المشهد الأول: البداية

المشهد الأول: البداية

22 0

لا أكتب لأشفى، بل لأتذكّر أنني ما زلت هنا.

كل مشهد اعتراف، وكل اعتراف وجع لم يجد له مخرجًا.

يقولون إن الكتابة تُنقذ، لكنها لم تُنقذني… فقط كشفت ما كنت أخشاه أن أراه.

إن وجدت نفسك بين السطور، فاحذر… فربما المرض ليس بعيدًا كما تظن.

هنا تكمل الحقيقة، عندما يعلم الجميع أنني ليس مريض نفسي.

وأن جميعهم يحتاجون للعلاج، لأنهم لم يراعوا مشاعري التي باتت لهم أضحوكة، يسخرون مني لمجرد أنني طفل يتجنب الجميع.

لم يعلموا لماذا أتجنبهم؟!

ولماذا أبتعد عنهم؟!

حتى عائلتي كانت تشبه العالم الخارجي في كل الصفات السيئة،

عندما تقرأ هذه الأعترافات قم بمراجعة نفسك أولًا ثم عد لطبيبك النفسي لأنك بالطبع أنت مريض لكنك لا تعلم.

لم أكن أفهم وقتها لماذا كانت المدرسة تُشبه السجن.

وجوه كثيرة، أصوات مرتفعة، ضحكات لا تنتهي، وداخلي صمتٌ ثقيل لا يفهمه أحد.

كنت الطفل الذي يجلس في آخر الصف، يراقب الجميع من بعيد، كأنه غريب عن الكوكب.

كانوا يقولون إنني “هادئ أكثر من اللازم”، لكنهم لم يعرفوا أن رأسي لم يكن صامتًا أبدًا… بل كان يضجّ بالأفكار.

كنت أخاف من العيون، من الأصوات، من اللمس، من أن يُقال لي “شارك”، لأن المشاركة كانت بالنسبة لي فضيحة.

مع الوقت صاروا يبتعدون عني، حتى المعلّمون.

كنت أرى في نظراتهم شيئًا يشبه الشفقة… أو ربما الخوف.

وفي أحد الأيام، سمعت أحدهم يقول بصوتٍ خافت:

> “ده ولد غريب… تحس إن وراه حاجة.”

لم أكن أعرف ما هي تلك “الحاجة”، لكني بدأت أفتش عنها في داخلي.

وكلما بحثت أكثر، وجدت فراغًا أكبر.

في الليل، كنت أرى وجوه زملائي في أحلامي، لكنها كانت بلا عيون.

يقفون من مقاعدهم وينظرون إليّ كأنهم يعرفون شيئًا لا أعرفه.

كنت أستيقظ مفزوعًا، أركض نحو أمي، لكنها لم تكن تصدق.

قالت لي بابتسامة باهتة: “كل الأطفال بيحلموا، يا زياد.”

لكن لم يكن هذا حلمًا يا أمي… كان البداية.

---

في عامي الثاني من الدراسة، كانت أول مواجهة حقيقية لي مع أحد الزملاء.

كان هناك شيء غريب يجذبني نحوه، وكأنني أعرفه منذ زمن بعيد.

اقتربت منه وسألته بخجل:

> – ممكن نكون أصدقاء؟

نظر لي مبتسمًا واقترب وهمس:

– نعم، نحن أصدقاء من الآن. ما اسمك؟

– أنا زياد… وأنت؟

– يوسف.

لكن شيئًا في رأسي لم يرتح له، صوتٌ خافت بدأ يهمس داخلي:

> اهرب الآن يا فتى… لا مكان لنا هنا وسط هذه البشرية. نحن أصدقاء، لا أحد يحبك مثلي.

وضعت يدي على رأسي، أحاول إسكاته، لكن الهمس تحول إلى صراخ.

صرخت فجأة وسط الفصل:

> “ابتعد عني! مللت منك ومن حديثك! ابتعد!”

تجمّدت الوجوه من حولي، ونظراتهم غرقت في الرعب.

كنت أرى نفسي من الخارج، كأنني جسد يتحرك دون وعي.

منذ ذلك اليوم، صار الجميع يبتعد عني… حتى المعلمون.

صرتُ “الولد المجنون”، كما كانوا يهمسون.

عدت إلى المنزل منهكًا.

فتحت الباب فوجدت والدي أمامي، نظر إلى أمي وقال بسخرية:

> “اهو ابنك المجنون جه.”

ثم غادر المكان.

لم أُجب. تركتهم وذهبت إلى غرفتي.

جلست أمام المرآة، والماء يتساقط على وجهي، وصوتي يخرج متقطعًا من بين أنفاسي:

> “أنا مش مجنون…”

لكن وجهًا آخر في المرآة ابتسم لي بسخرية وقال:

> “أنت طفل أحمق… ما زلت تحبهم رغم أنهم يكرهونك. العالم كله يراك مريضًا، وأنت تصدّق أنك بخير.”

صرخت فيه:

> “أنا لست مريضًا! أنت لا تعرف ما أراه كل يوم. لا تعرف كم مرة رأيت أمي تُعذّب أمامي، وأنا عاجز. كل مرة أحاول أن أوقفه، يغلق عليّ الباب… ويتركني أسمع صراخها.”

انفجرت دموعي.

كانت تلك الليلة أول مرة أفهم أن الجنون ليس دائمًا صراخًا في العلن،

بل صمتٌ طويل يأكل روحك ببطء… حتى لا يبقى منك سوى ظلّك.

يتبع...

عمرو ياسين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مذكرات مريض نفسي

المؤلف عمرو ياسين
2025/10/17 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة