تناثرت خيوطٌ ذهبية في الأفق كأنها نُثار حُلُم قديم...
رقصت فوق الأرض الموحشة حيث يُغنّي النهر مع الطيور نشيدًا لا يُشبه الحياة، بل رثاءً صامتًا لشيء اندثر.
في البعيد... حيث تتقاطع الأطياف مع الظلال،
وحيث كانت كل الأراضي يومًا ما جسدًا واحدًا،
تنبعث همسات خفيضة كأنها أنين قلوب تُحتضَر،
يتردّد صداها في فراغٍ مملوء بالفساد والرماد.
دَوَت أصوات أقدام ضخمة تشقّ الأرض شقًّا،
تلتها صرخات البشر هاربةً، تتعثر بأنفاسها،
وصليل رماح يتضارب مع صرخات الاستغاثة...
لكن لا أحد يأتي،
فالشياطين تنظر من علٍ،
بابتسامة تعجّ بالشر، وتنشر الخراب كما ينتشر الحريق في هشيمٍ يابس.
كل ذلك... نُقش على لوحة فنيّة يتيمة،
معلّقة داخل متحف مهجور،
تعلوها طبقات الغبار كأنها لُعنة الزمن.
لونها الذهبي والأحمر يُثير القشعريرة،
تُغطّيها كتابات سرّية بلغة لا تنتمي لأي أرضٍ أو زمان،
كلمات مشوّهة... مريضة... لكنها الأمل الأخير لتفكيك اللعنة.
إنها أرض سرمد،
الأرض التي كانت تحتضن سبع أراضٍ متحدة،
قبل أن تُبعثرها شياطين أركاديا،
وتحوّلها إلى شظايا ضائعة في الفوضى.
وحده من يختار "كتاب الرسم" سيكون له حق المصير.
هو الذي سيتحدّى القدر في أرضٍ تسكنها الشجاعة،
والقوى، والشر، والخداع...
الأراضي السبع:
فلوريا
الترايا
سيرينا
أزوريا
كاريس
ميستريا
وسرمد نفسها...
كل أرض لها كلمتها... ورقمها... وسرّها...
وكل أرضٍ ينتظر أميرٌ مسجون في دهاليزها من يُحرّرها.
**
في أعماق كهفٍ لا يزوره النور،
حيث تختنق الأنفاس وتتلوى الظلال كأنّها أرواح تائهة،
كانت الصخور السوداء تُحيط بالمكان كأذرع الموت،
تتدلّى من السقف كأنها أنياب تنتظر الانقضاض.
الهواء ثقيل... كأن كل نسمة تمرّ فيه محمّلة بالتحذير.
رائحة الرطوبة ممزوجة بشيء آخر...
برائحة الدم والخطر القادم.
في ذلك العمق الضيّق،
دوّت أصوات السيوف كالرعد،
تتراقص أصداؤها كصفعات الزمن فوق جدران الكهف،
كأن المكان نفسه يئنّ من شدّة الضربات.
لهاث متقطّع...
أنفاسٌ ثقيلة تتسارع من صدرين مُنهكَين،
قطرات العرق تنحدر كأنها دموع خائفة،
تهوي على أرض الكهف الرطبة،
تختلط بالغبار والدماء التي لم تجد من ينتحب عليها.
صرخة!
اندفع جسده بقوة،
عيناه متقدّتان بلهبٍ لم يعرف الرحمة،
صوت السيف وهو يهوي من قبضته...
كان أشبه بانفجار قدرٍ مكتوم.
ارتطم الحديد بالأرض، ودوّى صوته كالرعد يشقّ سكون الكهف.
رفع عينيه...
ذهبيّتان، مشعتان كأنهما شمسين في ظلام،
تحدّق في خصمه... أو في الظلّ الذي أمامه،
وابتسامة ارتسمت على شفتيه،
ابتسامة لا تُشبه الفرح... بل تُشبه نجاة من الموت بثمنٍ لا يُحكى.
**
طق... طق... طق...
دقّات خفيفة على الباب الكبير،
كأن الزمن نفسه يطرق باب القدر.
– "تفضّل."
صرير خافت، وارتجف الباب الأبيض المزخرف،
تشقّق الصمت وهو ينفتح على قاعة تُشبه الحُلُم،
الجدران بيضاء كالثلج،
تتراقص عليها نقوش حمراء تنبض بالفنّ والرموز،
أرضية تعجّ بالألماس المتناثر كنجوم سقطت من السماء،
وريحٌ غريبة تعبر المكان،
باردة... ولكنها مشحونة بالانتظار.
في وسط القاعة،
عرشٌ فخم يتربّع كملكٍ متوَّج بالأساطير،
تحيط به الورود كأنها تخشى أن تذبل أمامه،
وعلى العرش... جلست هي.
شعرها الأبيض ينحدر كأنّه خيوط ضوءٍ مسحور،
عينان بيضاوان يتخللهما وميضٌ أحمر لا يُفسَّر،
وجه شاحب... لكنّه لا يخلو من الهيبة،
وتاجها المرصّع بالنجوم بدا وكأنّه حكايةٌ لا تنتمي لهذا العالم.
لم تتكلم...
مجرد صمتٍ ثابت، ونظرة ساكنة تنتظر ما سيُقال.
انحنى الرجل أمامها، بصوت يعلوه الاحترام:
– "مولاتي، وردنا نبأ من كالويس… إنهم قادمون. سيأتي من يحررنا من شياطين أركاديا."
تشدّدت عيناها،
وطرقت أصبعها الرقيق على الطاولة بخفوت:
– "من هؤلاء؟"
أجاب بخفوتٍ متردد:
– "شابان وشابتان... فقط أربعة أشخاص."
رفعت حاجبًا، وانعكست الدهشة على ملامحها الفاتنة:
– "أربعة؟ ألم يُقال قبل سنين… إنه واحد؟ واحد فقط يحمل المصير؟ كيف لهذا أن يتغيّر؟"
– "لا أعلم، مولاتي أريانا، ولكنها الرسالة التي وصلتنا من جزيرة عرين الأسرار..."
أسندت ظهرها برفق، وكأن شيئًا خفيًا يعتصرها،
وتحدثت كأنها تتحدّث مع ذاكرتها:
– "أخبرني والدي الراحل... أن شخصًا واحدًا فقط سيحرر الأرض،
لكل أرض محررها... ولكن الآن، أربعة؟
هل يعقل أنهم... الأبطال القرمزيون؟"
وساد الصمت.
**
في زاوية من هذا العالم...
دخل الشاب إلى منزله المتواضع،
وألقى بجسده المُنهك على أريكة مخملية،
لونها عنّابي كأنها تُخفي تحته جراحًا لا تُرى.
الأثاث راقٍ… لكن في داخله هوة لا تُملأ.
كانت تلك الليلة تُشبهه… ساكنة من الخارج، ممزّقة من الداخل.
رنّ هاتفه،
ضوء الشاشة اللامع قطع ظلام الغرفة،
"محمد" – هكذا كان الاسم.
– "مرحبًا."
قالها بصوتٍ هادئ، لكنه يحمل في طيّاته تعب الأعوام.
– "يا فتى! لماذا ذهبت دون أن تنتظرني؟! بحثت عنك في كل مكان، ثم تذكرت... كالعادة، تذهب بلا وداع."
ابتسم آدم بفتور،
– "محمد، تعلم أنني أكره التأخير.
اليوم كان ثقيلًا… وأنت تطلب مني الانتظار؟"
ضحك محمد، وإن كان في صوته نبرة عتب:
– "آه يا آدم… لن تتغيّر. لكن ما بالك؟ صوتك يبدو… خامدًا."
تنهد آدم بعمق،
– "لماذا اتصلت؟"
– "غدًا… هناك مسابقة لأفضل رسّام في المدينة. هل ستشارك؟"
سكنت عيناه…
نظر إلى يده اليسرى،
كانت خالية،
أما اليمنى فتُمسك بالهاتف كأنها تحمل وزن ذكريات كاملة.
أغمض عينيه ببطء،
– "أنت تعلم… تركت الرسم منذ عامين. منذ الذي حصل… لا أريد أن أكرر الألم."
ساد الصمت…
محمد عضّ شفته ندمًا،
ضرب جبهته بيده،
– "آسف… نسيت تمامًا."
همهم آدم، كأن قلبه غفر قبل لسانه:
– "لا بأس…"
غيّر محمد الموضوع، بنبرة تحاول التخفيف:
– "أوه، لا تذكرني بيومي! المدير كاد يطردني بسبب تلك الحمقاء،
ثاني يوم لي في الوظيفة، وكدت أطير منها! هههه… حظي العاثر كالعادة."
لكن آدم… لم يجب.
كان قد غرق في عالمٍ آخر،
عالم تسكنه ذكرى واحدة… لا تموت.
– "آدم؟ هل تسمعني؟"
– "سأراك غدًا، سأذهب للاستحمام… اليوم كان مرهقًا."
قالها بصوت يشبه ارتطام حزنٍ قديم في قلبٍ لم يندمل.
– "حسنًا… إلى اللقاء."
أغلق محمد الخط،
ورمق هاتفه بنظرة ندمٍ قاسية.
– "أيها الأحمق… كيف نسيت؟!"
شدّ شعره بغيظ،
وصوته بالكاد خرج من بين شفتيه المرتعشتين:
– "كان عليه أن ينسى… وأنا أعدته للهاوية."