صدى مجهول

صدى مجهول

15 0

{الفتاة التي عادت ليست سوى صدى

لحبيبته المتوفاة.}

_____________________

إستيقظ بعد ذلك الحلم الذي يذكره بفراقها، و على وطأة الألم والاشتياق، أخذ ملابسه متوجهًا نحو

الحمام، ولكن لاحظ شيئًا يلمع في خزانته. أخذه وقرّبه ناحيته، ليتفاجأ بساعة مكسورة عادت كما لو أنها جديدة. كانت هدية منها. شعر بالحنين كأنه أخذ قطعة منها. لكن كيف وصلت هنا؟ ما الذي حدث حتى عادت هذه الساعة كما كانت؟ وضعها على الطاولة وذهب ليستحم.

بعد أن ارتدى ملابسه والساعة، حمل الهاتف ورأى ما هو اليوم. إنه الجمعة، 12 من شهر ديسمبر 2025. تمعّن في السنة متفاجئًا: "كيف؟! ألم يكن البارحة عام 2035؟! كيف حدث هذا؟ هل عدت بالزمن؟" هههه. ضحك باستهزاء، "هذا لا يمكن. سأتأخر عن العمل، وواضح أن هناك خللًا في هاتفي".

ذهب إلى العمل، ولم يكن هناك شيء مهم غير تغير التواريخ. أما زملاؤه في العمل، فهم كالعادة. وبما أن اليوم جمعة، سيعود إلى المنزل مبكرًا، وقبل ذلك سيزور زوجته المتوفاة كعادة كل جمعة. لكن هذه المرة، وبعد أن دخل إلى المقابر بحثًا عن قبرها، لم يجده. سأل صاحب المكان، إذ قال إن لا وجود لقبر بهذا الاسم. لكن كيف؟! لقد زارها الجمعة الفائتة. أخبره صاحب المكان أنه لم يره هنا من قبل. سكت وعاد إلى أدراجه. أخذ

هاتفه يتصل بأخته، فلا تجيب. يتصل بأمه وأبيه، لا شيء. شعر بالذعر وذهب إلى منزل والديه، وكان عليه أن يمر من جانب مدرسته الثانوية التي درس فيها من قبل. وأثناء المرور من الزقاق، رآها من بعيد. هي الفتاة التي أحبها في تلك الفترة، والتي تزوجها وماتت. لا تزال صغيرة، تحمل حقيبتها المدرسية عائدة إلى المنزل، نحيلة، قصيرة القامة، شعرها البني يتطاير إثر الرياح. ابتسامتها المشرقة أعادته إلى حنين الماضي، وإلى شوق وحزن بالكاد خرج منه. وفي تلك الثواني القليلة، استرجع ذكرياته معها، لحظات خطبته بها، وزواجهم، ولحظات انتظارها أمام الباب لعودته. كان يحبها ويهتم لها وتحبه. كانا يأملان العيش في مستقبل مشرق معًا ومع أطفالهما. لكن انتهى كل شيء بموتها.

عاد إلى منزل والديه، لم يجد أحدًا، بل وجد عائلة أخرى، ليتذكر أنه قد انتقل من المنزل بعد العام الدراسي الذي التقى فيه بزوجته المتوفاة. هو يعرف أين انتقل والداه، لكن شعر بأنه لا يريد الذهاب إليهم ولا يعرف لماذا. عاد إلى منزله مضطرب المشاعر، يمقت هدوء منزله وعلو صوت أفكاره. حضّر غداءً خفيفًا، وبينما يتناوله، توصّل لفكرة: تتبع زوجته الصغيرة فقط، سيراقبها من بعيد.

غسل الأطباق واستلقى على السرير ليقضي نهاية

الأسبوع على ذلك.

________________________

مرحبا! هل من أحد في المنزل؟ عادت إيلينا

بمفردها إلى المنزل، ووجدته فارغًا. شعرت

بالوحدة للحظة، ثم غيرت ملابسها وحضرت مائدة الطعام. كانت تأكل بصمت، تتذكر زميلها الذي أحبته وكيف اختفى فجأة. ظنت أنه غير المدرسة، وكان ظنها في محله. شعرت بغصة؛ لم يبق لها سوى حسابه على "إنستغرام". لا تزال تتذكر دعاءها له ليكون زوجها، شعرت بالغباء. أنهت طعامها وغسلت الأطباق، ثم توجهت نحو مكتبها لتكمل دراستها. إنه آخر عام لها في المدرسة، لذا عليها أن تدرس باجتهاد لتحقيق أحلام لا تعرفها، لأنها لا أحلام لها. هي لا تحلم بتخصص أو وظيفة ما، ولا تعرف ماذا تفعل. تشعر بالضياع في بعض الأحيان، وبسبب كثرة هواياتها شعرت بالحيرة. فهي ترسم رغم أنه مر سنتان على انقطاعها، كما أنها تحب الكروشيه، والغناء، وقراءة الروايات. ولكن كل هذا لا يهم، فما تريده الآن هو الحصول على درجة "ممتاز" في نتيجة التخرج. مر الوقت بسرعة دون أن تشعر، عادت أمها من الخارج ثم تبعها كل أفراد العائلة.

​مرت الأيام ثم الأشهر، واقتربت نهاية النصف الأول من الموسم الدراسي، وشيء لاحظته كثيرًا وقد أزعجها ذلك:

سيارة سوداء "مرسيدس" من الطراز الحديث تقف

أمام المدرسة كل يوم. ظنت في البداية أنه أحد

الآباء ينتظر ابنه، لكن الغريب أنها تجدها أمام منزلها

حين تعود، وتراها أثناء سيرها في الطريق نحو المنزل. "غريب حقًا، لماذا أنا مطاردة؟ لا أريد أن أُختطف على الأقل حتى ينتهي هذا العام الدراسي". حفظت أرقام لوحة السيارة من كثرة رؤيتها، كما أنها في أحد الأيام رأت من بداخلها. لقد كان رجلًا أسمر بعض الشيء، كأنه حنطي، يرتدي نظارات. لم تستطع رؤية وجهه بدقة، كان عريض الأكتاف، ولا تعرف كم قد يكون عمره. على أي حال، تجاهلت الأمر ولم يتسلل الفضول إلى قلبها قط، بل شعرت بأنه يحميها رغم أنها تشعر بالانزعاج من نظراته، لكنها لم تأبه.

​انتهى النصف الأول من العام الدراسي وفرحت بنتيجة تعبها، وشعرت بالرضا لحصولها على نقطة متفوقة كتلك. وأثناء عودتها إلى المنزل، لاحظت تلك السيارة مجددًا. بدأت تسير بهدوء وقطعت الشارع دون أن تلتفت، لعدم سماع صوت محرك السيارة. لكن لم تنتبه أن تلك السيارة لا تزال تتبعها، وفجأة اصطدمت بها، و قد كان سيكون حادثا لو لم يكن يتحرك بسرعة منخفضة. سقطت على ركبتيها واتسخت ملابسها، لكن جيد أنها لم تُجرح في مكان ما. سمعت خروجه من السيارة فالتفتت نحوه، أمسك بكتفيها

يحوم حولها بنظرات قلقة، بينما تنظر إليه باندهاش.

قال بصوته الأجش: "هل حدث لك مكروه؟

هل تأذيت؟ آسف، لم أنتبه أنك ستعبرين الشارع".

​نظرت نحو يديه بانزعاج واضح، فأبعدهما بسرعة.

نهضت، ونفضت الغبار عن ملابسها، وقالت: "لا مشكلة، لم يحدث شيء. بل أنا من عليها الاعتذار؛ لأني لم ألتفت لأرى إن كانت هناك سيارة في الشارع. هذا خطأي، وأنا آسفة".

​لاحظت أنه وسيم، لكن أكثر ما أثار اندهاشها هو تطابق ملامحه مع زميلها السابق الذي أحبته من كل قلبها. حقًا غريب! كأنه نسخته الكبرى. يبدو أنه في بداية الثلاثينات، يرتدي بدلة عمل رسمية. شعره المرتب بعناية ولحيته الخفيفة أضافا جمالًا ساحرًا إلى وجهه. كان طويلًا، وصلت إلى صدره بالضبط؛ طول مثالي.

​تفقد السيارة ثم قال: "ما اسمك؟"

​أخبرته: "اسمي إيلينا، وأنت؟"

​ابتسم ابتسامة جانبية ونظر نحو عينيها وقال: "أليكس. تشرفت بلقائك. ما رأيك في الفطور على حسابي؟"

​قالت بتردد: "أوه، تشرفت بمعرفتك. حسنًا، لمَ لا؟"

​لا تعرف لماذا وافقت على الذهاب معه بعد أن كان يطاردها كل تلك الفترة. ركن السيارة وتوجها نحو مقهى صغير. طلبا الطعام وجلسا يتبادلان أطراف الحديث. حصلت على رقمه

وحسابه على "إنستغرام". بدأ يتحدث عن حياته

الشخصية، وبدا مرتاحًا في الحديث كأنه يحادث

صديقًا قديمًا. عرفت أنه يسكن في مجمع سكني راقٍ ومكان عمله.

​فقال: "أتفهم شعورك بالضياع، لقد كنت كذلك في ذلك الوقت". نظر نحو كأس القهوة بينما يلف الملعقة في القهوة بعد أن وضع سكرًا بها. "لقد كنت مثلك، بالكاد حصلت على هذه الوظيفة واستقريت فيها. أتعرفين؟ أظن أن تخصص تصميم الديكور سيكون مناسبًا لك". ظهرت في ملامحه نظرة حزن لم تفهم هي سببها، فقد كان ذلك تخصص زوجته. لا يزال يحتفظ بأعمالها في المنزل. نظر نحو عينيها فشعرت بالتوتر وأردفت: "أجل، قد يكون لديك الحق، سأجرب الأمر".

​أجاب بينما يرتشف رشفة من القهوة: "جيد. إذًا، أراك فيما بعد يا إيلينا. استمتعت بالوقت معك". فتح لها باب المقهى وخرجت هي مردفة: "شكرًا لك على القهوة، في المرة القادمة ستكون على حسابي". أجاب بينما يلوح لها: "أتوق لذلك". تنفست الصعداء وشعرت بشيء ثقيل على صدرها. لم تسأله عن مراقبته لها، ظنًا منها أنها أخطأت في ظنها به. تأملت حسابه بينما تعود إلى المنزل متشوقة للقادم.

عادت إلى المنزل وكذبت بشأن تأخرها بأن أحد الأساتذة

يريد إضافة بضع ساعات لشرح درس بحجة أنهم

متأخرون، فتقبلوا الأمر بسرعة. أكلت الغداء

واستلقت على السرير متنهدة. أخذت هاتفها، تتصف حسابه بتركيز. كان خاليًا تمامًا من أي شبهات، ونظيفًا ومرتبًا.

تفقدت قائمة من يتابعه، ووجدتها نظيفة، فسعدت بذلك ولا تعرف لماذا. على أي حال، بحثت عن اسم شركته ووجدتها بعد بحث طويل. كانت هناك قائمة الموظفين ومنها عرفت عمره؛ إنه في الثامنة والعشرين. لقد تفاجأت بعمره، وكذا اسمه الكامل. وبالطبع كان نفس اسم زميلها، لكن دون اسمه الأوسط: "أليكس بيردون" وليس "ألكسندر ميل بيردون". تعجبت من الأمر وظنت أنه قد يكون له صلة بعائلة بيردون. وجدت أيضًا طوله، كان كما حلمت أن يكون زوجها، 188 سم، ووزنه وسنة ميلاده. لا تعرف لماذا وضعوا هذه المعلومات كلها، وظنت أنهم سيفعلون نفس الشيء معها. تخيلت ألا توظفك شركة بسبب وزنك الزائد أو طولك.

​تفقدت المجمع السكني الذي يسكن فيه. لقد كان أفضل شيء رأته حقًا. يتميز هذا المجمع السكني بإطلالته الخلابة على الحديقة، وتعدد نوافذه، بحيث أن الشمس تتسلل من الفجر إلى الغروب. نوافذه طويلة تمتد من السقف إلى

الأرض، وبه أيضًا شرفات جميلة يمكنك تزيينها

بما تحب، وتعدد الغرف مع مساحتها الكبيرة،

كما يتوفر على مسبح مشترك ونادٍ رياضي في الطابق الأرضي. لقد كان حلمها أن تعيش حياة هادئة في أحد هذه المنازل وتنعزل عن العالم.

​تفقدت "الإنستغرام" مجددًا، ووجدت أنه وضع "ستوري" أو ما يسمى "حالة" أو "قصة". كانت عبارة عن صورة له وهو في النادي الرياضي، أكتافه بارزة من على قميصه وعضلات صدره أيضًا. يقف بوضعية مثيرة، فوضعت قلبًا دون أن تشعر. وبكل صراحة هي تحب الأجسام الرياضية غير المبالغ فيها. وضعت الهاتف على الجانب وعدلت الفراش لتأخذ قيلولة قبل أن تبدأ في دراستها، لكن الكوابيس ستزعجها لاحقًا أثناء نومها.

•_________________•

عدد الكلمات :

1400

إنتهى الفصل هل أعجبتكم البطلة و ماذا عن البطل ما رأيكم في البداية أتمنى أن تنال إعجابكم متحمسة لتعلقاتكم شكرا على دعم و أخبروني ماذا أسمي جيشنا جيش الحلوين أو جيش السكر أكتب أسماء لجيشنا سعدت بلقائكم و وداعا إلى اللقاء القادم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Echo from the past|صدى من الماضي

المؤلف Fatima
2025/09/15 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة