قطرة ماء باردة سقطت على جبينها، أيقظتها كصفعة.
فتحت عينيها ببطء، جفناها ثقيلان كأنهما يحملان حجراً.
لم يكن أمامها سقف مألوف، بل ألواح خشبية متشققة، تتدلى منها خيوط عنكبوت لامعة بفعل الرطوبة.
أصوات خافتة تأتي من مكانٍ بعيد… تقاطر ماء… تكتكة معدنية… وأنفاسها التي تخرج متقطعة وكأن صدرها ضاق بها.
حاولت النهوض، لكن كتفيها كانا ملتصقين بجدار بارد ورطب.
حين رفعت يدها، شعرت بأن أصابعها متيبسة من البرد، وما إن نظرت إليها حتى تجمدت في مكانها.
تحت أظافرها، خط أسود من طين مختلط بدم داكن، جاف في بعضه ورطب في أجزاء أخرى.
الغثيان ارتفع إلى حلقها، لكن رائحة المكان… مزيج من الخشب العفن والمعدن الصدئ… جعلتها تتوقف عن التنفس لثوانٍ.
ضوء باهت كان يتسلل من نافذة صغيرة عالية، مرسوم على الأرض كخط أبيض رفيع.
وبجانب هذا الخط، كان المفتاح… نفس المفتاح الصدئ الذي كان في يدها قبل أن تفقد الوعي.
لم تتذكر متى أو كيف وصلت إلى هنا، لكن عقلها أعاد إليها ذلك الصوت مرة أخرى، أعمق هذه المرة، أقرب:
"حين يفتح الباب… لا تلتفتي."
شعرت بشيء يتحرك في الظل، في أبعد زاوية من الغرفة.
لم يكن صوت خطوات، بل خشخشة خفيفة، كما لو أن شيئاً يجر نفسه على الأرض.
الضوء لم يصل إلى تلك الزاوية، لكن حدسها أخبرها أن هناك عينين تراقبانها.
وبينما كانت تحدق، شعرت بأن الهواء تغيّر فجأة… أصبح أثقل، وأبطأ، وكأن الغرفة كلها حُبست في نفسٍ واحد ينتظر أن يُطلق.
لم تعرف إن كان يجب أن تصرخ… أو أن تبقى ساكنة حتى لا تنتبه إليها تلك الظلال.
ثم جاء الصوت… هذه المرة من خلف الباب.
خبطتان… بطيئتان… متباعدتان.
وبعدهما، همسٌ لا يشبه صوت إنسان.
الخبطتان خلف الباب لم تتكررا… لكن الهمس بقي.
لم يكن همساً عادياً، كان أشبه بجرحٍ يئن، أو صوت ماءٍ يتسرب من بين شقوق الخشب.
ليان التصقت بالحائط أكثر، تحاول أن تُبقي أنفاسها خافتة، لكن قلبها كان يخونها، يدق بقوة تكاد تفضحها.
أخذت تحدق في الخط الأبيض من الضوء على الأرض، يزداد ضيقاً كلما بدأ القمر يختفي خلف الغيم.
يدها امتدت ببطء نحو المفتاح الصدئ، أصابعها ترتجف كأنها تلمس شيئاً حيّاً.
الحديد كان بارداً، وزلقاً من الماء الذي لم تعرف مصدره… لكن وزن المفتاح في يدها كان أثقل مما يجب، وكأن داخله يحمل شيئاً.
صوت خدشٍ خفيف انطلق من الزاوية المظلمة في الغرفة.
توقفت يدها عن الحركة، عيناها اتسعتا وهي تحدق في العتمة…
شيء كان هناك، تتحرك أطرافه ببطء، ثم تلمع عينان، صغيرتان، ثابتتان عليها.
لم تستطع أن تحدد إذا كان إنساناً يزحف، أو حيواناً ضالاً، أو… شيئاً آخر.
الهواء صار أكثر برودة فجأة، وأنفاسها تحولت إلى بخار أبيض يتلاشى في الظلام.
ومن خلف الباب، ارتفع الصوت أكثر، كأنه يقترب، لكن لا توجد خطوات… فقط ذلك الهمس الذي صار الآن واضحاً، يتشكل في كلمات غريبة، ليست بالعربية، ولا بأي لغة سمعتها من قبل.
أحد الألواح الخشبية في الباب بدأ يهتز ببطء، ثم انكسر فجأة، لتظهر فتحة صغيرة يتسلل منها ضوء الممر الخارجي.
الضوء لم يكن مطمئناً… كان مائلاً إلى الأحمر، كضوء مصباح تحذير.
في نفس اللحظة، الشيء في الزاوية بدأ يتحرك نحوها، زحف بطيء لكنه ثابت، وصوت احتكاك جسده بالأرض جعل معدتها تنقبض.
لم تجد سوى خيارين:
الركض نحو الباب ومحاولة فتحه.
أو البقاء والانتظار حتى تكتمل خطوات ذلك الشيء نحوها.
أخذت نفساً عميقاً، ضغطت على المفتاح بكل قوتها حتى غاص في راحة يدها، ثم اندفعت نحو الباب.
لكن قبل أن تصل، توقف كل شيء… الصوت، الحركة، حتى اهتزاز الضوء.
كأن الزمن نفسه قرر أن يحبس أنفاسه.
ثم… ثلاث طرقات قوية هزّت الغرفة.
هذه المرة، الصوت لم يأتِ من الخارج… بل من داخل الغرفة، خلفها مباشرة.
الثلاث طرقات دوّت في الغرفة، ثم تبعتها رجفة خفيفة جعلت الغبار يتساقط من السقف.
ليان تجمدت في مكانها، كل عضلة في جسدها تشنجت، وعيناها تحركتا ببطء نحو الظلام خلفها.
لكن الظلام كان أعمق مما يجب… كأنه ابتلع أي شكل أو حركة.
وبينما كانت تحاول التراجع نحو الباب، انطلقت فجأة من الأعلى قطرة ماء أخرى، لكنها هذه المرة كانت دافئة.
رفعت يدها تتحسس شعرها، لتكتشف أنها ليست ماء… بل دم.
نظرت إلى الأعلى، فلم ترَ شيئاً، سوى الخشب المتآكل الذي كان يقطر… ببطء شديد… قطرات داكنة اللون.
المفتاح في يدها بدأ يبرد أكثر، حتى شعرت بوخز في أصابعها.
ومع كل وخزة، كانت صورة ومضة تظهر في ذهنها: يدٌ أخرى تمسك بنفس المفتاح، مغطاة بالدم، وصوت صراخ مكتوم يبتعد.
قبل أن تستوعب، انطفأ الضوء الأحمر خلف الباب فجأة.
الغرفة غرقت في ظلام دامس، حتى أنها لم تعد ترى يديها أمام وجهها.
ومن مكانٍ ما في الجدار، سمعَت صوت حفيف، يشبه صوت ورقة تُسحب ببطء.
la regina 👑🎀