“وميض الظلام"
مرّت ثلاث سنوات منذ الحرب الكبرى وسقوط المنظمة التي أرعبت العالم.
كبر ريان وآيلا، أصبح ريان في الثامنة عشرة وآيلا في السادسة عشرة، وازدادت قوّتهما حتى صارا يُعرفان بين القرى بـ أبناء اللهب والبرق.
لكنّ السلام الذي خيّم بعد الحرب لم يكن سوى سكونٍ يسبق العاصفة.
في إحدى الليالي الماطرة، كان ريان يتمرّن في أطراف الغابة، حين لمح وهجًا أبيض يخترق الظلام. اقترب بحذر، ليجد فتاةً ملقاة على الأرض، وجهها ملوّث بالدم، وعيناها تومضان بضوء غريب، نصفه نور ونصفه ظلال.
همست بصوتٍ مرتجف:
> "أرجوك... لا تدعهم يجدونني..."
اقترب منها ريان، يشعر بطاقةٍ لم يسبق أن لمس مثلها، حتى جاءت آيلا تركض وهي تصيح:
> "ريان! من هذه؟"
"لا أعلم... لكنها ليست عادية."
وقبل أن يكمل، انفجر من جسد الفتاة ضوءٌ هائل كاد يحرق الأرض من حولهم، ثم سقطت مغمىً عليها.
حين أفاقت بعد يومين، كان ريان يجلس إلى جوارها، عيناه القلقتان تخفيان اهتمامًا صادقًا.
قال بهدوء:
> "أنتِ في أمان الآن... ما اسمك؟"
ردّت بصوتٍ خافت:
> "اسمي... ألير."
سكتت لحظة، ثم تابعت بنبرةٍ يملؤها الألم:
> "أنا ابنة إلداروس..."
ارتجف قلب آيلا حين سمعت الاسم. إلداروس، سيد الظلام الذي حاول تدمير العالم قبل ثلاث سنوات.
لكنّ ألير لم تكن تشبهه. كانت مختلفة، كأنها نورٌ عالق في عتمةٍ لا تنتهي.
بدأت تحكي قصّتها بصوتٍ يملؤه الحزن:
كانت صغيرة حين ماتت أمها في حادث قتلٍ غامض، لم تعرف يومًا من كان القاتل. وبعد فترة قصيرة، تزوّج والدها امرأةً قاسيةً لا تعرف الرحمة، فبدأت سنوات العذاب.
كانت تُضرب وتُهان وتُجبر على تعلّم فنون الظلام حتى تصبح وريثة أبيها.
لكنّ قلبها أبى الشر، فهربت في ليلةٍ ممطرةٍ لا تشبه إلا وحدتها.
ريان نظر إليها طويلاً، رأى في عينيها وجعًا يشبه وجعه القديم.
قرر أن يحميها، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها كانت تحارب نفسها كل يوم.
بدأت الأيام تمضي، وآيلا وريان يساعدانها في السيطرة على قواها.
ألير كانت تحمل ضوءين متناقضين في داخلها:
نصف أبيض ورثته من أمها، ونصف أسود من أبيها.
وحين تغضب، يتحول الضوء إلى سوادٍ قاتل، تفقد معه وعيها وتدمر كل ما حولها، ثم لا تتذكر شيئًا بعد ذلك.
رغم الخطر، تعلّمت الضحك من جديد. كانت تبتسم بخجل، وتضحك مع آيلا، وتتعلم من ريان فنون القتال.
وبين النظرات العابرة والصمت الطويل، بدأ قلبها يهمس بما لم تفهمه بعد.
لكنّ الهدوء لم يدم طويلًا.
ذات مساءٍ، هاجم جنود إلداروس القرى المجاورة بحثًا عن "الوريثة".
الخوف عاد إلى قلب ألير، لكنّ ريان أمسك يدها بثبات وقال:
> "لن تهربي بعد الآن، لأنك لستِ وحدك."
وفي تلك الليلة، اندلع الجحيم.
ظهرت زوجة والدها، وجهها مملوء بالحقد، تصرخ:
> "عودي معنا يا ألير! هذا قدرك!"
اهتزّت الأرض، واضطربت السماء، وبدأ الضوء الأبيض في جسدها يتحول إلى ظلامٍ عارم.
صرخت آيلا:
> "ريان، إنها تفقد السيطرة!"
اندفع ريان نحوها وسط العاصفة، أمسك وجهها بكلتا يديه، وصوته يغلب عليه الرجاء:
> "ألير، أنتِ لستِ شريرة... أنتِ النور الذي نحارب لأجله!"
دموعها انسابت، لكنّ الظلام ازداد اشتعالًا.
وفي لحظةٍ خاطفة، اندفعت زوجة أبيها بخنجرٍ نحوها، فركض ريان، تلقّى الطعنة بدلها، وانهار بين ذراعيها.
شهقت ألير، صرخت حتى تمزق الهواء، واهتزّ جسدها بانفجارٍ من الطاقة.
ريان رفع يده المرتجفة، ولمس خدّها قائلاً بابتسامةٍ باهتة:
> "نمِي قليلًا... ستكونين بخير."
وضع حبة منوّم في فمها بلطف، وقبّلها برفق، قبل أن تغيب عن الوعي.
ثم انفجر المكان، لكنّ آيلا استعملت نيرانها لتغطي انسحابهم، وهربوا جميعًا إلى قريةٍ بعيدة وسط المطر.
بعد يومين، فتحت ألير عينيها ببطء، فرأت آيلا تنظف جراح أخيها، وريان يبتسم رغم الألم.
بكت بصمت وقالت:
> "أنقذتماني... وأنا كنت السبب في كل هذا."
أجابها ريان بصوتٍ هادئٍ كضوء الفجر:
> "لا أحد يُولد شريرًا، يا ألير... النور الحقيقي يُخلق من الجراح، لا من الراحة."
ابتسمت، لكن في قلبها كان سؤال واحد يطاردها: من الذي قتل أمها؟
لم تكن تعلم أنّ الإجابة أقرب مما تتخيل، وأنّ الظلام الذي ورثته لم يكن صدفة، بل بداية قدرٍ جديد ينتظرها.
وفي أعماق قصرٍ مظلمٍ بعيد، جلس إلداروس على عرشه، يطالع صورتها بعيونٍ باردة، يتمتم بكلماتٍ كأنها لعنة:
> "سأعيدك إليّ يا ابنتي... فالدم لا يخون، والظلام لا يموت."
هكذا بدأت رحلة ألير الحقيقية، بين النور والظلام، بين الحبّ والخيانة، وبين ماضٍ يُطاردها ومستقبلٍ يُراد له أن يُدفن في الدماء. 🌘✨
القاء القاء