أنا لستُ هي

أنا لستُ هي

15 0

أنا لستُ هي

قطرات المطر تتساقط على الأرض المعبقة  بالأتربة بتناغم رائع تُحدث معزوفة خاصة مع الرياح في ليالي ديسمبر، تسير بخطوات متعثّرة بينما صوت البرق في السماء يسرد معاناة الكثيرين، جسدها يرتجف مثل قط سقط في حوض مليء بالمياه الباردة.

خصُلاتها البنية الكثيفة التصقت بوجهها، مقلتيها يشع منهما غضب كبير أو ربما ألم؛ مشاعر مبعثرة تنبثق مِن داخل مقلتيها الزرقاء، غضبها يُشبه غضب البحر وهو يبتلع آلاف السفن داخله بعد قضاء شجار قوي مع السفن على مَن منهما أشد قوة.

وجهها كالقمر ولكن يطغو عليه الألم، تتنفس بعنف صدرها يعلو ويهبط لا تعبأ بالأجواء حولها تصطدم بالمارة الذين يركضون لتجنب الأمطار، تجر قدميها نحو الأمام تجبر جسدها على مقاومة حالتها المضطربة.

تدور حرب طاحنة داخلها تخشي كثيرًا أن يبتعد عنها ويصدق تِلكَ الأحاديث الخاطئة التي تدور عنها هُناك ألم كبير يحتل قلبها مِن فكرة أن يبتعد عنها ويتركها وحدها في هذه الحياة القاسية.

  نيران مدمرة تشتعل في قلبها مثل بركان يثور يدمر كل ما يقف في طريقه، وضعت يدها بضعف فوق قلبها بألم يغزو روحها تصارع وتصارع كل يوم اتهامات مختلفة الأ يكفي ذلك المرض الذي ينهش جسدها كل ليلةً.

توقفت أخذت تبحث عن أحد المقاعد لترحم جسدها الضعيف جلست على مقعد خشبي ذو لون بني غامق  يتسع إلى شخصين فقط يقع أمام البحر الثائر تتمنى ألا يظن بها سوء ويصدق أحاديثهم رفعت أنظارها نحو الأمام وحاجبيها  معقودان بخذلان.

لا تعي لشيء حولها تنظر أمامها بطبقة رقيقه مِن الدموع تمنعها مِن الرؤية، تبصر الأمواج كيف تضرب ببعضها البعض بغرابة وكأنهم أعداء، نهضت تسير خطوتان لتقف قرب البحر ترى الصخور الزلقة أمامها قبل أن تغوص أسفل المياه شبح بسمة ضعيفة أحتلت ثغرها.

وثوبها الحريري ذو اللون الأسود الذي يضيق من على خصرها ويهبط باتساع إلى ما بعد ركبتيها تبلل كليًا حرك الهواء الثوب بخفة بسيطة منه لكي لا يلتصق بجسدها النحيل أخذ الثوب يلتف حولها  بينما خصلاتها تتطاير إلى الوراء.

ثغرها ملطخ بحمرة زهرية  ووجهها ملوث بالكحل الأسود الذي كان يزين مقلتيها سابقًا يهبط مِن مقلتيها إلى وجنتيها بخجل وكأنه يخجل مِن تلطيخ وجهها ترى البحر كيف يحرك القارب الخشبي الصغير داخله  ويسحبه ببطء مثل لعبة الدولاب تدور ببطء ثم تبدأ بالدوران بقوة كبيرة  دون الاكتراث بهلع مَن بها.

ابتلعت الأمواج القارب الصغير إلى الأسفل ليصبح مصيره حطام ليلة عاصفة مِن عواصف البحر، مثلي تمامًا لقد أصبحت حطام بشرية جسد يسير دون روح أشبه الجثة بعدما فراقتها روحها العزيزة جسدها وكأن ماضي أمي يأتي مجددًا ليصبح حاضري.

رفعت رأسها نحو السماء تبصر ضوء البرق ينطلق في خط مستقيم نحوها  تشاهد مصيرها الجديد يأتي إليها دون اكتراث بما سيحدث، شعرت بيدين انتشلتها بقوة للخلف اصطدمت بصدر صلب  تعلم  يخص مَن  مِن رائحة عطره المميز صوت دقات قلبه الذي ينبض بعنف هي كُل ما أستمعت إليه و يديه تشدد مِن ضمها لا تعي كل ذلك، استغرقت دقيقة لتنتبه على صوته يصدح بقلق وهو يتفقدها:

_سيلينا عزيزتي أنتِ بخير؟،هل أصابكِ شيء أخبرني لا تصمتي هكذا؟.

أردف وهو يضمها مجددًا إليه يُطمئن قلبه أنها بخير يمحي الخوف الذي  أحتل ملامح  وجهه القاسية يطمئن قلبه الذي يرتعد مِن فقدانها، يتنفس بعنف يشدد مِن ضمها إليه بينما مقلتيه السوداء أخذت يتساقط منهم الدموع مِن فكرة فقدانها وخصلاته تخفي وجهه بينما هي حينما استشعرت خوفه اطمئن قلبها قليلًا  لتعلم أنهُ لا يصدق تِلكَ الاتهامات البشعة بحقها لتعطي لجسدها أذن الانهيار لتسقط فاقدة للوعي بين ذراعي زوجها الحبيب وآخر ما استمعت إليه هو صراخه باسمه بصوت مرتعب.

"لعبة آخرى تلعبها معي الحياة كأن الحياة تتلذذ بالغدر بي، تغدر بي كل مرة أُدير ظهر لها تطعنُني دون شفقة بحالتي الضعيفة."

•••

أصوات كثيرة تضرب رأسي بألم قوي، صوت شجار كبير كل ما أستمع إليه، طنين مزعج يعبث بي في لُعبة يعلم أنني سأهزم بها، ألم قوي ينتشر داخل جسدي بسرعة البرق لا أستطيع النهوض ورؤية ماذا يحدث حولي ضباب كثيف أجلس أنا به ولا أستطيع المغادرة منهُ.

رفرفت بأهدابها الكثيفة ببطء قبل أن تبلل شفتيها الجافتين، حركت أناملها حركة بطيئة تشعر بألم عميق ينتشر داخل أوردتها بسرعة فائقة، مضت دقائق فقط استطاعت بها فتح  عيناي بها لأبصر أمامي زوجي "سليم" و ابن عمتي في ذات الوقت  يتشاجر مع أبي ووالدته بصوت مرتفع بالردهة التي تُقرب غرفتي فنحن نسكن في بنايتنا الخاصة كل شخص يمتلك منزل في تِلكَ البناية، ولكن المثير للريبة هُنا ماذا تفعل العائلة في منزلي؟  بل في ردهة منزلي؟  في هذا الوقت المتأخر؟.

لقد أشرفت الساعة على الثانية عشر مُنتصف الليل، وما هذا الذي في يدي؟، ماذا حدث ليّ، كيف أتيت أنا إلى هُنا أوه لقد مضى وقت كثير عندما فقدت وعيي بين يدي "سليم" في الطريق ماذا حدث ليّ  والأهم هُنا لِمَ "سليم" غاضب هكذا.

اخذت "سيلينا"  تهمس إلى ذاتها بتساؤل وفضول مزعج يهمس داخل رأسها بصوت خبيث أن عليها النهوض مِن الفراش والذهاب للخارج لتعلم ماذا يحدثُ، نزعت الكانول الطبي مِن بين أوردتها بلا مبالاه كل ما تريد هو أن تعلم ما يحدث في الخارج الآن، جلست نصف جلس تتنفس بعنف تشعر أن جسدها يُشبه الصخور الثقيلة لا تستطيع النهوض تشعر بثقل يجثو فوق قلبها، لا تعلم ولكنها تشعر بأن هُناك شيء سيء سوف يحدث معها وضعت يديها على موضع قلبها النابض فوجدته ينبض بعنف وكأنها كانت تركض لأميال في ماراثون وليس محاولة للنهوض مِن الفراش الوثير!.

نهضت مِن فراشها الحبيب بصعوبة تقف في  مُنتصف الغرفة  بعد محاولة كثير لجر قدميها للسير وقفت تبصر الغرفة تدور بها، حوائط الغرفة ذات اللون البني الممتزج مع الأبيض في مزيج كلاسيكي رائع تقترب منها بقوة تضيق عليها، هزت رأسها يمينًا ويسارًا ببطء وشعرها يدور حول وجهها في مشاكسة لطيفة ليستيقظ جسدها مِن حالة الضعف التي تملكه لتو توقفت أمام الباب تستند عليه.

وهُناك صراع عنيف يدور داخلها، أصوات كثيرة تضرب رأسها دون إنذار، أنفاسها لا تستطيع التقاطها تُسلب منها بكل قذارة، مالت براسها على الباب تغلق مقلتيها قليلًا لعله هذا يحسن مِن وضعها ولكن قد تيبثت جسدها الهزلي بل شلت بالكامل وهي تستمع إلى صوت والدها يصدح بشيء حطم الكثير داخلها، مشاعر كثيرة تضرب بها بكل عنف بين الصدمة والخذلان.

ماذا يحدث بي لِمَ أنا ما يحدث معه هكذا هل هم حقًا محقون عندما اخبروني أنني فتاة سيئة الحظ تجلب الحظ السيئ للجميع، ياألله أنا لِم أفعل شيء يا ألله.

تمتمت بصوت يملؤه البكاء ومقلتيها ينهمر منهما مُحيطات تتساقط مِن أعماق بحور عينيها العاصفة، أمواج عاصفة تضرب بلا مقومة داخل عينيها عندما تنظر إليهم تبصر بحر ثائر يغرق كل ما به مِن سُفن قوية وكان لا مفر مِن مصير محتوم.

•••

بينما في الردهة المشحونة برائحة مشاعر سلبية تحوم في المكان، أصوات كثير متداخلة نبصر "سليم"  يقف صدره يعلو ويهبط مِن فرطة الغضب الذي يدور داخله، غضبه يتفاقم رويدًا رويدًا داخل أوردته، خصُلاته تتساقط على وجهه في مشهد غاية في العبث لا يمتزج مع الأجواء المضطربة، عينيه تُطالع عمه "مالك المحمدي"  بنظرات ناري كنظرات طائر يحمي أطفاله مِن خطر يهدد حياتهم.

أزاح خصُلات شعره مِن على مقلتيه يجوب الغرفة بعينيه يرقب ما يدور بخالدهم قبل أن ينفرج ثغره بحديث بنبرةً حادة لا يعب بأن الحديث موجه إلى والدته وعمه الذي يعتبره أبًا له، الدماء تفور داخل جسده يشعر بغليان الدماء داخل أوردته:

_ أعتذر كثيرًا يا عمي عن حديث هذا ولكنني لن أسمح لأي شخص مهما يكن أن يهين زوجتي أمامي أو خلف ظهري وأنا على قيدة الحياة.

صمتَ يتنفس بمشاعر ثائرة قبل أن يردف مجدد بألم يمتزج بستنكار يتراقص فوق عينيه:

_بالله كيف تتحمل أن تُهينها هكذا بحديثك القاسي، تعقبها على ذنب ليس لها يد بها، هي ابنتك الوحيدة يا عمي هي ليست تِلكَ المرأة الخائنة التي تركتك وحدك وفرت هاربة مع آخر،  هل يمكنك أن خبرني ما ذنبها لتُعقبها على جريمة لم تفعلها؟، هل تعقبها لأنها تشبه والدتها! حقًا.

استدار يتنهد بضيق يجثو على صدره يزفر نيران إذا انطلق الاحراقة الأخضر واليابس، استدار إليهم مرة آخر يطالعهم بأسى يملأ الخذلان:

_ لا أعلم لم تفعلوا بها هذا منذ الصغر وأنتم تعقبها على أشياء غبية تتلذذون بتعذيبها، وأنتِ يا أمي أخبرني هل سبق وأن تفوهت سيلينا بشيء وأنتِ تنهلين عليها بحديثك القاسي دون شفقة، أخبروني فقط اليس لديكم قلب، هل تشعرون مثلنا حقًا! وذلك القلب المتحجر داخل صدوركم يشعر بالم أم يتلذذ مِن تعذيب الآخرين فقط!.

_سليم لا تتواقح في الحديث لا تنسى أنك تتحدث إلى والدتك وعمك وليس أحد أصدقائك الأغبياء؟، توقف عن وقحتك تِلكَ أجزم أن هذه الفتاة الوقحة هي مَن بخت سمومها إليك عنا، تريدك أن تكرهنا وتظهر هي الملاك البريء تشبه امها حقًا كانت هكذا دائمًا، لم تأخذ ملامح  والدتها فقط بل وقحتها وخبثها.

_والدتك معه كامل الحق سليم، هذه الفتاة هي ليست بريئة مثلما تدعي بل ماكره تدعي البراءة.

أردف "مالك"  بملامح باردة تحتل وجهه الحنطي والقسوة  احتلت ملامح وجهه الجذاب موطن لها، ينظر ببرود كبير يطغو على وجهه بينما جسده معضل عريض المنكبين جسده رياضي لا تكاد تصدق أن هذا الرجل على مشرف إتمام الخامس والأربعون!  عجبًا يمتلك خصلات ذات لون أبيض انتشرت داخل ظلام خصُلاته الكثيفة المجعدة.

يتنفس ببطء كبير وكأنه سلحفاة صغيرة تستكشف كيف تتنفس لأول مرة، مشاعر كثيرة تعبث بجسده، عقله يخبره أنها تستحق تِلكَ المعاملة بينما قلبه يعتصر بشفقة على ابنته الصغيرة يريد أن يذكره بطفولتها كيف كانت، يخبره أن هذه الجوهرة الثمينة التي أحتفظ به مازالت نظيفة لم تلوثها الأيام، بين هذا وذاك يقف هو ببرود لا يعبأ بشيء هذا ما يظهره إلى الجميع يخفي به ضعف وهو يشرد في الماضي،يتذكر كيف احب زوجته كيف كان يعشقها وهي تركت، تخلت عنه هو وابنته مِن أجل آخر دون شفقة بإبنتها الصغيرة.

كيف يستطيع أن يمحي ذكريات الماضي الأليم الذي يسعى عقل دائمًا بتذكيره إيها، مسح وجهه بيديه بضعف وهو يستمع إلى حديث "سليم" القاسي إلى شقيقتها يجلس بضعف يُشاهد ما يحدث أمامه دون اهتمام وكأن ما يحدث شريطة فيلم يعرض في عقله دائمًا وهو يغوص في صراعه النفسي.

انتفض بهلع مِن على الاريكة وهو يستمع إلى صوت "سليم" يصدح في الغرفة بشيءً ما قد ألم قلبه لأول مرة.

_ أنتِ تكرهينها لأجل أنها تشبه رفيقتكِ، كلما تبصرها تبصرين وجه رفيقتك الوحيدة التي تركتكِ ورحلت تعاقبيها على شيء لم تقم به، لم يخطر في عقلك لثانية أنها مريضة قلب وأن حديثكِ القاسي هذا قد يضر بها.

زفر بحدة وهو يطلق سهام ناريّة نحو والدته دون أن يخشى شيء:

_حسنًا إذا كانت زوجتي لن تتلقى المعاملة الطيبة هُنا سأخذ زوجتي ونرحل إلى الأبد، سنغادر ولن ترونا مجددًا، أتمنى أن تكونان سعيدان بهذا لن أتحمل أن يصيب زوجتي وحبيبتي مكروه بفضلكم.

صمتَ وقد صمتَ الجميع آثار إنهاء حديثه صدح صوت اصطدام قوي مِن غرفته، هرع إلى هُناك وقلبه ينبض بعنف بينما عقله لم يرحمه مطلقًا يعرض له أسوأ الأشياء، تيبثت أقدامه بصدمة  وهو يرى جسد زوجته على الأرض شاحبة وكأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة إنحنا إليها يضعها على الفراش يمسك يديها بين يده:

_ سيلينا حبيبتي أنظري إليَّ لا تغلقي عينيكِ لا عزيزتي، لا تتركيني، انظري الطبيب أتًا لا تقلق تحملي فقط خذي نفس واخرجي ببطء هيا افعل ما أقول هيا غاليتي.

_سليم أنا لم افعل شيء خاطئ لِمَ يكرهوني هكذا ما الذنب الذي فعلت أنا، اخبروني رجاءً ماذا فعلت، أنا لم افعل شيء في حياتي مطلقًا، لم أرتكب أي أخطاء، إذًا لِمَ عمتي تكرهيني وتقول عني أنني مثلها خائنة مثلها سيأتي يوم واتركك مثلها.

_اصمتي عزيزتي لا تجهدي ذاتك في حديث غبي لا تهتمي بأحد عندما تطيبين سنذهب مِن هُنا اتفقنا.

_لا سليم أريد أن أتحدث لا استطيع تحمل هذا الالم الذي ينهش قلبي كل ثانيه، أنا أعتذر يا أبي إذا فعلت شيء سيء جعلك تكرهني أنا أعتذر منكم جميعًا لأنني اشبها هكذا ولكنني لم أختار أن أصبح نسخة مِن أمي، أتمنى فقط أنني لم أحيا لأحصد نتائج أفعالها هي.

صمتت تبلل شفتيها الجافتين قبل أن تردف بصوت هامس قد استمع إلى الجميع قبل أن تسقط يديها وتغلق أعينها للأبد.

أنا لستُ هي.

أنتهت مِن قولها لتغادر الحياة وتصعد روحها لخالقها ذهبت حيثُ لا أحد ينهال عليها بحديث مؤلم، غادرت روحها البريئة جسدها الضعيف بألم لن تستطيع تحمله، قلبها قرر أن يعلن انهزامه في معركة ليست عادلة انهزمت مُحاربة قد ولدت على الحياة تتحمل نتائج قسوة شخص آخر ليس لها ذنب به.

••••

بعد مرور عدة أيام مرات أيام العزاء ببطء كبير، أيام مظلمة حلت على المنزل ليسود المنزل حزن دفين لن يستطيع أحد محو، بينما في المقابر نجد "سليم" يجلس أمام قبر زوجته يبكي بانهيار يتمتم بحديث غير مرتب، شعره مبعثر حالته تُدمي القلوب عند النظر إليه، أين ذهب ذلك الشاب القوي قاسي الملامح.

ثيابه متسخ يجلس هُنا منذ أيام لم  ولن يغادر المكان لن يتركها ويذهب لقد سبق وأن وعدها أنه لن يتركها للظلام  مطلقًا وها هو لم يستطيع أن ينتشلها مِن ظلمة القبر، حبيبته تخشى الظلام كثير ماذا يستطيع فعله لكي لا يجعلها تخاف.

نهض بجسد الهزيل يقف أمام قبرها يتلمس بيديه الباردتان مِن برود الطقس وكأن الطقس يتحالف مع ألم قلبه الدامي، ينظر إليه بملامح خاوية، يزيل خصُلاته عن وجهه الشاحب يردف بشفتين شاحبتان بنبرة هامس  ومقلتيه يقصًا حكاية مِن حكايات ماضي فاني لن يستطيع الزمن محوها:

_ أعتذر يا حبيبتي لم أوفي بوعد لكِ لم أستطيع أن احميكِ مِن الجميع، جميعهم قسو عليكِ وأنا لم أفعل شيء، كنت أتمنى أن يأتي اليوم الذي نحيا به جميعنا بسلام والحب يحيط بنا، أعتذر اتوسل إليكِ ان تغفري ليّ خطئي الجسيم، لم أكن زوج يستحقكِ ولا حتي حبيبي جيدًا، أنا فاشل ضعيف، أنا لا شيء دونكِ رجاءً عودي ليّ لمرة واحدة، أريد أن اضمكِ لقلبي أن يشعر قلبي بالأمن داخل أحضنكِ مجددًا، عود ليّ يا مسكني الجميل، ودعًا ربما نلتقي قريبًا  وتلتقي قلوبنا مجددًا في  عالم آخر لا يوجد به قسوة.

ابتلع لعابه يودعها بنظراته، يسير مغادر ومشاعر كثير تتضارب داخله، صوت قوي يصرخ في رأسه وقلبه ينتفض بقوة يحذره مِن ألم جديد قادم إليه ولكن نوعًا ما الألم محبب إلى القلب، بفضله قد يلتقي بمَن يريد.

لا يستمع إلى شيء ولا يشعر بالامطار التي تغرق ثيابه يسير مثل جندي أنهزم في حربه النهائية، يبصر نور قريب يقترب منه لا يستطيع  الحراك قدميه مثبتتان، لا يعلم لم قلبه يخفق بشدة هكذا دقيقة دقيقتان قد مضو وجسده يرتفع مِن على الأرض للأعلي ليسقط مجددًا بقوة كبيرة وجسده يتدفق منه الدماء، يلتقط أنفاسه بصعوبة كبيرة، فتح مقلتيه قبل أن يغلقهم إلى الأبد وهو يلمحها تقف بعيدًا تُشير له بالاقتراب وهُناك بسمة جذابة على وجهه حين علم أنه حان وقت اللقاء، أغمض عيني بسلام إلى الأبد وبسمة راضية رسمة على وجهه.

•••

أسبوع مض كأعوام مضت على بقايا مدينة غارقة أسفل الصحراء تنتظر بكل شوق أستكشاف أحد لها  ولكن كيف ومتى لا تعلم تنتظر بشوق يتراقص بنغمة الماضي، الساعة الثالثة والنصف عصرًا، داخل المقبر مجددًا نبصر "مالك"  يقف يبكي هو وشقيقته بندم أمام قبور أبنائهم كل شخص منهم يحمل مشاعر مضطربة تعبث بجسدهم بكل طغيان، يبكي هو بنهيار ينحني بجسده أمام قبر ابنته الراحلة يعض على أنامله ندم، يريدها فقط أن تعود وسيخبرها كم يحبه كم هو غبي  لأنه استمع إلى عقل، يريد أن يبصرها امامه يبصر صغيريه اللطيفة التي كانت تتراقص معه على انغام الموسيقى في الماضي بكل مشاغبة، آهات يطلقه بكل ضعف مِن ثغره وكل آهً ينطلق منها حكاية مليئة بالذكريات المشحونة.

وضع رأسه يستند به على القبر لا يهتم بألغبار الذي لوث ثيابه يستمع إلى صوت شقيقته تهزي بضعف أمام قبر ابنه هي الآخرى تترجاه أن يعود وستفعل ما يريد ستصبح كما يريده هو، تتمنى أن يعود لكي تستنشق رائحته مرة واحدة بعد، تضمه إلى قلبها تتمنى أن يعود الوقت لتفعل كل ما يريده، أن تراه يقف أمامها ببسمته المعهودة التي تحبها أين هو وأين هي الآن.

_أنتِ لستِ هي عزيزتي، الآن فقط علمت إنكِ لستِ هي عودي إليَّ  وسوف أُصلح  كل شيء عودي ليّ صغيرتي الحبيبة وسوف أخبركِ كم أحبكِ عودي ابنتي الصغيرة المشاكسة.

كيف تعود وقد غادرة إلى الأبد، غادرة إلى عالم ليس به قسوة ليس به ظُلم هناك فقط الأمان غادرة وهي تردد بضعف أنا لستُ هي وكأنها تمحي ماضي ليس لها  ذنب به، لن يفيد الندم بعد فوات الأون، البكاء على القهوة المسكوبة لن يعيدها مجددًا قد فات اون…. تمت بحمدالله

إلهام صبحي الدالي

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنا لستُ هي

المؤلف إلهام صبحي الدالي
2025/10/20 مكتملة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة