آلقاء الأول

آلقاء الأول

12 0

كانت محطة القطار شبه خالية، والضباب يتسلّل بين الأرصفة كأشباح بلا أسماء.

وقفتُ هناك، أرقب القادمين...

بلا سبب واضح،

سوى أن قلبي كان يعرف أن شيئًا غير عادي سيحدث.

ثم ظهرت.

لم تكن تمشي، بل تنساب كأن الأرض خُلقت تحت خطواتها.

فتاة نحيفة، لكن حضورها ملأ المساحة كلها،

ترتدي معطفًا رماديًا طويلاً، وقبعة سوداء تخفي شيئًا من وجهها…

لكن عينيها لا تختبئان.

عيناها…

كانتا تشبهان النوافذ المفتوحة في بيت قديم مهجور:

فيهما حزن ساكن،

وسؤال لم يُسأل بعد.

اقتربت ببطء، تمسح بلُطف قطرات المطر عن جبينها.

ابتسمت.

لا أعرف كيف أشرح ذلك،

لكن ابتسامتها لم تكن مجرد انحناءة شفتين.

كانت وعدًا…

وعدًا بأن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت ممكنة.

أما صوتها…

حين قالت: "أهلًا"

شعرت كأن أحدهم مرّر وتر كمان على ضلوعي.

كان رقيقًا،

ناعمًا حدّ الانكسار،

كأن كل كلمة تخرج من فمها قد طهرتها النار قبل أن تصل إليّ.

لم أجب.

فقط حدّقت فيها…

وفي داخلي، انكسر شيء،

أو ربما، عاد شيء ما إلى مكانه بعد طول غياب.

لم تسألني من أكون.

ولم أسألها من هي.

كأن كلينا يعرف…

أن هناك رواية بدأت،

ولن يكون فيها أحدنا بطلاً وحده.

ربما كان المطر شاهدنا الوحيد… لكنه لم يكذب أبدًا.

لم تقل شيئًا، ولم تنتبه لي، أو لعلها فعلت… لكن بطريقتها التي لا تشبه أحدًا.

مشت نحو الكرسي الخشبي بجانب العمود الحديدي،

بللته قطرات المطر، لكنها جلست كما لو أن البلل لا يعنيها،

كمن اعتاد أن يجاور الألم دون أن يشتكي منه.

أخرجت من حقيبتها كتابًا صغيرًا، ممزق الحواف…

لم أحتج لأقترب كي أعرف ما هو.

كانت تمسك بـ"وان بيس".

نعم، نفس المانغا التي قرأتها مرارًا،

لكنها بدت مختلفة بين يديها،

كأنها كتاب مقدّس،

أو مرآة تفضح ما بداخلها.

قلّبت الصفحات ببطء،

كما لو أنها تحادث الشخصيات، وتعرف نهايتهم مسبقًا.

لم تبتسم، لكنها كانت غارقة.

وأنا؟

كنت غارقًا أيضًا… لكن فيها.

لم أعد أرى شيئًا غيرها.

في كل تفصيلة صغيرة:

طريقة انحناء رأسها،

كيف كانت تشد معطفها نحوها كلما مرّ نسيم خفيف،

كيف ثبتت شعرها خلف أذنها دون أن تلتفت…

كأنها تؤمن أن العالم لا يستحق أن يراها كاملة.

شعرت حينها أنني لا أملك شيئًا لأقدّمه لها.

هي تعيش في عالمها،

تكتفي به، وتكتفي من الناس بنصف نظرة.

ولو كنتُ مجنونًا، لقلت إنها تعرف أنني أراقبها.

لكنها لا تمانع…

بل تسمح لي أن أراها كما هي،

بصمت،

دون إذن،

ودون أن تكسر هذا الحاجز الساحر بين النظرة واللقاء.

ومن بين كل النساء اللواتي قابلتهن من قبل،

لم أُصب بالذهول هكذا.

فتاة تقرأ مانغا تحت المطر…

ومع ذلك، تشبه القصائد التي لا تُكتب.

ولأول مرة، تمنيت أن أكون أنا الصفحة القادمة التي ستفتحها.

مرّ الوقت ببطء… كأنه يخشى أن يُفسد اللحظة.

جلستُ بعيدًا، دون أن أبتعد عنها.

هي لا تزال على الكرسي الخشبي،

تقلب صفحات "وان بيس" كمن يعثر على نفسه بين السطور.

أحيانًا كانت تتوقف، تطيل النظر إلى رسمٍ ما،

ثم تنزل بعينيها،

وكنت أرى أنفاسها تتباطأ…

وكأن شيئًا في القصة أيقظ ذكرى نائمة.

وأنا؟

كنت أراقب كل شيء بصبر غريب،

وكأن قلبي تعلّم لأول مرة كيف يُصغي دون أن يتكلم.

لم تكن النظرات بيننا مباشرة،

بل كانت مترددة، خفيفة،

كمن يقرع الباب بخوف أن يُفتح.

هي لم تلتفت نحوي أبدًا،

لكنها كانت تعرف أنني هناك.

أعرف ذلك جيدًا…

فثمة حركات صغيرة لا تصدر إلا عمّن يشعر بوجودك،

لكنها لا تملك الجرأة على الاعتراف.

ثم…

سُمع صوت القطار.

لم يكن الصوت عادياً،

بل كأنه صفارة استيقظت من حلمها.

القطار دخل المحطة ببطء،

يزفر أنفاسه القديمة،

ويحمل معه عالماً جديدًا… أو نهاية عالَمٍ كان.

نهضت بهدوء.

أعادت المانغا إلى حقيبتها،

ثم وقفت، ورتبت خصلات شعرها بطريقة عشوائية،

وكأنها تستعد لشيء لا تفهمه بعد.

لم تنظر نحوي… لكني شعرت بها تمر بجانبي.

كأن عطرًا خفيفًا،

لا رائحة له،

التصق بي.

صعدت إلى القطار…

واختفت خلف الزجاج.

وقفتُ مكاني،

لا أملك تذكرة،

ولا وجهة،

لكني شعرت أنني تركت شيئًا لا يمكن استعادته.

هي لم تكن غريبة…

بل كانت قطعة من حياة نسيتها،

ثم ظهرت فجأة، لتقول:

"كنت هنا،

لكنك تأخرت."

وانطلق القطار.

ولم أعرف هل حملها بعيدًا… أم حملني أنا دون أن أتحرك.

منذ ذلك اليوم…

وأنا أعود.

كل صباح،

قبل أن تصحو المدينة من نومها،

أرتدي نفس المعطف،

وأمشي نفس الطريق،

وأسلك نفس الممر الضيق المؤدي إلى الرصيف الثالث.

لا أملك موعدًا،

ولا تذكرة،

ولا وجهة.

كل ما أملكه:

هو صورة عالقة في رأسي،

لفتاةٍ نحيلة، تجلس تحت المطر،

تقرأ "وان بيس"

وتبتسم ابتسامة لا تُنسى.

لم تنظر إليّ.

لم تكلمني.

لكنها فعلت بي شيئًا…

لا أملك له اسمًا،

لكنه يشبه أن تستيقظ فجأة،

بعد سنوات من النوم الداخلي.

لذلك…

صرت أذهب كل يوم.

لا لأراها فقط،

بل لأحتفظ بذلك الجزء من نفسي الذي وُلد حين رأيتها.

كنت أقف قرب العمود الحديدي،

أرقب القطار حين يدخل المحطة،

وأبحث عنها في الزجاج.

في الظلال.

في انعكاسات الضوء على المقاعد.

أحيانًا،

كنت أظن أنني رأيتها،

فأشعر بحرارة في صدري،

ثم يخفت كل شيء.

لا، ليست هي.

ومرة…

أقسم أنني رأيت حقيبتها.

لكنها لم تكن لها.

العالم مليء بالتشابُه،

لكنّها كانت مختلفة…

مختلفة كأنها مشهد حلم،

لا يُعاد ولا يُقلَّد.

كنت أعود كل يوم،

وأعود خائبًا كل يوم.

لكنني لم أتوقّف.

لأن شيئًا ما في داخلي

كان مقتنعًا…

أن من تترك أثرًا بهذا الشكل،

لا تخرج من الرواية هكذا فجأة.

لا بدّ أنها ستعود.

ولا زلت هنا…

في كل صباحٍ بارد،

أراقب الكرسي الخشبي،

كأنني أقرأه بدلًا عنها....يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

على صوت المطر

المؤلف Mohamad Jomali
2025/10/19 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة