليلًا.

بعد ذلك توجهت إلى غرفة إخوتي. أختي "يينا" كانت مستيقظة بالفعل، جالسة على السرير تتأمل في الفراغ.

أما "رودو"، الأصغر، فكان غارقًا في نومٍ أشبه بالموت.

قلت بهدوء: "يينا، أرجوكِ أيقظي رودو معك."

التفتت إلي بنظرة متذمرة، ثم قالت وهي تمد شفتيها للأمام:

"إيييه، لكنه لا يستيقظ أحيانًا مهما فعلت!"

قلت مبتسما:"أعتمد عليك، فأنتِ الأمل الأخير."

أدركت أنني دفعت إليها مهمة مستحيلة.

رودو فعلًا أكثر شخص صعب الإيقاظ في الكون. لكن هكذا يفعل الرؤساء دومًا: يتركون الأعمال الشاقة لمرؤوسيهم ثم يراقبون من بعيد.

عدت إلى المطبخ.

وضعت الإناء المبرّد على الطاولة الخشبية، ثم سحبت من الخزانة ثلاثة أكواب بلاستيكية واصطفت أمامي بانتظام.

في تلك اللحظة تذكرت القهوة... تمنيت لو كنت بارعًا في إعدادها.

كان كوب قهوة بالحليب سيكمل هذا الإفطار المثالي، لكن ما من حليب لدينا.

آه، مؤلم أن تعود إلى الواقع بهذا الشكل.

وصل إخوتي أخيرًا، يينا يبدو عليها الانزعاج من مهمة الإيقاظ المستحيلة، ورودو بوجه نصف نائم نصف غاضب.

"هل غسلتما وجهيكما وأيديكما؟"

"نعم، أخي."

"جيد، تستطعون البدأ الآن، بسم الله."

تناولت قطعة من الخبز.

القرمشة الخارجية تذوب سريعًا في طراوة الداخل، الزبدة تنساب بسلاسة، والسكر يذوب كهمسة حلوة لا تهيمن على الطعم بل تكتفي بأن ترافقه.

قلت مبتسمًا:

"طعمه يشبه أول قضمة من كرواسان بالعسل، هش من الخارج، طري من الداخل، والسكر فيه لا يطغى بل يهمس."

الماء البارد عوض غياب الحليب، لكن ما جعل الطعم أبهى حقًا هو رؤية ابتسامة الارتياح ترتسم على وجوههم الصغيرة.

لحظات كهذه تكفي لتجعلني أشعر أنني أديت مهمة بطولية.

بعد الطعام، شغّلت التلفاز، ناولت جهاز التحكم ليينا حتى أتجنب انفجارًا بينهما.

ثم انشغلت بتنظيف المطبخ وغرف النوم، محاولًا أن أترك أثرًا مريحًا لأمي حين تعود.

حين انتهيت، عدت إلى غرفة الضيوف، طالبت بحقي في جهاز التحكم كالأخ الأكبر، بسلطتي الديكتاتورية التي لا تقبل اعتراضًا.

جلست أشاهد البرامج ساعة ونصف حتى مللت. تمددت قليلًا لأخفف عن ظهري، التفتُّ فوجدت يينا غارقة مع دميتها، بينما رودو ما يزال بجانبي يشارك المشاهدة.

"خذ يا رودو، شاهد ما تريد."

أجاب مضطربا، يتأكد من كلماتي: "حقًا؟!"

أجبته قطعا بنعم.

أمسك ريموت و بوجهه ضحكة ماكرة: "هاها! النصر لي!"

تركت له التلفاز وعدت إلى حقيبتي المدرسية. غاصت أصابعي بين دفاتر مليئة بالكتابات، وانغمست بالدراسة.

الوقت مضى سريعًا، حتى وجدت الساعة تشير إلى الثانية عشرة ظهرًا.

يوم الجمعة يعني أن أمي ستعود أبكر من المعتاد.

انتظرت بفارغ الصبر، وكل دقيقة كانت أثقل من التي قبلها.

حتى سمعت أخيرًا صرير الباب الحديدي يُفتح. وقفت مسرعًا لاستقبالها.

دخلت بخطوات متعبة، حقيبتها تتدلى من كتفها، وعيناها نصف مطفأتين من الإرهاق.

"مرحبا بعودتك، أمي." حييتها بهدوء.

"شكرًا لك، هل أحسنتم التصرف في غيابي؟"

"أجل."

"لقد أحضرت طعامًا لنتناوله معًا."

"شكرًا، أماه."

لحظة دافئة عابرة... لكن داخلي ظل صامتًا.

قد يظن البعض أنني أعيش سعادة هادئة بين هذه الجدران، لكن الحقيقة غير ذلك.

ضحكاتي، ابتسامتي، تصرفاتي كلها مجرد قناع.

منذ زمن طويل، فقدت طعم السعادة... وصرت أرتدي هذا القناع فقط من أجلهم.

من أجل عائلتي.

2

"أعتذر عن التأخر... لكنك ما زلت جميلاً وساحر المنظر يا صديقي العزيز."

جلست على التل الرملي الممتد بعد الشاطئ مباشرة، مكان مرتفع بعض الشيء كأنه شرفة طبيعية تطل على البحر بلا حاجز.

أسفله، المياه تتمدد وتنكسر عند الصخور، كأنها موجة توقفت فجأة وسط حركتها، محنية نحو الأعماق.

هناك، حيث اعتدت أن أجلس، كان عالمي الصغير، ملاذي الذي لا ينازعني فيه أحد.

هذا البحر... لم يكن مجرد منظر أمامي، بل كان رفيقي الأقرب، صديقًا صامتًا يتقبل كل همومي.

زرقة سطحه اللامعة تحت الشمس، والأمواج التي تتهادى كأنها تعزف لحنًا من عالم آخر، كانت بالنسبة لي حديثًا هادئًا لا يخذل.

آه، تأخرت بتقديم نفسي.

اسمي ليو ليستر.

طفل في التاسعة من عمري، أدرس بالصف الرابع الابتدائي.

طولي متر وسبعة سنتيمترات فقط، جسدي نحيف كغصن صغير، شعري أسود يميل للبني الغامق يلمع قليلًا حين يبلله العرق.

عيناي بنيتان فاتحتان، صغيرتان لدرجة أن البعض لا يلاحظ تعبيراتهما أصلًا. ملامحي عادية جدًا... لا شيء يميزني وسط الزحام.

كنت يومًا فتى مشرقًا، مفعمًا بالطاقة والأحلام، دائم الحركة والضحك، لكن حادثًا غريبًا وقع قبل سنة ونصف حطم ذلك البريق.

منذ ذلك اليوم فقدت نفسي شيئًا فشيئًا، كأنني تركت روحي هناك في الماضي.

أصابني الاكتئاب، وصرت منعزلًا، طفلًا يخشى حتى من ظله.

المكان الذي نعيش فيه الآن يُسمّى لياكيرك، وهو جزء صغير من مدينة سالماندير.

هنا بدأت حياتي الثانية... الهادئة في ظاهرها، الباردة في داخلي.

أنا الابن الأكبر بين إخوتي.

شقيقتي الثانية، رينيا ليستر، تصغرني بسنتين وستة أيام فقط.

في السابعة من عمرها الآن، بشعر أسود طويل متجعد قليلًا بسبب قلة العناية، وعينين بنيتين داكنتين.

ذكية، متفوقة في دراستها، لكنها أحيانًا تسقط في مواقف محرجة بخرقها العفوي.

أما أخي الأصغر، رودو، فيبلغ أربع سنوات ونصف. شعره بني عميق يبدو أسودًا تحت ضوء خافت، عيناه دائريتان كحبتين من الكستناء، ورأسه الكبير يجعل جسده يبدو أصغر مما هو عليه.

يمكث مع والدتي في البيت، يملأ الأرجاء ضجيجًا حين يقرر ذلك.

وأمي... أمينة فيراهلدوو.

عمرها اثنان وثلاثون عامًا، بشعر قصير بني فاتح وعينين تعكسان اللون نفسه.

طولها متر واثنان وسبعون سنتيمترًا، ذات جمال هادئ رغم الإرهاق الذي يترك أثره على ملامحها. تعمل في مطعم لساعات طويلة كي تؤمّن لنا لقمة العيش.

عشنا ثلاثتنا بلا أب.

أبي، إيسان ليستر، تاجر مشهور و صاحب النفوذ في البلاد، رجل في الخمسين من عمره، يكبر والدتي بسنوات كثيرة.

تخلى عنا منذ زمن، تركنا نكافح وحدنا.

حين يتشاجر مع والدتي، يعاقبها بوقف النفقة، غير آبه بأن من يعاني هم نحن.

كأننا دمى بين يديه.

لكن أمي... لم تنكسر.

تحملت كل شيء، آثرت صحتها ووقتها علينا. لم تعتبرنا عبئًا، بل كنزًا من الذهب.

هي معجزتي الحية، المرأة التي صنعت لنا عالمًا رغم أنف القسوة.

مرت سنة ونصف على انتقالنا إلى حي ليكريك. قبل ذلك كنا نعيش في حي "الجوهرة" بسالماندير.

الانتقال لم يكن اختيارًا... بل نتيجة حادث مؤلم غيّر مسار حياتنا بالكامل.

ذلك الحادث هو ما كسرني، ما جعلني طفلًا آخر: من جريء وفضولي ومليء بالحياة... إلى جبان، مكتئب، منطفئ.

لم أعد أملك الأمل.

في المدرسة، أنا هدف للتنمر: كلمات جارحة، ضحكات ساخرة، وأحيانًا رميات بالحجارة كأنني عدو غير مرغوب فيه.

وفي الحي... أتعرض للضرب دون سبب، مجرد وسيلة لتسلية الآخرين.

كأنني لست إنسانًا.

كل ذلك دفعني لأكره الحياة أكثر فأكثر.

لكن... لم أُرِد أن أُثقل على أمي.

هي تعاني ما يكفي. لذلك أخفيت حزني عنها وعن إخوتي.

ضحكاتي مجرد قناع، ابتسامتي مصطنعة، أفعالي كلها مسرحية صغيرة أؤديها يوميًا كي لا يزيد همها.

والآن... ها أنا ذا، أجلس على التلة المطلة على البحر.

كانت الأمواج تتهادى أمامي بخفة، ترتفع كأنها تنهض من سباتها ثم تنحني من جديد في طقس أبدي لا يعرف الكلل.

كل موجة تمتد إلى الأمام وكأنها تقترب لمداعبة الرمال، ثم تتراجع بخجل نحو أعماقها، تاركة خلفها أثرًا من الزبد الأبيض يتلاشى شيئًا فشيئًا، كما لو أنه توقيعها الشخصي على صفحة البحر.

أشعة الشمس انعكست على السطح الأزرق، فلم تعد مجرد زرقة عادية؛ صارت لوحة هائلة تتدرج من الأزرق النيلي الداكن في البعيد، إلى الأزرق السماوي الشفاف عند الشاطئ، وفيما بينها بريق ذهبي يتكسر على القمم المائية كأنها جواهر تتناثر في كل مكان.

كان البحر يبدو ككائن حيّ يتنفس بالضوء نفسه، وكل حركة منه أشبه بومضة حياة جديدة.

وصوت المد والجزر... آه، كان ذلك أعذب الألحان التي عرفتها أذناي.

لم يكن مجرد ضجيج ماء يرتطم بالصخور، بل إيقاعًا هادئًا يطرق قلبي في توازن عجيب، تارةً يشبه تهويدة تنسيك العالم، وتارةً يذكرك بأنك صغير أمام هذا العملاق الأزرق الذي لا ينتهي.

طيور النورس تحلّق فوقي، تصرخ بأصواتها الحادة وكأنها جزء من السمفونية، تصعد وتهبط، تتمايل بجناحيها البيضاء تحت أشعة الشمس، ثم تختفي فجأة في البعيد تاركة خطوطًا صغيرة على صفحة السماء.

أغمضت عينيّ في تلك اللحظة، وتركت نفسي تذوب في هذا المشهد.

الهواء المالح يلسع شفتيّ، نسيم البحر يمرر أصابعه في شعري، ورائحة الملح تختلط برائحة الطحالب الرطبة لتنسج هوية هذا المكان.

كان إحساسي أنني لم أعد هنا كجسد فقط، بل كروح طافية فوق الأمواج، بلا خوف، بلا هم، وكأن العالم كله غاب ولم يبقَ إلا أنا وهذا البحر...

لحظة كهذه لم تكن مجرد راحة؛ كانت بوابة لعالم خيالي، عالمٍ ساحر حيث يتوقف الزمن، وتبقى أنت وحدك في حضرة صديق لا يتكلم لكنه يفهم كل شيء.

هذا المكان... هو الخيط الوحيد الذي يربطني بالحياة.

كلما همست لي فكرة الانتحار، جرّتني قدماي إلى هنا.

البحر، بموجه الأبدي، كان حاجزًا غير مرئي بيني وبين نهايتي.

لطالما راودتني رغبة القفز. على سطح المدرسة، فوق أسطح البنايات المهجورة، كل جدار عالٍ كان يهمس لي: "خطوة واحدة، وستنتهي المعاناة."

لم يكن الخوف من السقوط ما يردعني... بل الخوف من الشرخ الذي سيبقى بعدي.

تخيلت وجه أمي حين تسمع الخبر: عيناها اللامعتان تُطفأان إلى الأبد، تنهار أمام جسدي البارد، ثم تفقد عقلها وتأخذ حياتها بيديها.

رأيت إخوتي في خيالي مشردين، بلا أم ولا أب، يغرقون في دوامة العذاب وسط مجتمع لا يرحم.

لم يكن موتي سيحررني وحدي... بل سيحطمهم جميعًا.

حين تداهمني هذه الصور، أشعر كأن يدي تُمسك بيدي الأخرى، تُبعدني عن الحافة، وتهمس: "لا تكن أنانيًا."

لكن... هذا لا يمحو الألم. اليأس صار ضيفي اليومي، يجلس معي كل صباح ويأكل من روحي. الحزن يسكن صدري حتى صار أثقل من قلبي.

ليس لدي أحد لأتحدث معه.

كل من ظننتهم أصدقائي تبيّن أنهم لم يروني يومًا أكثر من منفعة مؤقتة.

حين أصبحت كئيبًا، تلاشى الجميع. تركوني وحيدًا، كظلٍّ بلا صاحب.

أريد أن أصرخ! أن أفرغ هذا البركان الذي ينهشني من الداخل!

أريد شخصًا واحدًا فقط... لا ليمسح دموعي، بل ليسمعها وهي تتساقط.

لكن... هل من مجيب؟

ربما علي أن أدفن أحزاني في صدري إلى الأبد. ومع ذلك... في قلبي، في أضعف زواياه، يسكن بصيص خافت من الأمل.

كلمات أمي لا تغيب عن بالي: "لا يمكن لأي إنسان أن يبقى وحيدًا للأبد... سيأتي يوم تجد فيه شخصًا يفهمك كما أنت."

ولهذا أنا الآن أمام البحر.

أغمض عيني وأترك النسيم يلفح وجهي، وأدعوا بصمت.

أدعوا أن يأتي اليوم... اليوم الذي ألتقي فيه بذلك الشخص المقدر، الشخص الذي يمد لي يده في الظلام ويقول: "أنا هنا."

أتمنى...

أتمنى من كل قلبي...

3

يوم السبت... بداية أسبوع دراسي جديد، يوم آخر لا أشعر تجاهه بأي حماسة.

السماء في ذلك الصباح بدت باهتة اللون، شمسها متوارية خلف سحابة رقيقة، والهواء البارد يتسلل بين ثنايا ملابسي فيجعلني أرتجف على مهل.

معظم الأطفال ينظرون إلى المدرسة باعتبارها متعة يومية؛ ربما يعود ذلك إلى حبهم للدراسة - وهو احتمال أستبعده تمامًا -

أو من أجل قضاء وقت ممتع مع زملائهم وأصدقائهم.

بعضهم الآخر ربما أجبره الواقع على الدراسة ليصبح يومًا ما شخصًا ناجحًا وغنيًا.

هذا الاحتمال الثالث بالذات هو ما يجعلني أواصل الذهاب كل صباح.

أريد أن أدرس بجدّ لأُسعد والدتي، لأحصل على شهادة تفتح لي أبواب أي مجال أختاره في المستقبل.

السبب الوحيد الذي يدفعني للاستمرار هو هي؛ والدتي.

ورغم التنمر اللفظي والجسدي الذي أتعرض له كل يوم، تظل صورة والدتي وهي تنظف الأطباق في المطاعم من أجل أن تُطعمنا وتوفّر لنا ما نحتاجه، هي ما يثبت أمام عيني ويمنحني دفعة جديدة.

تلك الصورة وحدها تكفي.

يكفيني أن أرى ابتسامتها حين أنظر في نتائج امتحاناتي؛ ابتسامة قادرة على أن تمحو كل التعب، على أن تجعلني أشعر بأن كل هذا العناء يستحق العناء.

هذا أقل ما يمكن أن أرده لها.

المشي الصباحي صار طقسًا صغيرًا خاصًا بي، أفضل وسيلة لتخفيف التوتر والملل.

كل يوم في طريقي إلى المدرسة أمرّ بجانب الشاطئ. هناك، حيث يختلط رذاذ البحر مع هواء الفجر، أسمح لروحي أن تلتقط أنفاسها.

أستمتع بالهواء النقي وصوت النوارس المنبعث من فوق الموج، وصوت العصافير ينساب من بين أغصان الأشجار القريبة.

الموج يتقلب بهدوء، كأنه يراقبني من بعيد ويهمس لي بالثبات.

ها قد وصلت أخيرًا.

ابتدائية دريدور، المدرسة التي تقبع في منتصف حي سالماندير.

مدرسة عادية وكبيرة، مستوى تعليمها متوسط لكنه يبقى أفضل من معظم الابتدائيات الأخرى.

جدرانها بلون رملي متآكل بعض الشيء، بوابتها الحديدية قديمة لكن ثابتة، والفناء واسع يتسع لعشرات التلاميذ.

أرى العديد من التلاميذ وقد تجمعوا في مجموعات صغيرة؛ بعضهم يضحكون ويمرحون في دوائر متشابكة، وبعضهم يتحدثون ويتناقشون بجدية ظاهرة، أما النوع الثالث فهو النوع الذي لطالما تمنيت أن أكون مثله... ولن أصبح مثله أبدًا.

أولئك الفتية والفتيات ذوو الهيبة والهالة المختلفة؛ الكل يتجمع حولهم، يحيّيهم باحترام ويتحدث معهم بتقدير واضح.

لهم طريقة خاصة في الوقوف، في الحركة، في جذب الأنظار حتى دون أن يتكلموا.

أما أنا، فكل يوم مجبر على التوجه إلى المدرسة بمفردي.

لم أملك صديقًا واحدًا أقضي معه أوقاتي، أو أشاركه معاناتي وهمومي.

لم يقترب مني أحد.

الكل يتجاهلني عمدًا ويبتعد عني كأنني وباء يمشي على قدمين، كأن حضوري ثقيل لا يُطاق.

لماذا هذه القسوة تجاهي؟ هل سبق لي أن تحدثت إليهم بطريقة سيئة؟ لماذا يعاملونني هكذا؟

هل لأنني فقير ولا أملك من يدافع عني؟ هل لأنني وحيد ومنعزل؟ هل السبب مظهري؟

يكفي... لا أريد التفكير أكثر.

لكل شخص رأيه عني على أي حال.

لم يبقَ من العام الدراسي سوى شهر ونصف، ثم سنحصل على العطلة الصيفية التي تمتد لثلاثة أشهر.

ونحن الآن ندخل مرحلة الامتحانات النهائية للفصل الثالث، تلك التي سنجريها بعد أسبوعين فقط.

لذلك، سأركز حاليًا على دراستي، وأترك كل ما يؤرقني لوقت لاحق...

3.5

بدأت الحصة منذ ربع ساعة.

كان الصف يغلي بضجيج خافت، أقلامٌ ترتطم على الطاولات، ودفاتر تُفتح وتُغلق بتململ، وعيون نصف نائمة تترنّح بين الملل والانتظار.

وضَع الجميع دفاتره وأقلامه فوق الطاولة، وأخرجنا كتبنا التي تآكلت أطرافها من كثرة الاستعمال.

رائحة الورق العتيق امتزجت بعبق الطباشير المنتشر في الجو، لتمنح المكان جوًا خانقًا مألوفًا.

اليوم كان درس اللغة العربية.

المعلمة، وهي امرأة صارمة، ذات نظرات نافذة خلف نظارتها الرفيعة، شرعت في تعيين طالب ليقرأ نص اليوم.

ويا للمصادفة... النص كان يتحدث عن المساواة!

عن شقيقين من أب واحد... أحدهما يقطن مع أمه حيث الفقر قد تغلب عليهما، والثاني يعيش مع أمه الأخرى برفاهية مترفة.

النص يعكس شخصيتيهما حسب وضعهما، وكيف تقلبت بهما الأقدار: الفقير أصبح غنيًا، والغني أصبح فقيرًا.

قصة قصيرة، لكنها تحمل مأساوية الواقع الذي نعيشه كل يوم.

"جيّد، جيد يا سامي... واصل يا ليو."

جاء صوت المعلمة حادًا، قاطعًا حبل أفكاري.

نهضت من مكاني مرتبكًا، كأن مقعدي قد أصبح فجأة مليئًا بالأشواك.

"ح-حسنا... أمم...؟!"

تأوهت المعلمة بيأس واضح:

"ليس مجددًا! توقف سامي عند الفقرة الثالثة، واصل من بدايتها. هذه هي المرة الخامسة التي تفعلها يا ليو، ركّز أكثر!"

ضحكة ساخرة انطلقت من زاوية القاعة:

"سينسي، وهل تستطعين لومه؟ كتابه مهترئ ومثير للشفقة... مثل مالكه، هاهاها!"

ارتفع الدم في وجنتي. تلك النبرة اللاذعة لا تعود إلا لإيبا ريودو...

"إيبا ريودو،" قالت المعلمة بصرامة وهي تحدّق فيه، "راقب كلماتك بعناية، فأنت لا تود لقاء المدير مجددًا، أليس كذلك؟"

رفعت نظري إليه على مضض. إيبا ريودو... الفتى الغني، الوسيم، الرياضي، صاحب الكاريزما التي تجعل باقي الطلاب يتبعونه كقطيع أغنام.

محاطٌ دومًا بالإعجاب، محبوب الفتيات، بارع في الرياضة والدراسة... طفل مدلل وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب.

وهو في الوقت نفسه أكثر من يتنمر علي، يسكب عليّ سموم توتره ومشاعره السلبية كل يوم.

"واصل يا ليو."

عاد صوت المعلمة ليعيدني للواقع.

بدأت أقرأ، لكن عيني كانت تشعر بسهام الاحتقار تتقاطع عليّ من كل جانب.

ابتسامات ساخرة هنا، ضحكات مكتومة هناك، قصاصات ورق تُرمى نحوي ككرات صغيرة من الحقد، بينما المعلمة غافلة.

أصوات الهمسات اللاذعة تسللت إلى أذني: "انظروا إليه... بائس... صوت مهتز...".

الأمر كان في البداية جحيماً بالنسبة لي، حتى أنني ذات مرة غادرت الفصل باكيًا من قسوتهم.

لكن الآن... الآن صرت أتقن التجاهل.

قلبي يتألم بصمت، لكن ملامحي جامدة.

"حسنًا... جيد جدًا، يمكنك الجلوس. واصلي يا هيبرا!"

جلست ببطء، متنهداً في داخلي، كمن نجا من محاكمة علنية.

استمر التلاميذ في القراءة قرابة ربع ساعة، حتى أنهينا النص.

عندها اعتدلت المعلمة في وقفتها وقالت:

"إذن، بعد قراءتكم لهذا النص، هل يخبرني أحدكم ما الهدف الذي يحاول الكاتب إيصاله بهذه القصة الصغيرة؟"

ارتفعت الأيدي تباعًا. اختارت سامي، فأجاب بنبرة واثقة:

"أعتقد بأن البشر يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق. المساواة تعني أن القيمة الإنسانية ثابتة، ولا يحق لأي سلطة أو شخص أن ينتقص منها."

ابتسمت المعلمة وأشادت به:

"جيد جدًا. والآن سؤال آخر: هل المجتمع متساوٍ فعلاً؟"

ساد الصمت.

عيون تتأمل، عقول تحاول صياغة إجابة. ثم فجأة... ارتفعت يد.

شهق الجميع بدهشة، حتى المعلمة بدت مذهولة:

"هذه المرة الأولى التي ترفع فيها يدك... نعم، أسمعنا رأيك يا ليو!"

هاه؟!

هل حقًا... رفعت يدي دون وعي؟ قلبي خفق بعنف. ربما كثرة التفكير جعلتني أنسى الواقع.

تنهدت بعمق، لا مفرّ.

نهضت من مقعدي، وشعرت بآلاف العيون تتجه نحوي كأنها مصابيح كاشفة في محكمة مظلمة.

"لا... في هذا المجتمع لا توجد مساواة على الإطلاق. صحيح أن الله قد خلق جميع البشر سواسية، إلا أننا، وبعد أن تمر فترة زمنية معينة، تتغير الكفة تمامًا!"

أمالت المعلمة رأسها قليلاً، مهتمة:

"أوه؟ وماذا تعني بتغير الكفة؟ هل لك أن تشرح لنا أكثر يا ليو؟"

ابتلعت ريقي وأجبت، محاولاً إخفاء رعشة صوتي:

"الكفة تتغير حسب نمو الإنسان الجسدي والعقلي، وتبدأ الطبقات بالظهور بين الناس: الأذكياء، الأقوياء، الفقراء، الأغبياء... كل هذه تُسمى بالطبقية، وهي ما نعاني منه اليوم، مثالا على ذلك، الأذكياء أشخاص يحضون بالإهتمام الشديد و يعاملون بالإحترام، لكن ماذا عن الأشخاص الغير الأذكياء، يحتقرون، ينفرون، لا أحد يدعمهم أو يثق بهم، هذه هي الطبقية في نظري!"

رفعت المعلمة حاجبيها إعجابًا:

"ممتاز! إجابة مذهلة واستثنائية!"

لكن إيبا لم يحتمل أن يتركني أتنفس طعم الانتصار. رفع يده بابتسامة ماكرة.

"سينسي، هل لي بالتعليق؟"

أومأت له، فحدّق نحوي مباشرة بنظرة مشبعة بالخبث:

"نعم... كل ما قاله صحيح نسبيًا. لكنه مخطئ في شيء واحد. المساواة لا تعني أن نعطي الجميع نفس الشيء، بل أن نعطي كل واحد ما يستحقه وما يحتاجه."

شعرت بدمائي تغلي. رددت بانفعال:

"إذن كيف نصل للمساواة برأيك؟"

ابتسم بخبث أكبر، كمن أوقع فريسته:

"هنا يظهر الفرق بين المساواة المطلقة والعدالة. المساواة المطلقة، بالنسبة لأنثالك، هي نفس الحقوق ونفس الفرص للجميع. أما العدالة، بالنسبة لي، فهي أن نراعي الفروقات. فدعم الفقير أكثر حتى يقترب من الغني... هذا ليس مصطلحًا في قاموسنا!"

ارتجف جسدي من الغضب، ونهضت دون وعي، قبضتي مشدودة:

"هل هذه هي نظرتكم نحونا؟ تلبسون ثوب الصالحين بينما دماؤكم مغمورة بالنفاق!"

قهقه بازدراء:

"أوي... راقب كلماتك جيدًا، يا كيس القمامة المتحرك!"

"إيبا ريودو!"

صوت المعلمة هذه المرة كان كالسوط:

"أنت من يجب عليه مراقبة كلماته جيدًا بحضوري، وإلا اتخذت إجراءات صارمة ضدك! وأنت يا ليو... اجلس مكانك حالًا!"

ارتجفت، ثم جلست متراجعًا:

"أ-أسف، سينسي..."

كنت أعلم أن الاستمرار سيقودني إلى هاوية لا أريدها، لا أنا ولا أمي.

لكن إيبا لم يكتفِ. مالت شفتاه بابتسامة متعجرفة، وهو يتمتم عاليًا بما يكفي ليُسمع:

"سينسي، آمل أنك لم تنسي مكانتي. فلا يهمني حتى لو كنتِ معلمتنا، فمحادثة واحدة مع والدي كفيلة بــ-"

"سينسي، هل تسمحين؟"

ارتفع صوت هادئ قاطعًا إيبا، من الطاولة المجاورة لي.

التفت الجميع. فتاة ذات شعر بني فاتح قصير وبشرة بيضاء ناصعة، عينان خضراوان باردتان كالزمرد تحت الثلج. كانت تلك... شيري شتروبيرتو.

قالت بنبرة ثابتة، كمن يقرأ حكمًا مكتوبًا على حجر:

"كإجابة على سؤالك... فمن الناحية العلمية أرى أن المساواة ليست مجرد كلمة، بل قيمة إنسانية. ففي التعليم، تعني أن أي طفل، غني أو فقير، له نفس الحق في دخول المدرسة. أما في العمل، فالرجل والمرأة يجب أن يتقاضيا نفس الأجر عند القيام بنفس الوظيفة. ولا أرى فرقًا بين الناس بسبب لون بشرتهم، لغتهم، مكانتهم أو وضعيتهم."

ابتسمت المعلمة بارتياح:

"إجابتك كالعادة مذهلة ومفصّلة... أحسنتِ يا شيري."

أومأت برأسها احترامًا، عينيها مغمضتان، هدوء يكسوها كالجليد. لم تنطق بكلمة أخرى.

شيري... تلك الفتاة التي يسميها الجميع الأميرة الجليدية. رزينة، قوية، لا تُكسر بسهولة. جمالها يفوق جميع فتيات المدرسة، لكنها باردة المشاعر إلى درجة القسوة. ورغم ذلك... كانت الوحيدة التي طلبت الجلوس بجانبي، حين نفر مني الآخرون.

مشاركتها الآن لم تكن مجرد إجابة... بل دفاعًا غير مباشر عني.

إيبا حاول كسر الموقف بابتسامة مصطنعة:

"شيري-تشان، كعادتك... جذابة وذكية!"

فتحت عينيها أخيرًا، نظرة باردة كالثلج اخترقت غروره:

"توقف عن تملقك يا إيبا... أنت تجعل من نفسك سخيفًا!"

قهقه بتوتر:

"باردة كعادتك... ألا يمكنك أن تكوني أكثر لطفًا معي؟"

هزت كتفيها باستخفاف:

"فقط إن كنت قطًا... ربما أعيد النظر. أما الذكور أمثالك... فلا يثيرون اهتمامي."

ضحك إيبا بارتباك، حاجباه يرتجفان، ثم صمت فجأة. أدار وجهه عني، لكنه قبل أن يفعل... منحني نظرة واحدة، نظرة تحمل وعيدًا صامتًا.

شعرت ببرودة تسري في ظهري. هاه... يبدو أنني لن أسلم اليوم من بطشهم، ككل يوم...

4

أخيرًا... وقت العودة إلى البيت.

أرغــه... جسدي يؤلمني قليلًا من شدة الركلات التي تلقيتها.

تعرّضت للضرب مجددًا بعد المدرسة، على يد إيبا وحاشيته كالعادة.

لو فقط... لو أنني لم أفتح فمي حينها، لما حدث كل هذا.

لكن لا وقت الآن للتحسّر، فالندم لا يجلب سوى مزيد من الألم.

"مساء الخير يا صاحب المحل!"

رفع رأسه من خلف الطاولة بابتسامة دافئة، وقال:

"أوه، ليو-كن! مساء الخير، كيف حالك اليوم؟"

أجبت وأنا أحاول إخفاء تعبي بابتسامة باهتة:

"حالي كما هو تمامًا... لم يتغير أبدًا."

تأملني للحظة، قبل أن يتنهد قائلًا:

"كعادتك، جسدك مليء بالكدمات... هل تنمّر أولئك الصعاليك عليك مجددًا؟ يجب أن يتدخل أحدهم أخيرًا."

التقطت صندوق الطماطم المعلبة، وبدأت بترتيبها على الرفوف ببطء:

"ل-لا تقلق. أحدهم يملك والداً ذا نفوذ كبير، من عائلة ريودو... التدخل لن يجلب سوى المتاعب.

ولا أريدك أن تتورط بسبب مشاكلي الصغيرة."

كان المحل يبعد عن بيتي قرابة عشرين دقيقة مشيًا.

أمرّ به كل يوم بعد المدرسة لأساعد في الترتيب والتنظيف، مقابل مبلغ محترم يساعدني على إعالة والدتي.

كنت دائمًا أضع المال الإضافي في محفظتها خلسةً، دون أن تلاحظ.

في البداية، رفض صاحب المحل توظيفي.

لكنني لم أستسلم... كنت أعود كل يوم، أطلب العمل بإصرار لا يتزعزع.

ويومًا بعد يوم، بعد المحاولة الثامنة والسبعين — نعم، كنت أعدّها واحدةً تلو الأخرى — ابتسم أخيرًا وقال:

"حسنًا، فليكن. لديك عزيمة لا تُكسر، وسأجربك."

ومنذ ذلك الحين، صار كالأب الحنون.

رجل ضخم البنية، ملامحه طيبة رغم قسوته الظاهرة.

كان يسألني دومًا عن سبب رغبتي في العمل، فصارحته بالحقيقة دون تردد.

ومع مرور الوقت، صار يعاملني بودّ كبير.

كان يدفع لي أجري كاملًا عن كل ساعة، ويمنحني فوقه بعض البضائع للبيت.

كرمه لا يُوصف، ولهذا امتلأ محله دائمًا بالزبائن، حتى يكاد المكان يضيق بهم.

أما أمي، فلم تكتشف شيئًا بعد، في كل مرة أقول لها بأن أحد ااجيران قدم لنا هذه البضائع.

عملها المتعب يجعلها تعود متأخرة كل مساء، مما يمنحني الوقت الكافي لفعل ما أريد.

هكذا صارت أيامي تدور...

أنهي الدوام الدراسي، أتوجه للمحل مباشرة، أملأ الرفوف، أنظف الثلاجات، أرمي الصناديق الفارغة، أتأكد من صلاحية البضائع.

حين انتهيت تلك الليلة، سلّمني كيس البقالة ومبلغ المال بابتسامة صافية:

"تفضل يا ليو، ولا تنسَ ما قلته لك... عليك أن تدافع عن نفسك قليلًا. لا تدع أحدًا يسحقك هكذا!"

أخذت الكيس بيدي وقلت بابتسامة خفيفة:

"شكرًا لك يا صاحب المحل... حقًا، أشكرك على نصيحتك واهتمامك بي."

لوّحت له مودعًا، وغادرت بخطوات سريعة نحو البيت، والليل يبتلع آخر خيوط الشمس من خلف الشارع الهادئ.

4.5

أخيرًا… وصلت إلى المنزل.

بعد نصف ساعة من الاختباء والمراقبة الدقيقة للمحيط، تمكنت أخيرًا من النجاة من أطفال حيّ ليكريك.

ففي اللحظة التي تقع أعينهم عليّ، يبدأ جحيمهم ضدي!

لا يمكنكم تخيل مقدار ما أتلقاه من تنمّرهم… عنفهم لا حدود له.

يجبرونني على فعل أشياء لا تخطر حتى ببال الكبار.

أسرعت نحو الباب، أخرجت المفاتيح من جيبي، وفتحته بعجلة.

"مرحبًا بعودتك، أخي!"

رنّ صوت رينيا الصغيرة وهي تبتسم لي ببراءة، فربّتُّ على رأسها بابتسامة خفيفة.

"لقد عدت."

أغلقت الباب خلفي وتوجهت مباشرة إلى غرفة والدتي، فمن عادتها ألا تأخذ محفظتها معها للعمل.

وضعت المال في محفظتها كما أفعل دائمًا، ثم ذهبت إلى المطبخ لأرتب البقالة التي منحني إياها صاحب المتجر في الثلاجة.

بعدها دخلت غرفتي، أعددت ملابسي واستحممت بالماء البارد.

لم نكن نملك مسخّن مياه، لكنني اعتدت برودته حتى صرت أجد فيها انتعاشًا غريبًا.

ربما كان هذا الشيء الوحيد الذي يشعرني بأن جسدي ما زال يفيض بالحياة.

جففت شعري وارتديت ملابسي، ثم توجهت إلى غرفة المعيشة.

رينيا كانت تلعب بدمية مهترئة فقدت ذراعها منذ أشهر، بينما رودو يتابع برنامجًا صاخبًا على التلفاز القديم.

جلست أمام الطاولة، وضعت دفاتري، وبدأت بالدراسة.

ليس حبًا في الدراسة، بل لأُبقي نفسي بعيدًا عن الشبهات.

فوالدتي، رغم طيبتها، ليست سهلة الخداع.

تؤمن بالصدف، لكن ليس بتكرارها المريب.

لا أريدها أن تكتشف سر تلك الأموال الإضافية، لذلك أتعمد دائمًا أن أبدو مشغولًا، مركزًا في كتبي، وكأن لا شيء غريب يحدث.

إنها حيلتي الصغيرة… غطائي المثالي.

"مساء الخير..."

أخيرًا، عاد صوت والدتي.

كانت تبدو مرهقة، ملامحها مثقلة بتعب المناوبة الطويلة.

هرعت نحوها فورًا، سلّمت عليها، وحملت أكياس الطعام من يديها نحو المطبخ.

استلقت على الأريكة في غرفة المعيشة، ثم قالت بصوت متعب:

"سأرتاح قليلًا… وبعدها أعدّ العشاء، اتفقنا؟"

تنهدت وهي تضع قارورة ماء باردة على وجهها.

"خذي راحتك يا أمي، ما زال لدينا وقت قبل العشاء."

جمعت دفاتري وأعدتها إلى الحقيبة، ثم وضعتها في غرفتي وعدت إليها مجددًا.

"أمي، هل يمكنني الخروج قليلًا؟ أريد فقط استنشاق بعض الهواء النقي."

لوّحت بيدها دون أن تفتح عينيها، علامة موافقة صامتة.

فتحت الباب وغادرت بهدوء.

أول ما فعلته كان أن أتنفس بعمق… الهواء البارد لامس صدري وكأنه يحررني من شيء ثقيل.

نزلت الدرج ببطء، ثم توجهت نحو السياج الذي يحيط بالمنازل الأربعة المتجاورة.

أسندت مرفقي عليه، أحدّق في السماء التي بدأت تكتسي بلون البنفسج مع غروب الشمس.

من بعيد، كان البحر يمتدّ حتى الأفق، وأمواجه تتراقص تحت الضوء الخافت.

صوت ارتطام الموج بالصخور كان نغمة تهدئ روحي.

شيئًا فشيئًا، بدأت أغرق في خيالاتي…

في ذلك العالم الهادئ الذي لا مكان فيه لأطفال الحيّ ولا لصوت الصراخ.

"مساء الخير يا ليو!"

تجمّدت.

كان الصوت ناعمًا، دافئًا، فيه شيء ساحر… نظرت للأسفل بسرعة.

كانت هناك فتاة تنظر إليّ بابتسامة لطيفة، تلوّح بيدها وعينيها نصف مغمضتين.

"صـ... صوفيا-سان؟!"

4.75

"كيف حالك يا ليو؟"

ذلك الصوت… الهادئ والعذب.

كأنه أنشودة تتردد داخل رأسي، تنساب في أعماقي بهدوء.

"أنا آسفة، هل قاطعت وقتك الخاص؟"

"لـ-لا، لم تفعلي شيئًا. فقط كنت أتأمل البحر وأستمتع بصوت أمواجه... وأستنشق الهواء."

"إييه؟ إذن لماذا تجاهلتني؟!"

ارتسمت على وجهها ملامح استياء طفولي لطيف، رفعت حاجبيها وعبست شفتيها بخفة.

"أ-أنا..." لم أجد الكلمات.

"لقد سألت عن حالك وتجاهلتني! همف، وتركتني واقفة أنتظر ردك لعدة دقائق!"

"انتظري، لحظة واحدة، أنا فقط—"

"هاه؟ هل يعني هذا أنك سئمت رفقتي؟ حسنًا، وداعًا إذن، أنا راحلة!"

"مهلًا، صوفيا، دعيني أشرح لك! لم أقصد حقًا أن أتجاهلك، فقط—"

"بففـ... هاهاهاها! وقعت في الفخ!"

قهقهت وهي تمسك بطنها ضاحكة.

"كان وجهك مضحكًا جدًا! ظننت أنك سترتجف من الرعب!"

تنهدت بارتياح، رغم الإحراج.

ابتسمت بخفة:

"لقد أوقعتِ بي حقًا، صوفيا."

هذه هي صوفيا ليدنبيرغ — فتاة في العاشرة من عمرها، تكبرني بنصف عام، لكنها تبدو أكثر نضجًا.

كانت ملامحها مزيجًا غريبًا من الدفء والهدوء والغموض.

شعرها الكستنائي الطويل يتلألأ بخيوط من الضوء الذهبي، ينساب على كتفيها بموجات ناعمة غير متكلفة.

وجهها البيضاوي الرقيق يشبه لوحة رسمت عند الغروب، والذقن المدبب الصغير يضيف لمسة خجولة لأنوثتها البريئة.

أما عيناها... فهما الحكاية كلها.

عميقتان، بلون الشوكولاتة الداكنة، تتراقص داخلهما ومضات بيضاء صغيرة كنجوم حبيسة في سماءٍ ليلية.

نظرتها تخترق الصمت، كأنها تحمل سرًّا لا تريد الإفصاح عنه بعد.

تحت تلك النظرة، ينسحب أنفها بخجل، تاركًا مساحة لابتسامة هادئة بالكاد تُرى — انحناءة صغيرة للشفاه تشي بالرضا والطمأنينة.

بشرتها ناعمة كالبورسلين، يلونها دفء وردي خفيف على الخدين، كأنها تحتفظ بوهجٍ داخلي لا ينطفئ.

كانت تقف هناك، غارقة في ضوء الغروب الذهبي، تشبه مشهدًا من حلم لا أريد الاستيقاظ منه.

إنها الوحيدة التي رأتني كما أنا... الإنسان الذي خلف كل هذا الألم.

الوحيدة التي أنقذتني من الغرق في وحدتي.

"صوفيا، وقت العودة إلى البيت!"

تجمّدت للحظة.

كان صوت والدها، السيد ريستي ليدنبيرغ، يناديها بنبرة جادة.

رجل ضخم الجثة في الأربعينيات، يقارب طوله المترين، كتفاه عريضان وملامحه صارمة كالحجر.

"حاضر يا أبي!"

التفتت إليّ ملوّحة بيدها بابتسامة مشرقة هامسة:

"أراك غدًا يا ليو!"

مع تقدمه نحونا، لمحت خصلات شعره وشاربه الفضيّين يلمعان تحت الضوء، بينما ملامحه لا تحمل سوى البرود.

عانق ابنته برفق، ظلّ يبتسم لها حتى ابتعدت... ثم تغيّر وجهه فجأة.

"ليستر، اسمعني جيدًا."

اقترب مني بخطوات ثقيلة.

"إياك أن تقترب من ابنتي مرة أخرى، هل فهمت؟"

"نـ-نعم سيدي... أنا آسف."

"جيد جدًا."

غادر دون أن ينظر خلفه.

كنت أعلم السبب.

السيد ريستي يكرهني منذ الحادثة تلك…

بذلك اليوم، لاحقني أطفال الحيّ كعادتهم، ضاحكين، ساخرين، والحجارة تتطاير من بين أيديهم نحو ظهري ورأسي.

كنت أركض بكل ما أوتيت من قوة، أنفاسي تتقطع، وقلبي يخفق كطبل الحرب.

لم يكن أمامي سوى طريقٍ واحد، الطريق المؤدي إلى بيتنا.

هرولت في ذلك الاتجاه، أبحث عن أي ملجأ يحجبني عن نظراتهم الشريرة، ورفساتهم المؤلمة.

وفي لحظةٍ من الذعر، التففتُ نحو الواجهة الأمامية لبيتنا، غير مدركٍ لما ينتظرني هناك.

و مررت بها...صوفيا.

كانت تلعب أمام المنزل مع شقيقتها الصغيرة، تضحكان ببراءة الأطفال، قبل أن تُقاطع ضحكتهما الصافية تلك الحجارة التي أطلقت نحوي.

لم أنتبه سوى على صوت الارتطام، صوتٌ حادٌ كأنه شقّ الهواء ثم صرخة وجيزة.

حجرٌ من تلك الحجارة أصاب جبهة صوفيا مباشرة.

الدم بدأ يتسرب من أعلى جبينها، خطٌ أحمر صغير سال على وجهها الأبيض.

تجمدت في مكاني، وشعور بالذنب اجتاحني كالعاصفة. لم أرَ الأطفال من حولي بعد ذلك، فقد فرّوا مذعورين حين أدركوا سوء ما حدث.

هرعت نحو صوفيا، أرتجف وأنا أتمتم بكلماتٍ غير مترابطة:

"ه-هل أنتِ بخير؟ أرجوكِ، لا تبكي... لم أقصد جذبهم هنا...أنا أسف."

لكن الحظّ لم يكن إلى جانبي تلك المرة أيضًا.

خرج والدها مسرعًا من البيت بعد أن سمع الصراخ، وعيناه تشتعلان غضبًا وقلقًا.

نظر إليّ، وأنا بجانب ابنته المصابة، فاشتعلت نيران الشك في صدره.

قبل أن أنطق بكلمة، اندفع نحوي ودفعني بقوة إلى الجانب الأيسر، سقطت أرضًا ويدي تخدشتا من الحصى.

ركع إلى جانب صوفيا، رفع وجهها بيدين مرتجفتين، وحين رأى الدم على جبينها، تحوّل قلقه إلى غضبٍ عارم.

صرخ بي بصوتٍ جعل قلبي ينكمش:

"ماذا فعلت لها؟!"

لم أجد جوابًا، حاولت أن أشرح، لكن الكلمات خرجت كأنها تتقطع بين أنفاسي.

وقبل أن تتطور الأمور أكثر، وصلت والدتي — كانت عائدة من عملها مبكرًا في ذلك اليوم — ورأت المشهد بعينيها.

ركضت نحوي لتقف بيني وبينه، وبدأت تشرح الموقف بكل ما أوتيت من هدوءٍ وصدق، أنني كنت فقط أحاول الهرب، وأن الحجارة كانت موجهة إليّ لا إلى ابنته.

لكن الرجل لم يهدأ بسهولة.

ورغم أن صوفيا نفسها كانت تحاول التحدث لتبرئني، لم يُصغِ أحدٌ لصوتي أو لصوتها.

وفي النهاية، وجدت نفسي مضطرًا لأن أنحني وأعتذر على أمرٍ لم أفعله.

اعتذارٌ ثقيلٌ كالصخرة، جرح كبريائي أكثر من أي ضربةٍ بالحجارة.

حينها نظر إليّ والد صوفيا بعينين جامدتين، وقال بصرامةٍ لا تحتمل التأويل:

"لا أريد أن أراك تقترب من بناتي مجددًا... وإلا، فسأتعامل معك بطريقتي."

لم أنطق.

اكتفيت بالوقوف هناك، أنظر إلى الأرض، بينما أمي تمسك بيدي وتجرّني برفق نحو المنزل.

ومنذ ذلك اليوم، كلما مررت أمام بيتهم، أنظر إلى تلك الواجهة الحجرية بصمت، وأتذكر تلك اللحظة التي علّمتني كيف يمكن لثوانٍ معدودة أن تغيّر نظرة العالم إليك إلى الأبد.

ومنذ ذلك اليوم، حُظر عليّ الاقتراب من صوفيا مجددًا، تحت تهديد طرق أخرى كما قال.

مرّ وقت طويل بعدها، حاولت الابتعاد عنها، لكن القدر أعادنا إلى نقطة أخرى.

ذات مساء، كنت في طريقي إلى الشاطئ، المكان الذي أهرب إليه من كل شيء.

بين الرمال رأيت سوارًا زمرديًا يلمع تحت ضوء الغروب.

بدا ثمينًا جدًا، فالتقطته وتأملته طويلًا.

فكرت في إهدائه لأختي الصغيرة، لكنني تراجعت عن الفكرة.

كان السوار فاخرا، ولا بد أنه يخص أحدًا من العائلات الغنية.

قررت البقاء هناك حتى المساء، لعل صاحبه يعود للبحث عنه.

لكن حين هممت بالمغادرة، رأيتها… صوفيا.

كانت تبحث بجنون على أطراف الطريق، وجهها مبلل بالدموع، أصابعها تحفر التراب كمن يحاول استرجاع قلبه الضائع.

اقتربت ببطء، همست بخفوت:

"أه... أنو..."

رفعت رأسها نحوي بسرعة، عيناها حمراوان، ودموعها تتساقط بغزارة.

حاولت مسحها بعجلة، لكن عبثًا.

"أنت الفتى من ذلك اليوم... اسمع، أنا آسفة لما فعله والدي، أعلم أن ما حدث لم يكن خطأك. لذا، أرجوك غادر قبل أن يراك!"

"أوه... شكرًا لكِ، لكن هل يمكنني على الأقل أن أساعدك؟"

"لا، لا أريد أن أسبب لك المزيد من المتاعب!"

واصلت الحفر بيديها حتى تأذت أصابعها.

لم أتحمل المشهد.

"م-ما الذي تبحثين عنه بالضبط؟"

توقفت فجأة، وانفجرت بالبكاء.

"لقد أضعته... شيئًا ثمينًا من أمي! كان إرثًا من جدتي، لا أريد أن تكرهني بسببه!"

"هل هو... سوار؟"

أخرجت السوار من جيبي.

تسمرت في مكانها لثوانٍ، ثم ركضت نحوي وأمسكت به بكلتا يديها.

نظرت إليه طويلاً، ثم انهارت على ركبتيها تعانقه بقوة، والدموع تتساقط من جديد.

"شكرًا... شكرًا جزيلاً لك! أنا ممتنة لك حقًا!"

رفعت رأسها نحوي وابتسمت من خلال دموعها:

"أنا مدينة لك، أمم... ما إسمك؟"

"أ... أنا ليو... ليو ليستر."

"تشرفت بمعرفتك يا ليو. أنا صوفيا ليدنبيرغ... ومن اليوم، أنا و أنت سنصير أصدقاء!"

ذلك اليوم...

كان التاريخ الوحيد الذي لا أستطيع نسيانه.

اليوم الذي منحتني فيه صوفيا معنى جديدًا للحياة.

لعبنا و تحدثنا في الخفاء عن والدها، نلت لطف المعاملة من والدتها، التي لطالما حكت لها صوفيا عني، و التي تعلم جيدا بأنني لست المذنب في تلك الحادثة!

أدركت حينها...لم أعد وحدي 100% تمامًا بعد الآن.

5

مرت الأيام بسرعة... أسبوعان فقط يفصلاننا عن الامتحانات النهائية.

كنتُ أستيقظ باكرًا كل يوم، أراجع كتبي القديمة، وأملأ دفاتري بالملحوظات الصغيرة التي لا تفهمها سواي.

كنتُ أدرس بجدٍّ غريب حتى بالنسبة لي، وكأن شيئًا في داخلي يرفض أن أُهزم مجددًا أمام الحياة.

مرّ الأسبوعان، وجاء اليوم المنتظر.

ثلاثة أيام كاملة من الاختبارات.

اليوم الأول كان مخصصًا للغة العربية، التربية الإسلامية، ثم الفنون.

اليوم الثاني للرياضيات، اللغة الفرنسية، والرياضة.

أما اليوم الثالث والأخير فكان للتاريخ والجغرافيا.

حين جلستُ في قاعة الامتحان، شعرتُ بأنفاسي تثقل شيئًا فشيئًا.

القاعة كانت خانقة رغم أن النوافذ مفتوحة على مصراعيها.

همسات الطلبة، أصوات الأوراق، وصدى الأقلام وهي تكتب بخوف... كل شيء بدا مألوفًا، لكنه مرهق للعقل.

أجبت على أسئلة اللغة العربية بثقة غير معتادة. الكلمات تنساب من رأسي إلى الورقة كأنها كانت تنتظر تلك اللحظة.

التربية الإسلامية كانت سهلة، بل مريحة... أما الفنون، فكانت فوضى كاملة.

لم أكن بارعًا في الرسم قط، وكل ما رسمته كان أشبه بخطوط يائسة تحاول التشكل دون جدوى.

اليوم الثاني كان الأشد صعوبة جسديًا.

الرياضيات أنهكت عقلي، واللغة الفرنسية أرهقت لساني، لكن الرياضة...

الرياضة كانت كابوسًا.

أجساد زملائي تلمع بالعرق تحت الشمس، يتسابقون بخفة، يضحكون، يصرخون.

أما أنا، فكنتُ أتعب بعد أول لفة.

قدماي ترتجفان، وصدري يحترق.

"هيه، أسرع أيها نحيف!" صاح أحدهم.

ضحك البقية، بينما كنتُ أحاول أن لا أنهار أمامهم.

كانت تلك اللحظة كافية لتعيد إليّ كل ذكريات السخرية والضرب والإذلال.

اليوم الأخير مرّ ببطء، أسئلة التاريخ والجغرافيا لم تكن صعبة، لكن حفظها كان أشبه بحمل جبل من الكلمات على كتفي.

كتبت ما استطعت، والباقي تركته للقدر.

وحين انتهت الامتحانات أخيرًا...

جلستُ في مقعدي الأخير أتنفس بعمق.

"فيووه..." زفرتُ بارتياح، بينما أراقب الطلبة وهم يغادرون القاعة بوجوه متعبة وسعيدة.

انتهى الجحيم أخيرًا، وبقي أسبوعان فقط على بداية العطلة الصيفية.

شعرتُ أن قلبي أخيرًا يستطيع أن يهدأ.

لكن… يبدو أن القدر لا يريد لي راحةً بعد.

بينما كنتُ أجمع أدواتي، انحنى إيبا نحوي وهمس بصوت منخفض قرب أذني:

"ليستر، قابلني بعد المدرسة."

توقفت يدي عن الحركة.

كانت نبرته حادة، مشتعلة بالغضب، حتى أن أنفاسه بدت أثقل من المعتاد.

لم ينظر إليّ أكثر من ثانية، ثم غادر، يجرّ حقيبته خلفه بقوة، والشرر يكاد يخرج من عينيه.

تجمّدتُ في مكاني.

شعرتُ بأن الهواء من حولي اختفى.

همست لنفسي بصوت بالكاد سمعته:

"هل سيكون يومًا آخر من الألم...؟"

رفعت رأسي نحو النافذة، كانت أشعة الشمس تصطدم بزجاجها وتنعكس في وجهي، لكنها لم تشعرني بالدفء.

بل بالحرق.

ألا يمكنني، ولو لمرة واحدة، العودة إلى المنزل دون أن أُضرب؟

فقط... مرة واحدة…

قبضتُ على يدي بقوة حتى شعرتُ بأظافري تنغرس في كفي.

ثم همستُ بخفوتٍ مبحوح:

"لو كان لي أخ أكبر... شخص يقف بجانبي... شخص يقول لهم كفى... يا ليت…"

5.5

"دائمًا، دائمًا، دائمًا ما أُعامل كنكرة!"

"لماذا!؟ لماذا أسمع اسمه يتردد في كل مكان؟!"

"إينيس متفوق بالدراسة، إينيس يتفوق عليك بالرياضة، إينيس يتفوق عليك بأداب الطعام، إينيس بارع في المحادثات، إينيس، إينيس، إينيس!!"

كانت صرخات إيبا ترتطم بجدران الساحة الخلفية للمدرسة كما يرتطم البرق في ليلٍ عاصف.

ركلاته تنهال عليّ بلا رحمة على كتفي، على معدتي، على جانبي، في كل مكان ما عدا وجهي.

كان المكان خاليًا تمامًا، خلف المبنى، حيث لا أحد يمرّ عادة.

التراب يعلو في الهواء مع كل ضربة، والألم يغمرني كموجة باردة في صدر الصيف.

صرخ مجددًا وهو يلهث:

"لماذا لا أحد يلاحظ جهدي؟! لماذا لا يهنئني أحد؟! هل أنا مجرد أداة تُستخدم لمقارنة عائلة فورد؟!"

كلماته كانت مشتعلة كقلبٍ يحترق بالغيرة.

ركلاته أصبحت أكثر فوضوية، أقرب إلى العمى.

ثم فجأة، فقد السيطرة على جسده، وركلة طائشة اندفعت نحو وجهي.

في تلك اللحظة... تجمد الزمن.

توقف كل صوت.

حتى قلبي نسي كيف ينبض.

جسدي تحرك من تلقاء نفسه.

وبحركة غريزية، أبعدت قدمه قبل أن تصل إلى وجهي.

كأنّ الألم نفسه قد دفعني للتحرّك.

توقف كلانا.

عيناه اتسعتا، والدهشة تجمدت على وجهه.

نظر إليّ بغضبٍ صامت، وأنا أنظر إليه بإنزعاج لم أشعر به من قبل.

لم أكن خائفًا... بل ضجرًا.

لطالما تجنبت المشاكل من أجل والدتي، فقط لأني لا أريد أن أكون عبئًا عليها.

لكن يبدو أن حدود الصبر قد تجاوزت اليوم.

صرّ إيبا بأسنانه، جسده يهتز من الغضب:

"أيها الـ—!"

لكن صوتًا ثالثًا مزّق صراخه: "توقف حالًا!"

توقف كل شيء.

استدرت ببطء نحو الصوت، لأرى فتاة تقف على بعد خطوات قليلة، شعرها يتحرك مع الريح، وعيناها تلمعان بتصميم لا يشبه الخوف.

"ألم يكفك ما فعلته به حتى الآن، إيبا-كن؟! حتى لو كانت مشاكلك تمثل البحر كله، ليس من حقك أن تُفرغها على الناس كما تشاء!"

عرفت الصوت قبل أن أرفع رأسي تمامًا.

"ش–شيري...؟" تمتمتُ دون وعي.

نظرت إليّ ثم صوبت كلامها نحوي:

"أنت أيضًا مذنب يا ليو! لماذا تسمح له بفعل هذا بك دون أن تُبلّغ عنه؟!"

"أ-أنا لم-" تلعثمت، لكن إيبا قاطعها بصوتٍ متهكم:

"أرغه! لا تتدخلي في شؤوننا نحن الرجال!"

رفعت حاجبها بابتسامة باردة:

"أوه؟ شؤون رجال؟ إذًا ما الذي تفعله أنت هنا بالضبط."

يا إلهي... كلماتها كالسيوف!

أحسست أنني في منتصف معركة لا أملك فيها سوى التفرج.

ضحك إيبا بسخرية:

"هاها، مضحك جدًا. أنت محظوظة لأنك فتاة، وإلا لكنتِ تلقيتِ درسًا في الأدب!"

خطت نحوه نصف خطوة، وعيناها لا ترمش:

"وما الذي يمنعك الآن؟ هل تخاف أن تلمس من هي أكثر رجولةً منك؟"

يا ساتر...

حتى أنا تراجعت خطوة للوراء من قوة الرد.

احمرّ وجه إيبا غيظًا، قبض على حقيبته بقوة حتى اهتزّ كتفه:

"تجاوزتِ حدودك، شيري-تشان... وسأحرص على أن يدفع ليستر الثمن!"

"هاه؟!" نظرت إليه بدهشة و همست بداخلي:

"لماذا أنا؟! لم أقل شيئًا أصلًا!"

مرّ بجانبي كعاصفة غاضبة، حقيبته تضرب فخذه وهو يبتعد بسرعة.

بقي صدى خطواته يبتعد تدريجيًا حتى اختفى تمامًا.

تنفستُ بعمق، جسدي يصرخ من الألم.

كل ضربة تلتهب كجمرة تحت جلدي.

شيري كانت لا تزال واقفة، تتابع رحيله بعينين جامدتين.

"ش–شكراً... شكراً لتدخلكِ." صوتي خرج ضعيفًا، متقطعًا.

استدارت نحوي ببطء.

كانت نظرتها مختلفة هذه المرة، ليست غاضبة فحسب... بل حزينة.

قالت بصوت هادئ لكنه مشحون بالانفعال:

"ليو ليستر... لماذا تدعهم يستغلونك مثل كيس ملاكمة؟ أنا أكره المتسامحين أكثر من الجبناء... أكره من يرضى بالذلّ وهو قادر على الوقوف!"

"ل-لكن إن عارضتهم-"

"توقف عن كونك ضعيفًا. تشجع، فقط مرة واحدة... لنفسك!"

أطلقت أنفاسها بعنف، كمن فرّغ شيئًا كان يثقل صدره منذ زمن، ثم أغمضت عينيها قليلًا.

"الوداع... فقط فكر في كلامي."

مدّت يدها وقدمت لي حقيبتي الممزقة.

وحين نظرت داخلها لاحظت شيئًا غريبًا...

جميع دفاتري المبعثرة قد جُمعت بعناية داخلها.

حتى الغلاف الممزق أعيد لصقه بشريطٍ لاصق صغير.

رفعت رأسي نحوها، لكنّها كانت قد ابتعدت.

خطواتها الخفيفة تلاشت مع صوت الريح.

احتضنت حقيبتي بقوة،

وعيناي لم تحتمل أكثر.

دموع ساخنة سالت على وجهي، تسقط على الأرض الترابية واحدة تلو الأخرى.

لم أعد أحتمل هذا العجز، هذا الضعف، هذا العالم الذي يدهس من لا يملك شيئًا.

"كيف لي أن أرد عليهم؟ وهم يملكون القوة والنفوذ... وأنا مجرد حشرة وضيعة أمام عالم الطبقات والمصالح…"

شهقتُ بصوتٍ مرتجف، وبكيت بحرقةٍ مكتومة،

حتى شعرت بأن صدري سينفجر.

لم يكن البكاء خيارًا…

كان المنفذ الوحيد المتبقي لي.

6

كانت كلمات شيري تتردد في رأسي طوال الطريق إلى العمل.

كل خطوة أخطوها كانت تُعيد صدى صوتها الحادّ:

"توقف عن كونك ضعيفًا، تشجع، فقط مرة واحدة!"

كانت على حق.

كلامها كان قاسيًا، لكنه صادق.

لم أستطع حتى أن أكرهها على غضبها مني، لأنني كنت أكره نفسي أكثر.

أنا الجبان الذي يرضى بالضرب والإهانة، ثم يكتفي بالصمت والدموع.

وصلتُ إلى المحل بعد دقائق من السير، والهواء المسائي يلامس وجهي المرهق.

"مساء الخير يا صاحب المحل!"

رفع الرجل رأسه من خلف المنضدة، وهو يمسح يديه بالمنديل القطني:

"ليستر! مساء الخير، كيف حالك الي—"

توقف فجأة عندما رأى الكدمات على عنقي ويدي.

"أرغه... مجددًا؟! هل حقًا لا تحتاج مساعدتي لتلقين أولئك الصعاليك درسًا؟!"

ابتسمتُ بخجلٍ خافت:

"ل–لا عليك... فقط تجاهل أفعالهم، لا أبالي بهم. في رأيي، هم مجرد أطفالٍ رضعٍ يحاولون التنفيس عن غضبهم وإحباطهم نحوي."

قطّب حاجبيه، وهمّ بالرد، لكنني قاطعته لأول مرة بنبرة مختلفة، ثابتة، مشتعلة من الداخل:

"و مع ذلك…"

تقدّمت خطوة، ورفعت رأسي نحوه:

"أحتاج مساعدتك يا صاحب المحل! لقد اكتفيت من كل هذا… من الضعف، من الخوف و الظلم، من كوني مجرد ظل! أريد أن أصبح قويًا، أن أكون شخصًا قادرًا على الوقوف أمامهم بثقة لا تزعزعها الجبال! هل... هل يمكنك مساعدتي لأكتسب القوة؟!"

ساد الصمت للحظة.

نظر إليّ الرجل طويلًا، نظرة ثقيلة لكنها دافئة.

كأنّه يحاول التأكد من أن ما يقوله الصبي أمامه حقيقي، لا مجرد انفجار مؤقت من الحماس.

أخفضت بصري للحظة، لكني رفضت التراجع.

لأول مرة في حياتي، لم أرد أن أهرب من نظرات أحد.

كل ما في صدري كان واضحًا… كأن قلبي نفسه يتحدث.

ثم...

ضحك صاحب المحل فجأة، ضحكة صافية خرجت من القلب.

"هاهاهاها! أخيرًا! أخيرًا قررت الخروج من شرنقة الضعف يا فتى!"

ربت على كتفي بقوة، ثم فرك شعري بابتسامة فخورٍ كأب يرى ابنه يكبر أمامه.

"أكمل مهامك لليوم، وبعدها ستجدني قد أعددت لك قائمة بالتدريبات اليومية، لا تقلق، هذه التمارين لن تكسرك... بل ستبنيك!"

ابتسمتُ له، انحنيت باحترامٍ خفيف، وقلت بصوتٍ متأثر:

"شكراً... شكراً جزيلا لك، يا صاحب المحل."

ابتسم وهو يعود إلى عمله، بينما حملتُ الصناديق الخشبية المعتادة وبدأت بتنظيف الرفوف.

لكن قلبي لم يكن ككل مرة… كان ينبض بسرعة، بقوة، كأنه يسمع موسيقى جديدة لم يعرفها من قبل.

الليلة لم تكن مثل أي ليلة.

الليلة كانت أول مرة أقول فيها “أريد أن أكون قويًا” من أعماق قلبي.

من أجل أمي... من أجل رينيا ورودو...

ومن أجل نفسي قبل الجميع.

سأتخلى عن ضعفي كما قالت شيري، وسأبدأ من الصفر.

سأتعلم.

سأقاتل.

سأصبح من يقف أمامهم بلا خوف.

لطالما عشتُ حياتي صامتًا، أحتقر نفسي يومًا بعد يوم،

لكن إن كانت هناك فرصة، ولو ضئيلة، لتغيير مصيري…

فأنا سأسعى إليها، بكل ما تبقى لي من نفس.

سأسعى للعلم...و سأسعى للقوة...

إذا كان ذلك هو الطريق الوحيد لتغيير أيامي السوداوية…

فليكن.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وصي الظلام Custodian Of Darkness

المؤلف Arkan Dilan
2025/10/21 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة